
الجميع يحبّ الطعام، وهو حاجة أساسية لحياة الإنسان. وتكمن أهميّته في المحافظة على صحّة أجسادنا. تطلب خلايا جسمنا مكوّنات أساسية كالدهون والماء والمعادن والفيتامينات الموجودة في الطعام، ولكنّ هذه الحاجة الفيزيولوجية، تقابلها حاجة نفسية. فهل نأكل فقط لكي نبقى على قيد الحياة؟ أو للأكل معان أخرى لاواعية تكمن فينا؟ وما هو المفهوم النفسي للطعام في حياة الإنسان؟ وهل لذّة الطعام أساسية في حياتنا اليومية؟
منذ الدقائق الأولى لولادته، يُبدي الطفل حاجة إلى الطعام، ويطلب الرضاعة بشكل أوتوماتيكي. هذه المرحلة ذات أهمية كبيرة، وتُسمّى «المرحلة الفمّية».
الطعام… وأساسه
تبدأ عند الولادة مباشرةً، وتمتدّ تقريباً حتى الشهر الثاني عشر من حياة الطفل. خلال هذه الفترة يرتكز كلّ إهتمام الطفل على الطعام وتبدأ علاقته النفسية والجسديّة بالأكل في التبلور.
ويعتبر علماء النفس أنّ الرضاعة الطبيعية نشاط أساسي لتكوين شخصية الطفل، لأنها تشكّل سبباً لقبوله أو رفضه الطعام في ما بعد ولظهور الإضطرابات النفسية والغذائية. فقصر أو طول فترة الرضاعة، لها تفسيراتها النفسية، علماً أنّ الأمهات النرجسيات يُرضعن لفترة قصيرة إذ يقرّرن الفطام السريع عن الثدي من دون وجود سبب طبّي أساسي. أما إرضاع الأم لطفلها فترة طويلة فيدلّ على حرصها الشديد عليه ورغبتها في حمايته.
الطعام… عند الراشد
بعد الطفولة، يتحوّل الطعام إلى حاجة حياتية للإنسان. فينتج الطعام الطاقة للتدفئة وللحركة، ويساعد أيضاً في الوقاية والعلاج من الأمراض، وتطوير واستبدال وإصلاح الخلايا والأنسجة. كما للطعام أهمية حيوية في إدارة وظائف الجسم الهرمونية، والكيميائية وفي تقوية جهاز المناعة ضدّ العديد من الفيروسات والأمراض.
ولكن في بعض الأحيان تظهر الإضطرابات الغذائية والهضمية والتقيّؤ لأسباب كثيرة كلّها نفسية، ومنها:
• طريقة فطام خاطئة تؤثّر في النموّ النفسي للطفل تأثيراً عميقاً، وتظهر خلال عمر المراهقة.
• علاقة غير منتظمة ما بين الطفل والأم تؤدّي إلى عدم قبوله «الطعام» منها والحاجة إلى العاطفة من شخص آخر.
• الإنتقام بسبب إستياء ما بين الطفل والأم. عادةً هذا الإنتقام يظهر في المستقبل، عندما يصبح الطفل مراهقاً أو راشداً، تحت راية الإضطرابات الغذائية كالبوليميا (شراهة الطعام) أو الأنوريكسيا (فقدان الشهية العصبي).
ولكن تجدر الإشارة إلى أنّه غالباً ما لا نجد إضطرابات غذائية إنّما نوعاً من الهروب من تناول الطعام مع الأهل أو الأصدقاء.
أهمية تناول الطعام مع الأسرة
تناول الوجبات مع الأسرة مؤشّر الى قوّة العلاقة والتواصل بين أفرادها، ويرتدي أهمية كبيرة في علم النفس. فأحد الأسئلة التي تُطْرَحْ على العائلة عندما تزور معالجاً نفسياً: «هل يتناول كلّ أعضاء العائلة الطعام معاً؟»
ويلاحظ علماء النفس عند العديد من الأسر، ظاهرة هروب الآباء أو الأبناء من تناول وجبات الطعام مع كلّ أفراد العائلة. وهناك أشكال عدّة تمثّل الهروب من الطعام، ومنها:
• أوّلاً، تكرار جملة «لستُ جائعاً»، «لا أريد أن آكل»… وإبلاغ الآخرين بعدم الرغبة بالمشاركة بالأكل أو إنتقاد الأطباق الموجودة على مائدة الطعام.
• ثانياً، التحجّج بالانشغال بالدراسة والامتحانات. ونرى هذا النوع من الحجج، عند المراهقات اللواتي يعانين من فقدان الشهية العصبي. كما نرى عند بعضهنّ إدعاءَ المرض أو التعب.
ويُعتبر تناول الطعام مع الأب والأم والإخوة والأخوات، ميزة ممتعة، ولقاءً شيّقاً حول المائدة لتشارك الأطباق، والتحاور. فمن المعروف بأنّ الأبناء بحاجة لوالديهم أكثر من حاجتهم للطعام لذا فإنّ تواجد الوالدين معاً على مائدة الطعام مع الأبناء مهم جداً.
وتُختصر أهمية تناول الطعام ضمن الأسرة في النقاط التالية:
• إلتقاء بين جميع أفراد العائلة ومشاركة الأفكار والمشاعر.
• تحقيق نوع من الإستقرار النفسي والعاطفي لجميع الأفراد.
• تقوية العلاقات العائلية من خلال مناقشة الوالدين والأولاد القرارات المهمّة.
• تعزيز الإحساس بالإنتماء ما يُشعر الطفل بالأمن وبالثقة بالنفس. ويمكن الطلب من الطفل مساعدة الوالدين في تجهيز سفرة الطعام قبل وبعد تناول الوجبات. فمن خلال ممارسة أدوار حياتية وتقديم المساعدة، يشعر الطفل بالإنتماء لعائلته.
• تعليم بعض مزايا وسلوكيات المجتمع للأولاد: آداب المائدة، إحترام الصمت خلال الأكل، المضغ بشكل سليم…
• مشاركة الطعام مع العائلة تعزّز مفاهيم إجتماعية لدى الأولاد: كحبّ الآخر وإحترامه وتقديم المساعدة، ومشاركة الإخوة والأخوات الطعام…
• خلال تشارك الأهل الغداء مع أطفالهم، يتعرّف الوالدان الى نفور الأولاد من الأكل ويعملون على تعديل هذا التصرّف بعادة صحّية مقبولة.
كيف نشجّع أطفالنا لمشاركتنا الطعام؟
• أولاً، منذ الصغر، يجب أن يحرص الأهل على تناول الطعام سوياً. وعدم البدء بالوجبة قبل حضور كلّ أعضاء العائلة.
• ثانياً، من المهم مشاركة كلّ أعضاء العائلة في إختيار أنواع الأطباق التي ستحضّرها الأم خلال الأسبوع. هذه طريقة تجذب الأولاد إلى مشاركة الطعام مع العائلة.
• ثالثاً، طلب المساعدة من أفراد العائلة في تحضير بعض الأطباق البسيطة كالسلطة مثلاً. فعندما يشارك الطفل في الإعداد، يشعر بقيمة الطعام.
• رابعاً، يجب أن يكون وقتُ الطعام مخصصاً للإستمتاع بلذة الأطباق، لذا من المهم الإبتعاد من المشاجرات والصراخ والتأنيب خلال الوجبة. ويمكن أن يضع الأهل موسيقى هادئة خلال الغداء، كما يمكنهم إرساء جوٍّ من المرح من خلال طرح الأسئلة وسرد بعض النكات…
• خامساً، يمكن تخصيص مرة أو مرتين في الشهر، للغداء خارج البيت في مطعم أو في حديقة عامة، أو حتّى في غابة…
• سادساً، من المهم الإبتعاد عن التكنولوجيا. لذا على جميع أفراد العائلة مهما كانت إنشغالاتهم ووظائفهم ومسؤولياتهم ترك أجهزة الهواتف الخلوية وألعابها الأيباد خلال الوقت المخصّص للأكل والتفرّغ للحوار بينهم.