#adsense

استعدادات لتدخل سعودي ـ تركي في سوريا.. هل تعطي واشنطن الضوء الأخضر لإعادة التوازن؟

حجم الخط

فشلت مفاوضات جنيف بين النظام السوري والمعارضة. فهي لم تبدأ بالأصل. السبب المباشر لهذا الفشل هو رفض الشروط الإنسانية للمعارضة! لا شك انه شرط مهم وضروري. فالآلاف من السوريين يعانون من الحصار والجوع ونقص المواد الطبية… معالجة الشأن الانساني في الأزمة السورية كانت أحد المطالب الأساسية للمعارضة في لقاءات وجلسات المفاوضات كافة. كما اقترحت الدول الداعمة لها “ممرات إنسانية” أو “مناطق آمنة”. لكن شيئاً لم يتحقّق. بطبيعة الحال، لم يكن متوقّعاً أن يلبي النظام السوري هذا المطلب اليوم بالذات بعد أن تعزّز موقعه في المفاوضات إثر التدخّل العسكري الروسي. ومعروف عنه أنه يراوغ حين يكون ضعيفاً، ولا يفاوض حين يكون قوياً. ولكن أبعد من المطلب الإنساني، ما هي الأسباب الحقيقية لفشل لقاء جنيف الأخير؟ وهل يحصل تدخل عسكري بري داعم للمعارضة على الأرض؟

أولاً بالنسبة الى المعارضة وداعميها. لم تكن هناك حماسة للمشاركة في مؤتمر جنيف بعد سلسلة الخسارات العسكرية التي منيت بها المعارضة خلال الأشهر الأخيرة في أكثر من منطقة. فهي منذ أيلول 2015 تواجه روسيا من الجو، إضافة الى قوات النظام والحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” في البر. كما أن تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع التدخّل الروسي العسكري والتنسيق مع أركانه العسكرية أكّد مرة أخرى للمعارضة وداعميها أن واشنطن ليست الى جانبهم. بالتالي لا يمكن الجلوس الى طاولة مفاوضات ومواجهة راعييها الاثنين!

حاولت المملكة العربية السعودية تعويض الخسارة العسكرية للمعارضة في السياسة. جمعتها في الرياض. تم الاتفاق على “هيئة” موحّدة للمشاركة في المفاوضات. إنها المرّة الأولى التي تتّفق فيها المعارضة السورية المنقسمة في ما بينها وعلى بعضها. ولكنها صُدمت باغتيال زهران علوش. فالرجل كان صاحب مواصفات قيادية عالية. استطاع في فترة قصيرة من الزمن أن ينظّم فصيلاً عسكرياً أصبح في ما بعد نواة “جيش الاسلام” الذي شكّل تهديدًا مباشرًا للعاصمة دمشق.

اغتيال علوش ومعارك حلب أكّدت للمعارضة وللدول الداعمة لها أن قواعد الصراع قد تبدّلت في سوريا. وأن هدف “الإنزال العسكري” الروسي لا ينحصر بالسيطرة على الساحل السوري فحسب، إنما أيضاً السيطرة على خلفيته الجغرافية المؤلّفة من سهل الغاب ومدن حلب وحمص وحماه. من هنا استهدفت طلعات الطائرات الحربية الروسية الأولى في أيلول 2015 أماكن تمركز المعارضة في شمال سهل الغاب. ولم تستهدف “داعش” لا في الرقّة ولا في تدمر!

ثانياً، بالنسبة الى النظام وداعميه. مفاوضات جنيف كانت ستؤخّرهم عن تحقيق هدفهم، ألا وهو استعادة السيطرة على “سوريا المفيدة”: القسم الشمالي والغربي منها، والممتد من حمص حتى حلب وصولاً الى الساحل، تحت السيطرة الروسية. والقسم الجنوبي – الغربي، الممتد من حمص حتى السويداء مروراً بالعاصمة وريفها، تحت سيطرة إيران و”حزب الله”. أما النظام فيبقى في دمشق ورقة تفاوض في المستقبل. وقد ألمحت التصريحات الدبلوماسية الروسية في أكثر من مناسبة قبل حلول موعد مؤتمر جنيف الى عدم رغبتها في انعقاد المؤتمر تحاشياً لبيان سياسي يمكن أن يشكّل لها إحراجاً في المستقبل، وتحديداً في المرحلة الانتقالية. لذلك كثّفت روسيا طلعاتها الجوية ضد المعارضة خلال وجود الوفود في جنيف وقام الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” والنظام بهجوم واسع لفك الحصار عن بلدتي النبّل والزهراء الشيعيتين وإحكام الطوق على مدينة حلب. فمن يريد المفاوضة لا يصعّد. يمكن أن يحسّن موقفه قبل موعد المفاوضات. ولكن ليس خلالها!

