#adsense

محنة مفهوم الدولة في الواقع التعددي

حجم الخط

من أبرز معالم وحقائق الازمات الوطنية والسياسية التي يعاني منها لبنان في هذه المرحلة، ظاهرة أزمة الفكر “الدولتي” أو أزمة مفهوم الدولة، لدى قسم كبير من اللبنانيين، في تعاطيه مع الدستور والمؤسسات والسلطات العامة في البلاد .

في علم الإجتماع السياسي، لطالما اعتبر الحديث عن طبيعة الدولة من اكثر القضايا الشائكة والجدلية بين العلماء والمفكرين،  فبالنسبة الى “روسو” الدولة هي تعبير عن الإرادة العامة للمجتمع، بينما لا يرى “هيغل” في الدولة الا تجسيداً للسعي الفكري الى الحرية، بحيث أن تنوع انماط الدولة ليست سوى مرحلة انتقالية للوصول الى المفهوم النهائي لدولة الحرية.

أما في لبنان فإن التعددية التي تعد شرطاً اساسياً في تكوين الدولة وفي تميزها  عن سائر دول المنطقة، كما في علاقتها الجدلية مع مفهوم الدولة المعاصر،  تحملنا على تسجيل الملاحظات المبدئية التالية :

اولاً: التعددية تحدد طبيعة الدولة، فالتعددية الثقافية والإجتماعية والسياسية  ينبغي أن تكون اداة توازن في العلاقات بين مختلف العائلات الروحية في المجتمع اللبناني، لا أن تتحول الى أداة تمهد لسيطرة قسم معين من اللبنانيين على سائر المجتمع. فالتعددية يستخدمها على سبيل المثال “حزب الله”  انطلاقاً من مفهوم خاطىء للقوة العددية، ضارباً بعرض الحائط الخصائص البناءة للتعددية التي تساوي بين مختلف افراد المجتمع ومتطلباتهم في ظل احترام وتفاعل كل فريق مع خصوصيات الفريق الاخر الفكرية والثقافية والسياسية على حد فكر عالم الاجتماع ” فيرنيفال”. لا يمكن بالنسبة لفكر “حزب الله” مثلاً أن يعتبر الدولة الا تعبيراً عن إرادة جزئية وعن مصالح لفئات معينة من المواطنين لا تتحقق الا بالسيطرة على الفئات الاخرى من المواطنين، ما يؤدي الى غياب المساواة في القوة والثروة بين مختلف الجماعات المكونة للنسيج الوطني وهذا الأمر سيوصل حتماً الى التوترات والصدامات والصراعات الداخلية .

ثانياً: ثمة حقيقة تاريخية وسوسيولوجية غالباً ما نحاذر التكلم عنها، فالاستعمار او الانتداب الاجنبي الذي حكم لبنان ذات التكوين التعددي الثقافات والحضارات والمعتقدات لاكثر من قرنين، أخفى وجود جماعات لطالما كانت مصالحها متباينة – ما كان ينبىء بالخطورة على الكيان اللبناني في حال حصوله على الاستقلال عند كل مرة بالنظر الى كون الاختلاف التعددي في المجتمع اللبناني نذير تفجر صراعات تحت وطأة ما يعتبره عالم الاجتماع “سميث” تعددية هيكلية بحيث تصبح العلاقات بين الفئات اللبنانية في المجتمع غير متساوية، تبعاً لدرجة القرب او البعد من النظام السياسي، وهذا تماماً ما أدى على سبيل المثال لا الحصر الى نشوب الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 وقبلها ثورة 1958 بسبب مطالبة فريق من اللبنانيين بامتيازات تنتزع من فريق اخر كان يعتبره مهيمناً على الدولة ومؤسساتها واقرب الى السلطة من سواهم، وكما هو حاصل اليوم في ظل الشعور المتنامي بهيمنة فريق على الدولة متمثل بـ”حزب الله” وحلفائه على حساب حقوق فرقاء اخرين، فالمسألة تطرح بالتالي مجدداً على بساط البحث اشكالية الاندماج السياسي، اي اندماج الجماعات المختلفة في النظام اللبناني السياسي .

ففي لبنان مزيج من نمطين في التعددية: النمط المتساوي أو ما يعرف في علم الاجتماع السياسي “بالنمط المتعادل” وفيه لا علاقة بين المواطن وسلطاته العامة بالمباشر، لا بل لا علاقة بينهما الا من خلال فريقه او حزبه السياسي او انتمائه العرقي او المذهبي او الطائفي او حتى المناطقي، خلافاً لما هو النمط الاندماجي العام او السياسي في الدول الديمقراطية العريقة حيث العلاقة بين المواطن ودولته مباشرة، فلا قيمة لانتماء الفرد الى جماعة بعينها لنيل حقوقه ومزاياه بل يكفي ان يكون فرداً من المجتمع لينالها .

اما النمط الثاني والمعروف علمياً بنمط التفاوت او النمط المتفاوت،  فهو الذي يسود العلاقة بين فريق من اللبنانيين والدولة او النظام السياسي كونه يعطي المواطن بحسب اهمية الجماعة التي ينتمي اليها، انصبة متفاوتة من الحقوق، بحيث تتفاوت أهمية الجماعات المتعددة وقوتها في المجتمع اللبناني ما يؤدي الى تفاوت في الحقوق التي يحصل عليها المواطن المنتمي الى تلك الجماعة او تلك، فيقودنا هذا النمط الى الصدام مع الجماعات الاخرى .

فالشرط الاساسي لنجاح خروجنا من المأزق العاصف بلبنان داخلياً، يبقى العمل على حل التباينات و”الخلافات “التعددية للابقاء على “الاختلاف ” التعددي، ما يسمح بتجاوز حالات عدم الاستقرار التي تترافق مع التعددية الهيكلية المتمثلة في لبنان  في نمط التصارع على الامساك بمفاصل الدولة وتجيير النظام السياسي بما لا يسمح لكل الجماعات اللبنانية من الاندماج فيه، والا فسيكون من الصعب جداً في ظل التباين الهيكلي الحفاظ على وجود علاقات متساوية بين مختلف المكونات الثقافية والسياسية اللبنانية، وها نحن اليوم امام فصل جديد من الاجحاف بحق المسيحيين في وظائف الدولة للدلالة على حتمية صعوبة او استحالة الاندماج في ظل ازمة مفهوم الدولة المنطلق من اساءة توظيف التعددية

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل