
كشف النائب العام السابق لمدينة تدمر السورية، القاضي محمد قاسم ناصر، تفاصيل الساعات الأخيرة قبيل سيطرة تنظيم الدولة على المدينة المدرجة على لائحة التراث العالمي، كما أورد “براهين” على تعامل النظام مع تنظيم الدولة وتسهيله لعملية سيطرة الأخير على تدمر العام الماضي، وتحدث عن مخطط مشترك لدى روسيا والنظام لمحو المدينة عن الخارطة لأهداف عديدة.
يقول ناصر في بداية مقابلة له بدأ معرفا بنفسه “أنا من تدمر، عينّت بداية عام 2013 نائبا عاما للمدينة، وبقيت حتى منتصف عام 2015 في ذلك المنصب، حيث هاجم “داعش” المدينة، وانتقلت بعدها إلى مدينة حمص (مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه وتتبع لها تدمر إداريا)، وبقيت أمارس مهامي فيها حتى نهاية 2015 حيث غادرت سوريا، وكان منصبي ذاك يعد أهم وأعلى منصب حكومي في مدينة تدمر وفق القانون السوري”.
وأشار إلى أنه خلال عمله كنائب عام في تدمر حوالي ثلاث سنوات، ووفقا لاختصاصه القانوني كان مكلفا بالكشف على جثث المعتقلين والمتظاهرين السياسيين الذين كانت تعتقلهم أجهزة الاستخبارات التابعة للنظام، وتحديدا فرع الأمن العسكري في تدمر، كما كان يقوم باستجواب المعتقلين، والكشف على جثثهم بعد أن يموتوا تحت التعذيب على أيدي السجانين في فرع البادية (فرع أمني سيئ الصيت تابع للنظام مقره تدمر).
شاهد على الإجرام
يقول النائب العام السابق “لقد عاينت وكشفت على عشرات جثث المعتقلين والمعارضين السوريين السلميين، الذين كانوا في أقبية سجون فرع البادية، وكانوا من جميع المحافظات السورية، وكل جريمتهم أنهم كانوا يعارضون نظام بشار المجرم، ويطلبون الحرية وكانوا سلميين، ولم يكن لدينا أي دليل أو إثبات على وجود أي سلاح لديهم، وما كان يجري في سجون وأقبية الفرع لا يمكن للعقل البشري تخيله، إلا أنه كان يحصل بالفعل”.
واستدرك قائلا “لقد كان السجانون يقومون بضرب المعتقلين السياسيين وحرقهم وتعذيبهم وصلبهم حتى الموت، وكانت روائح الدم واللحم المتعفن والأمراض تنتشر في أقبية تلك السجون القذرة، وفي النهاية غالبا ما كان يموت المعتقلون تحت التعذيب الوحشي، ويتم استدعائي للكشف القضائي مع الطبيب الشرعي على جثث المعتقلين، وكان يتم إجبارنا على كتابة تقرير يبرئ المجرمين بالقول إن أسباب الوفاة طبيعية، وكان السبب دائما جاهز، من قبيل سكتة قلبية أو جلطة أو فشل كلوي، وبعدها يقوم السجانون بدفن جثث المعتقلين في مقبرة مدينة تدمر سرا، وتحت جنح الظلام غالبا، وكانوا يحفرون مقابر جماعية لهم ويدفنونهم بعضهم فوق بعض باستمرار”.
علاقة النظام بتنظيم الدولة
النائب العام أورد “براهين” على ما يتردد من معلومات بأن ثمة علاقة بين النظام السوري وتنظيم الدولة فقال، “لقد كنت شاهدا وموثقا من خلال منصبي ومهامي في تدمر على ذلك، حيث كنت على اتصال وعلاقة مع الضباط والمسؤولين كافة التابعين للنظام في تدمر، وكنت على اطلاع من خلال الضبوط القضائية والأمنية التي كانت ترسل إلي في تدمر على جميع المجالات، وهذا مكنني من معرفة والاطلاع على ما يجري من تعاون وتجارة متبادلة بين داعش والنظام”.