ولكن السؤال اليوم ماذا بعد فشل مؤتمر جنيف؟ المملكة العربية السعودية عبّرت عن استعدادها لإرسال قوات برّية الى سوريا. تبعتها دولة الإمارات. ومن المتوقّع أن تكرّ سبحة الدول العربية المؤيدة والمستعدّة للمشاركة، ولو رمزياً. تركيا أيضًا حرّكت قواتها البرية عند الحدود مع سوريا، بحسب تصريحات روسية. فهل ستنخرط قوات سعودية وتركية مباشرة في الصراع العسكري؟

لقد هالَ المملكة العربية السعودية وتركيا والدول الداعمة للمعارضة الضربات الموجعة التي تلقتها هذه الاخيرة من قبل تحالف روسيا والنظام السوري والحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” اللبناني. فهي شبه محاصرة في محافظتي حلب وإدلب. وطرق الإمداد مع تركيا مهدّدة بالإغلاق. ما يهدّد بخسارة كل الجهود السياسية والعسكرية التي بذلت على مدى خمس سنوات من الصراع! من هنا كان اقتراح إرسال قوات برية لمحاربة “داعش” على لسان مستشار وزير الدفاع السعودي. وليس غافلاً على أحد أن الهدف الفعلي لهذا الاقتراح دعم المعارضة، كما أن الهدف الفعلي للتدخّل العسكري الروسي هو دعم النظام وليس محاربة “داعش”.

أما بالنسبة الى تركيا، التي لها حدود تمتد على حوالى 800 كيلومتر مع سوريا فالوضع اخطر. انهزام المعارضة في الشمال السوري يعني تمدُد الخطر على طول حدودها. في الجنوب – الغربي خطر تحالف روسيا – النظام – إيران – “حزب الله”. وفي الوسط وحتى الحدود الشمالية – الشرقية خطر قوات “الحماية الشعبية” الكردية. إضافة الى أن خسارة المعارضة لمحافظتي حلب وإدلب يعني تدفّق أعداد جديدة وكبيرة جداً من النازحين. وقد وصل الآلاف منهم الى المعابر الحدودية. من هنا، من وجهة نظر أنقرة أن ما يحدث في الشمال السوري يهدّد الأمن القومي التركي عسكرياً وسياسياً وديموغرافياً.

هل هذا يعني أن طريق التدخّل العسكري السعودي والتركي أصبحت معبّدة؟ الأمر ليس بهذه السهولة لعدّة أسباب.

بالنسبة الى المملكة، قواتها البرية غير قادرة وحدها على التدخّل بخاصة وأنها منشغلة في الصراع اليمني الذي يبدو طويل الأمد. لذلك تسعى الى تشكيل تحالف عربي تكون هي نواته وبقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

الجيش التركي قادر على التدخّل ولكن تدخّله دونه محاذير عربية وأميركية وخطر مواجهة مع روسيا. عربياً، منذ بدء الأزمة هناك حذر من تنامي النفوذ التركي في العالم العربي تكون بوابته الأزمة السورية. فالدول العربية لا تريد التخلّص من نظام حليف لإيران، واستبداله بنظام حليف لتركيا. كما أن سياسة حزب العدالة والتنمية في الداخل التركي وفي الإقليم، جعلت الدول العربية تخشى عودة “عثمانية” جديدة على الطريقة “الأردوغانية”. وسوريا بوابتها الجغرافية.

واشنطن، من جهتها، أيضاً ترفض أي تدخّل عسكري تركي في سوريا. فهي تعلم مسبقاً أنه سيستهدف أكراد سوريا الذين تدعمهم. كما أنها تخشى تمدّد النفوذ التركي في المنطقة العربية مما يزيد من دورها الإقليمي ويخلق مشكلة جديدة مع الحلفاء العرب.

كما أن خطر المواجهة مع روسيا كبير جداً خاصة بعد تدهور العلاقات بشكل كبير بين الدولتين اثر اسقاط المقاتلات التركية طائرة روسية. وتاريخ الدولتين حافل بالصراعات منذ ما قبل الحرب الباردة وخلالها.

هل تنجح المملكة في تشكيل قوة عربية موحّدة للتدخّل في سوريا؟ وهل تتخطى القوات التركية الحدود مع سوريا؟ بعد التطورات الدراماتيكية في الشمال السوري يبدو أن الضوء الأخضر الأميركي سيُعطى ليس من أجل القضاء على “داعش” ولا من أجل وضع حد للصراع المسلّح في سوريا، إنما من أجل إعادة التوازن إليه وإطالة أمده…

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل