
كتبت أوغيت سلامه في “المسيرة” – العدد 1461
الجزء الأول
محامية ماهرة كرّست كل مهاراتها لقضية “القوات اللبنانية”، أو قُلّ قضية القضايا. من بيت “كتائبي”، والدها رئيس قسم “الكتائب” في بعبدا، وهي التزمت النضال السياسي أبًا عن جد، كما ورثت من الأب الموظف في وزارة الشؤون الاجتماعية شغفه بهموم الناس ومشاكلهم الاجتماعية… انخرطت في صفوف “القوات اللبنانية” من أيام جامعة الحكمة والتحقت بفريق “غاما زيرو” مع الشهيد رمزي عيراني وجوزف هاني وناجي زخور. أما العامل الجذري الذي جعل منها “قواتية” حتى العظم فكان مشهدًا لا تنساه حصل أمام بوابة بكركي بعد اعتقال الدكتور سمير جعجع. في هذا اللقاء تقلّب صور الماضي المطبوعة في ذاكرتها بالأسود أو الأبيض، فلا مجال للرمادي مع ريتا لويس ملاط العلم، وتروي كيف عمل “أبناء مريم” القواتيون كي يبقوا ويستمروا على رغم السجن والقهر والجوع.
تبدأ رواية ريتا برسالة كُلِّفت بحملها ليلة اعتقال الدكتور سمير جعجع. تقول “قبل أن يعتقل الحكيم جاء أحد المسؤولين في “القوات” وقال لي “ضروري تطلعي عند الحكيم وتخبريه إنو طالعين ياخدوه”. كان الحكيم قد منع عدداً من القياديين في “القوات” من زيارته في غدراس حرصاً على أمنهم، المسؤول صديقي وصلته المعلومات من أحد أقاربه”. حملت ريتا الخبر وانطلقت الى غدراس، لم تتمكن من رؤية الحكيم فأبلغت الخبر لأحد المسؤولين المقربين منه، إلا أن الحركة في المقرّ كانت تؤكد أن القائد كان على علم بالمكيدة التي تحضّر له.
في التحرّك الأول الذي تداعى إليه “القواتيون” الى بكركي تلقت الدعوة من الرفيقين بول عنداري وجوزف هاني. تروي ريتا عن صباح ذاك الأحد، “ذاك اليوم العصيب وصلنا مع رفاق “الغاما زيرو” الى بكركي باكراً جداً وتمكنا من الدخول الى باحة الصرح قبل أن يقفلوا البوابات، يومها قال لي الوالد “لن يكون الوضع سهلا ريتا، وإذا كنتم تريدون أن تدخلوا الى بكركي عليكم أن تتوافدوا بأعداد صغيرة كي لا تلفتوا الانتباه إليكم ولا تتواجهوا مع القوى الأمنية وتتعرضوا للتوقيف” وهكذا حصل. عندما لاحظوا أن الجموع بدأت تزيد عن العدد المعتاد للذين يحضرون قداس يوم الأحد أقفلوا بوابة بكركي، فانقسمنا ناس في الداخل وكثر كثر في الخارج. لم أتزحزح لحظة عن الرفيق بول الذي دخل والتقى سيّدنا غبطة البطريرك صفير الذي كانوا زرعوا في رأسه أننا آتون الى بكركي لنفعل به كما فعل يوماً العونيون عندما اجتاحوا الصرح. كان البطريرك محتاراً بين أن يقيم القداس أو يمتنع عن ذلك، الى أن تكلم معه بول وأوضح له الصورة تماماً، عندها أقام القداس بحضور الوفود القواتية”.
تتابع ريتا: “عندما خرجنا من الكنيسة كانت أعداد الوفود قد تضاعفت وصارت بالآلاف خارج بوابة الصرح، وكانوا يحاولون فتح البوابة للدخول، فسمعت أحد ضباط الجيش يومها يعطي الأوامر باقتحام الجموع بالدبابات. لم أستوعب الأمر في البداية، معقول أن يتخذ ضابط هكذا قرار ويقتحم بدبابته لبنانيين مثله؟ أنا أعرف أن هذا حصل أيام النازية مع هتلر، أو في الصين مع ماوتسي تونغ أو مع حافظ الأسد في سوريا…، لكن في لبنان لا يعقل!! رفاقنا وصلهم خبر تحرّك الدبابات باتجاههم فتسلقوا البوابة وخلعوا قمصانهم وارتموا في الأرض لتمرّ الدبابات على أجسادهم… عندها دارت دبابات الجيش بدل أن تنطفئ، وبدأت تتحرك باتجاههم، في تلك اللحظة هرعت النساء لتغطية الشباب في الأرض بأجسادهن، وبينهن ديامان رحمة. في تلك اللحظة أحسست أن حياتي صارت حياتين، أنا أعيش في بلد تمشي فيه الدبابات على أجساد الأبرياء!!!…”.
تختنق الكلمات في حلق المحامية الصلبة. تكرج الدمعات هاربة من إرادتها، وهي التي قرّرت من بداية الحديث ألا تتأثر، تبكي… تتذكر وتكمل “إستعرضت واقعي، أنا أعيش مرتاحة في بيتي وجامعتي ومعي سيارتي وحياتي المرفهّة… وهؤلاء يُضطهدون ويرتضون هذا الذلّ بكل صلابة، ما يعني أن لا بد أن قضيتهم محقة جداً… في تلك اللحظة عرفت أنني انسلخت عن حياتي ودخلت حياة جديدة. وعلى رغم محاولات بول للردّ عن الشباب إلا أن عناصر من الجيش أطلقوا النار وأصيب كثر من الرفاق، ونشرت “المسيرة” الصور يومها، وأصيب رفيقنا ميلاد عساف وكثر معه، يومها تعرفت عليه وعلى ديامان رحمه”.
بعد نزول ستريدا الى بيت يسوع الملك التحقت ريتا مع جماعة “غاما زيرو” بالذين وضعوا كل إمكاناتهم بتصرّف زوجة القائد المعتقل، وبدأت المجموعة تكبر. وتتابع ريتا “كنا كمحامين نتمتع بمساحة أوسع للتحرك من باقي الرفاق، ما سمح لنا بالحراك على الأرض وملاحقة الأمور القانونية والتوقيفات…الى أن نظمنا أول حفل لأطفال الشهداء بمناسبة عيد الميلاد، يومها جاء جوزف هاني وأخبرني عن المشروع، فقلت له كيف سننجزه ومن أين سنأتي بالمال؟ ردَّ بثقة “كل ما نحتاجه هو ثمن الهدية وكيس الحلويات، وسنؤمن المال الكافي لها”. بدأنا بـ 300 ولد وإنتهينا بعد سنوات بألف. وبدل أن نسعى لجمع الأموال من المتبرعين، باتوا هم يتصلون بنا ويبلغوننا أن مبلغاً من المال قد حُوِّل لنا لتمويل الاحتفال كالعادة. وكانت التبرعات تأتينا من داخل لبنان ومن لندن وقبرص والولايات المتحدة والسويد وأوروبا… ولا أنسى من كان يتبرع بالثياب لأطفال الشهداء والموقوفين لأعياد الميلاد والشعانين أيضاً، وكانت من أفضل الماركات العالمية. لا تعتقدوا أن أحداً كان يسترخص بتبرعه!! فالكل كان يعطي من قلبه. حتى شموع الشعانين كانت تصلني كلفتها من جهاد سليمان في لندن كي أختارها لتليق مع ثياب أولادنا وأحذيتهم. كنا نحيط بكل تفصيل يخصّ أولاد المعتقلين مع الحكيم زوراً، حتى الـ”بوش دو نويل” كانت تتأمن من المتبرعين ومثلها سلل الشوكولا وكان المرحوم رمزي عيراني يتولى تأمينها وتزيينها.
أما المواد الغذائية فكنا نتكل في البداية على تبرعات الرفاق والمؤيدين للقضية، بعدها أسسّنا “رابطة أبناء مريم” وقدمنا أوراق العلم والخبر لشركات “سبينس” و “أبو خليل” و”سوبر ماركت الحاج” في جبيل الذين سمحوا لنا أن نقف عند أبوابهم لجمع التبرعات من المواد الغذائية. “رابطة أبناء مريم” أسسناها بمباركة البطريرك بشارة الراعي وكان مطراناً لأبرشية جبيل. كان شعارنا “كنت جائعاً فأطعمتموني”، وكانت التبرعات سخية الى درجة كنا نوزع الحصص على العائلات كافة وعندما تفيض لأشهر بعد الميلاد نرسلها الى بيوتهم.
15 عائلة، رب البيت فيها معتقل في سجن وزارة الدفاع أو روميه أو بعبدا، والأم والأولاد من دون معيل، كان لا بد أن نأخذهم على عاتقنا، وهكذا فعلنا وباتت علاقتنا بهم أبعد من تأمين المساعدات، حتى صرت إذا بكى طفل منهم موجوعاً تتصل بي الأم لتخبرني. أذكر في إحدى الليالي إتصلت بي إحدى زوجات المعتقلين تبكي، قالت “أنا عندي مرطبان مربى زغير من اللي جبتولي ياهن بس ما بقا عندي شي غيرو طعمي الولاد” أولادها الثلاثة بنتان وصبي كانوا يحاولون النوم وهم جائعين لكن من دون جدوى، قلت لها نصف ساعة وأكون عندك، سألني والدي كيف؟ ماذا ستفعلين وكيف ستخرجين في الليل؟ قلت له “الله بيدبر” ففتح خزانة المونة في البيت وقال “خذي ما تحتاجين”. حملت ما تيسّر واتصلت بـ “شابو” و”كوبرا” وأبلغتهما أنني أتوجه إليها وأولادها جائعين. وافاني “كوبرا” الى السوبر ماركت واشترينا سريعاً ما يمكن أن يؤمن للعائلة عشاء جيداً. في اليوم التالي ذهبت مع “شابو” وتبضعنا للعائلة تبضيعة كبيرة أوصلناها الى الأم وبات الموضوع تقليداً شهرياً لتزويدها بمؤونة الشهر هي وغيرها من العائلات التي كان معيلوها في السجن. صحيح أننا كنا نتلقى مساعدات مالية من الشباب في الخارج وكنا نوزعها على العائلات، لكنها لم تكن لتكفي المصاريف التي فرضت عليهم. فلو أعطينا كل عائلة مئة دولار مثلا لما كانت ستكفيهم ليأخذوا الأكل لأزواجهم الى سجن روميه أو بعبدا أو وزارة الدفاع كل ثلثاء وخميس مثلاً. بالإضافة الى كلفة التنقّل ومصاريف اخرى. حتى صارت مسألة جلب الأكل الى السجن مداورة بين زوجات الشباب في السجن، كل مرة دور عائلة منهم لتؤمن مؤونة الأسبوع من الأكل فيتقاسمون المصروف بتلك الطريقة. هذا عدا عن كلفة أقساط المدارس حيث لم يرحمهم أحد، لا مدير ولا راهبة ولا كاهن ولا أي مسؤول في إدارة أي من المدارس التي كان أولادنا يتعلمون فيها. هنا أوجه تحية للمساعدة الإجتماعية مي برباري، هي اليوم في استراليا، عندما طلبنا منها المساعدة عملت على توأمة أولادنا مع عائلات أجنبية بطريقة تؤمن لهم الأقساط المدرسية من دون جميل أحد، وباتت الأقساط تحوّل الى حساب المدرسة من بلجيكا والمانيا، والأولاد يراسلون العائلات التي تبنّت مهمة تعليمهم”.
الشباب المعتقلون كانوا يسألون تقول ريتا “أين القوات”؟ ما كانوا يعلمون ماذا يحصل في الخارج، وكيف كان الإضطهاد خارج السجن يوازي العذاب داخله. وتضيف “لم نكن نحن كشباب في مقتبل العمر لنا القدرة على تأمين الأموال التي نحتاجها لمساعدة عائلات رفاقنا، ولم يكن بقي من “القوات” من يجرؤ على تنظيم أي موضوع ولو اجتماعي انساني. كنا إذا مشينا في الطريق لا أحد يكلمنا لأننا “قوات”… ومع ذلك كان الله معنا دائماً، وكنا نتوصل دائماً الى حلول وتأتينا المساعدات من حيث لا ندري”.
جاد إبن ريتا الذي كان حاضراً في ذاك اللقاء، كان يحترق لقطع حديث والدته بمداخلة يذكّرها فيها بقصة حفرت في ذاكرته “Mum ما تنسي هيديك المرا اللي طبخت مي”! تتابع ريتا “تلك المرأة التي يحاول إبني جاد أن يذكرني بها هي إحدى الأمهات من العائلات الـ 15، راحت تغلي الماء في الطنجرة حتى الصباح، أولادها ناموا بانتظار أن تنضج الطبخة وعلى أمل أن يتذوقوا ما في داخلها…”.
الى هذه الدرجة وصلت حال زوجات المعتقلين مع الحكيم في القضايا والتهم المفبركة، الى درجة أن يوهمن أولادهن بالطعام اللذيذ فلا يفقدوا الأمل بالحياة ولو كانت مكوّنات الطبخة ماء يتبخّر على رجاء وصول ملائكة “القوات” لإعالتهم. أولئك الشباب تؤكد ريتا كانوا يتضرّعون الى السماء فيحصدون خيرات صلواتهم ممن بقيوا من ملح الأرض من “القواتيين” الذين إقتسموا لقمتهم مع إخوتهم عندما كانوا جائعين، خائفين، مضطهدين، مسجونين…
يتبع: تهديد ستريدا ومعاناة أنطوانيت شاهين
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.