وفي التفاصيل أورد ناصر “لقد ازدهرت التجارة بين مناطق سيطرة داعش والنظام خلال 3 سنوات كنت فيها نائبا عاما ما بين عامي 2013 و2015، حيث ازدهرت تلك التجارة في مجالات النفط والغاز والقمح والشعير والمواشي، بالإضافة إلى تجارة المواد الغذائية والألبسة والأدوية وكل أنواع التجارة كانت قائمة بينهما”.
وحول معلومات يملكها عن وجود أشخاص من النظام مجندين داخل التنظيم، قال “من خلال علاقاتي وعملي والتواصل الدائم مع ضباط الأمن في تدمر، أخبرني العميد مازن عبد اللطيف رئيس فرع استخبارات أمن الدولة في تدمر، بأن لهم أذرع وعملاء داخل داعش، وأنهم قادرون على التأثير في قرار التنظيم، وأن العملاء هم على اتصال دائم معهم، وينقلون لهم كل أخبار تنظيم داعش، وعلى سبيل المثال أخبرني وهو يتباهى، أن عملاءهم داخل التنظيم يسعون لعمليات إرهابية داخل تركيا، وهذا الحديث جرى في بداية 2015، وبأن تركيا ستدفع ثمن تدخلها في سوريا، وستكتوي بنار الإرهاب من قبل داعش، وأن أوروبا وعلى رأسها فرنسا ورئيسها (فرانسوا) أولاند، الذي يعادي الأسد ويسعى للإطاحة به، سيدفع ثمنا لموقفه غاليا، وأن عملاءهم في الرقة (معقل التنظيم الرئيسي في سوريا) سيفعلون ذلك عما قريب”.
وأضاف بالقول بأن رئيس فرع استخبارات النظام قال له حرفيا “أولاند سيأتي ليقبّل حذاء بشار الأسد ليَقبل أن يقاتل داعش”.
وعن سؤال حول “هل داعش على علم بعملاء النظام المجندين داخله؟”، أجاب “لا أعلم ذلك صراحة، ولكن ضباط الأمن كانوا دائما يتباهون بإنجازاتهم الأمنية، وبأنهم يعرفون تفاصيل ما يجري في الرقة، وقادرون من الوصول لأي واحد فيها وفي مناطق داعش الأخرى، وأنهم يؤثرون في قرار قيادات التنظيم، وإن أرادوا القضاء عليه فإنهم قادرون على إنهائه بأسابيع فقط، لكنهم يستفيدون منه، والعالم كلّه يرى هذا التنظيم الذي يشوه سمعة الثورة السورية، ويهدد العالم بأسره، فهم بحاجة إليه لكي يبقى النظام”.
تدمر قبيل السقوط
وفي رده على سؤال حول امتلاكه معلومات بأن هناك اتفاقا مسبقا بين تنظيم الدولة والنظام لموضوع تسليم تدمر؟ قال ناصر “لا أقول إن ما جرى في تدمر هو عملية استلام وتسليم بين النظام وداعش، ولا علم لي بتفاصيل ذلك، لكن ما أقوله، إنه قبل أكثر من شهر على سقوط المدينة بيد التنظيم، وردتنا في اللجنة الأمنية في تدمر(تضم قيادات النظام الأمنية والعسكرية)، وعلمنا بأن داعش سيهاجم تدمر والسخنة(مدينة قريبة من تدمر) في 12 أيار/ مايو 2015، وأعلمنا بشار الأسد شخصيا بذلك، وبدل أن يقوم الأسد بإعداد خطة للدفاع عن تدمر وحمايتها وإرسال تعزيزات عسكرية إليها، قام باستدراج داعش من خلال إفراغ مدينة السخنة من القوات العسكرية التي كانت موجودة فيها، ليفتح المجال ويغري داعش بالدخول إليها والسيطرة عليها والمتابعة لتدمر، ويستغل الأسد ذلك لأهدافه الخبيثة التي أرادها من هذا الهجوم”.
وعن تلك الأهداف التي أشار إليها، أوضح النائب العام السابق، “أهداف الأسد كانت كثيرة ولكن الهدف الرئيسي الذي أخبرني به رئيس فرع الاستخبارات العسكرية في تدمر العميد مالك حبيب، بأن بشار الأسد أمره شخصيا أن يضع خطة محكمة للانسحاب من تدمر فور مهاجمة داعش للمدينة، وأمره بملء مستودعات الأسلحة والمخازن الضخمة بالسلاح ليفتح الطريق لداعش، ليتابع التنظيم طريقه بعد سيطرته على تدمر وحصوله على السلاح للوصول إلى القلمون(منطقة بريف دمشق)، ومحاصرة جيش الإسلام(فصيل معارض تابع للمعارضة يحارب التنظيم) في غوطة دمشق، الذي يحاصر بدوره العاصمة ليقضي كل منهما على الآخر(داعش وجيش الإسلام)”.
وزاد ناصر في حديثه حول هذا الملف “بحكم منصبي القضائي كنت أتردد للقاء العميد مالك حبيب، وقبل أسبوعين بالضبط من مهاجمة داعش لتدمر، أخبرني وكانت الشائعات تملأ تدمر بقدوم داعش لمهاجمة المدينة، فسألته عن صحة ذلك، فأكد لي أن الأسد استدعاه شخصيا وطلب منه إعداد خطة انسحاب آمنة ومحكمة من مدينة تدمر عند مهاجمة تنظيم داعش لها، وقال لي إن قوات النظام سوف تستعيد السيطرة على تدمر بعد عدة أشهر بعد تسليمها لداعش”.
وأضاف ناصر “لم يكن وقتها اتفاقا برأيي ولكن الأسد سيستغل هجوم داعش على تدمر ليظهر أمام العالم بأن التنظيم استولى على المدينة وسط سوريا، وهو في طريقه لحمص وسيقوم بقتل العلويين والمسحيين وإبادتهم، وأن الجرائم وتهديم الآثار وتدمير المدينة الأثرية التي سيقوم بها داعش، ستثير الرأي العام العالمي، وتشيطن الثورة السورية ويقول الأسد للعالم هذه حقيقة الثورة السورية وداعش يدمر آثار سوريا ويقتل المسحيين والعلويين، ويأتي العالم إليه لقتال التنظيم في سوريا”.
وهل لديك معلومات عن الأشخاص الذين أعدمهم “داعش” على مسرح تدمر الشهير، وظهروا بمقاطع فيديو بثها التنظيم؟ أجاب القاضي “وكالات الأنباء تناقلت بعد دخول داعش لتدمر بأن التنظيم أعدم عشرات الإيرانيين على مسرح تدمر، وأنا أنفي ذلك تماما، لم يبق أي عنصر إيراني في تدمر قبل دخول داعش بأسبوعين وكانوا قد غادروها جميعا، وكل من قتل على مسرح تدمر كانوا من العساكر البسطاء وعناصر اللجان الشعبية (ميليشيات موالية للنظام)، الذين تركهم النظام وراءه بلا سلاح ليقوم داعش بقتلهم، ويقول انظروا للمذابح التي ارتكبها داعش، وأنا أتحدى الأسد أن يذكر اسم إيراني واحد قتل على مسرح تدمر.. هذا كذب”.
واستدرك النائب العام بالقول “أريد أن أوضح أن عدد قوات النظام في تدمر كانت تزيد عن 18 ألف مقاتل مزودين بمختلف الأسلحة والصواريخ والدبابات، بينما عدد من هاجم المدينة من عناصر داعش وفق التقارير الأمنية وأهالي المدينة لم يتجاوز 600 عنصرا، ما حصل أن بشار الأسد قام بأمر قواته بالانسحاب دون قتال أو التصدي لداعش، وسحبهم لمطار تي فور العسكري على طريق حمص، وأكد لي العميد مالك حبيب بأن روسيا أخبرت الأسد بمجرد أن يسيطر داعش على تدمر والتحرك باتجاه المدن المسيحية القريتين ومهين وصدد القريبة من تدمر، ستتدخل روسيا لحماية المسيحيين وتدخل الحرب”.
اختراقات ووسطاء
“ما صحة المعلومات بأن النظام يخلي سبيل الموجودين في سجونه لزجهم للانضمام لداعش؟” عن هذا السؤال أوضح النائب العام “ما شاهدته وتابعته من خلال عملي في محكمة تدمر سابقا، كان لدينا الكثير من المطلوبين الذين أصدرت بحقهم مذكرات توقيف قضائية، في قضايا جنائية من سرقة واحتيال، وكانوا مطلوبين لنا، وكان فرع البادية يلقي القبض عليهم، ومن ثم أسمع أنه أخلي سبيلهم وذهبوا للرقة ومناطق داعش دون أن يحالوا للقضاء، وكان يخلى سبيلهم وهم مطلوبون للقضاء، ومع الوقت أيقنت أن أجهزة الاستخبارات تقوم بتجنيدهم وخصوصا المجرمين ليكونوا عملاء لها داخل داعش”.
وحول تقديره فيما إذا كان لروسيا علم بعلاقة النظام و”داعش”؟ قال ناصر “خلال وجودي في تدمر تأكدت بأن روسيا كانت على اطلاع كامل بتفاصيل ما يجري، لأنه كان يتوافد على تدمر عشرات الخبراء الروس، وكانوا موجودين في مطار تدمر العسكري ويقومون إضافة للخبراء الإيرانيين، بتسهيل أعمال جيش النظام في مطار تدمر ومناطق أخرى، كما كان هؤلاء (الخبراء) يذهبون تحت حماية عناصر داعش إلى داخل الحقول النفطية ومنشآت الغاز، للقيام بعمليات إصلاح وترميم وإصلاح للحقول الواقعة تحت سيطرة التنظيم، وهذا يؤكد بأن روسيا تساعد داعش في استمرار ضخ النفط والغاز من مناطقه لمناطق سيطرة النظام”.
وتابع، “العلاقة واضحة إذ كان الخبراء الروس يدخلون تحت حماية عناصر داعش إلى المنشآت النفطية في مناطق سيطرته، ويقومون بإصلاح المنشآت وإصلاح قطع الغيار القادمة من روسيا، ويعودون تحت حماية داعش لمناطق النظام، هذا يؤكد أن روسيا كانت شريكة في دعم داعش”، والكلام كله للنائب العام.
ونوه ناصر إلى أمر قلّما تم تداوله سابقاً، فقال “كان النظام حريصا على تنظيم ضبوط أمنية وقضائية بكل الحوادث والأضرار والأعطال التي كانت تتم بالحقول والمنشآت النفطية لعدة أسباب، أهمها أن النظام يحتاج أن يقدم ضبوطا لشركات التأمين لصرف التعويضات للأعطال والتصليحات، بالإضافة إلى أن النظام كان يلجأ لتنظيم تلك الضبوط لتخفيف السرقات، فمن المعروف أن الجهات الأمنية وكل من يعمل في قطاع النفط في سوريا، يحاولون الاختلاس والسرقة وتغيير المواصفات للقطع وسرقة أموال الشعب، فكان النظام يلجأ للضبوط ويأخذ أسماء وإفادات العاملين الذين قاموا بإصلاح المحطات النفطية، وتسجيل قيمة الأضرار، وكانت تنظم الضبوط وترسل إلي بصفتي النائب العام في تدمر، وكنت أحيلها للجنة الأمنية، وأقوم بتنظيم ادعاء بحق المجرمين الفاعلين الذين ارتكبوا اعتداءات على منشآت النفط، وأطلب من الجهات المختصة بملاحقتهم والتحقيق في كل ذلك”.
وعمن “كان يدفع رواتب للعاملين في مجال النفط لدى التنظيم؟” أجاب القاضي: “كل العاملين في حقول النفط الواقعة تحت سيطرة داعش كانوا موظفين تابعين لوزارة النفط السورية، وكانوا يعملون تحت حراسة عناصر داعش، ويقبضون رواتبهم وتعويضاتهم ومكافآتهم من النظام، ولا يزالون يقبضونها من وزارة النفط، وأتحدى الوزارة إثبات عكس ذلك”.
وعن أسماء وسطاء يعرفها للعمليات التجارية بين النظام و”داعش”، أشار النائب العام “كل عمليات التبادل التجاري وشراء النفط تحديدا والغاز وحماية المنشآت النفطية، كان يتعاون النظام مع سماسرة ووسطاء بينه وبين داعش في منطقة تدمر وباديتها، يستطيعون التواصل بين الطرفين، ويحققون مكاسب للطرفين، وأهم هؤلاء الوسطاء فيصل القطران، وهو شيخ بمدينة السخنة، والشيخ محمود الحمودي وهو متعهد ورجل أعمال من تدمر، وهو صديق شخصي وشريك لوزير النفط الحالي سليمان العباس، بالإضافة لمنير الزعبي وهو متعهد من تدمر، وجميل كركوتلي وهو متعهد في مجال النفط من دير الزور(شرق)، وهؤلاء السماسرة والوسطاء كانوا على صلة بعناصر تنظيم داعش، كونهم من أبناء المنطقة، وكان لهم تواصل مع عناصر من داخل التنظيم ويدفعون لهم رواتب ويجندونهم، ومن جهة أخرى كانت ارتباطاتهم مع رئيس الاستخبارات العسكرية في تدمر والقصر الجمهوري ومعظم رجال الأعمال المتنفذين، ومن بين الأخيرين جورج حسواني الذي كان يشرف على الوسطاء، وهو رجل أعمال سوري روسي كان يشرف على أعمالهم، ويزودهم بالأموال النقدية لتوصيلها لداعش”.
وحول معلوماته عن مهنا الحسن، الذي تردد اسمه مؤخرا في الإعلام، أوضح ناصر “أنه رجل أعمال من مدينة السخنة، وهو تاجر في مجال شراء الحبوب منذ فترة طويلة في المنطقة الشرقية بسوريا، وأكد لي أنه قام في 2013 و2014 بشراء كامل محصول القمح والشعير في مناطق داعش في سوريا والعراق لصالح النظام، وقام بتعبئة آلاف أطنان القمح والشعير ونقلها من مناطق داعش لمناطق النظام، ونقل عشرات ملايين الدولات من النظام ثمنا لتلك الكميات”.
تمدد شيعي – إيراني
في سياق آخر، قدّم القاضي معلومات حول كيفية استيلاء الشيعة وإيران على أراضي للسنة في المناطق السورية، فقال “قبل تعييني في تدمر كنت قاضي الصلح المدني في داريا والمعضمية (بلدتان محاذيتان لدمشق تسيطر عليهما حاليا المعارضة)، وخلال عملي في داريا بداية كنت شاهدا على مجزرة داريا التي ارتكبها النظام بحق مئات المدنيين العزل من المعارضين له(أغسطس/آب 2012)، وبعد تدمير داريا وقتل أهلها وتشريد مئات الآلاف من أهالي داريا والمعضمية، بدأ الشيعة والإيرانيون بالتقدم إلينا في محكمتي داريا والمعضمية ومعظم محاكم ريف دمشق التي تقع في المناطق الساخنة بدعاوى تثبيت بيع أراضي البلدتين”.
ومضى قائلا “كان الشيعة يقولون بأنهم اشتروا الأراضي من أصحابها الذين هربوا من أراضيهم أو قتلوا في المعتقلات، أصحاب الأرض لم يكونوا موجودين، ومن يدعون ملكية الأرض يتقدمون بدعوى غيابية ويأتون بوكالات من كاتب عدل مزورة يحصلون عليها من دمشق وريف دمشق وبعقود بيع وهمية، ويأتون إلينا ويقولون بأن هذه الاراضي اشتريناها من أهاليها قبل أن ينزحوا عنها أو يتم اعتقالهم أو قتلهم”.
وتابع “في البداية كنا كقضاة نرد هذه الدعاوى بحجة أن التبليغ باطل، والمالك الأصلي غير موجود، إلى أن أصدر بشار الأسد قانونا يسهل للإيرانيين وأعوانهم سرقة ونهب الأراضي السورية، وهو القانون رقم 25 لعام 2013 الذي سمح بتبليغ المدعى عليه بالدعوى غيابيا عن طريق الصحف في المناطق الساخنة، حتى إن لم يكن موجودا مالك الأرض في المحكمة، أجاز الأسد الحكم للإيرانيين بهذه الدعوى عن طريق تبليغ المدعى عليه بالصحف، وهو كان قانونا معيبا وأثار استغراب واستياء كل العاملين في الوسط القانوني”.
الفرار من تدمر
وبالعودة إلى طريقة فراره من تدمر قبيل سقوطها بيد “داعش”، أوضح النائب العام “أكد لي الضباط الأمنيون التابعون للنظام بأن داعش سيبدأ بمهاجمة السخنة، ثم بعدها سينتقل لتدمر، ونصحوني بأنني عندما أسمع أن داعش وصل السخنة بالهروب فورا مع عائلتي خارج تدمر عن طريق حمص، وهذا ما حصل بالفعل، قام داعش بمهاجمة السخنة، وفي اليوم التالي اجتمعت بكل الضباط المسؤولين في تدمر وبقيت حتى المساء في المدينة، وبعدها قمت بالخروج مع عائلتي سرا، وخرجنا بسيارة أحد أقربائي وتعرضنا لإطلاق نار ونجونا بأعجوبة، ولم أخبر أحدا بأنني أريد الخروج، لأني توقعت تصفيتي، كما صفوا (في إشارة لقوات النظام) ضباطا سنة فيها أو منعوهم من الخروج، ووصلت إلى دمشق بأعجوبة، ومن دمشق عدت لحمص ومارست عملي كنائب عام في مدينة حمص حتى نهاية 2015، وفي نهاية العام تمكنت من الخروج من دمشق إلى تركيا، ووصلت إليها وأردت أن أخرج للعالم وأروي لهم ما شاهدته وعاينته في سوريا”.
واستدرك “في بداية الثورة كنت شاهدا على سلمية الثورة، وعلى قتل المتظاهرين السلميين في حمص، الذين خرجوا بمئات الآلاف بشكل سلمي، ولم يكن لديهم حتى عصا، النظام كان يقتل المتظاهرين ويطلب منا الكشف على جثثهم، ويطلب منا القول بأنهم قتلوا على يد مندسين ليقول ذلك أمام الإعلام، ولم يكن بيدنا فعل شيء”.
رؤيته لمستقبل سوريا
وختم النائب العام حديثه بتوضيح رؤيته لواقع ومستقبل سوريا فقال، “أريد أن أقول إني خرجت حديثا من سوريا، ومن خلال عملي وتواصلي مع جميع أطراف ومكونات المجتمع السوري من مؤيدي بشار الأسد ومعارضيه، معظم الموجودين في سوريا من مثقفين وسياسيين، هم يعارضون النظام، ولكن هناك رعب وخوف، خاصة أن سوريا باتت سجنا كبيرا، وحتى تمكنت من الخروج من سوريا قمت بتهريب كل أقاربي وأفراد أسرتي وأنا آخر من هرب بينهم، فإذا انشق أي واحد فأجهزة النظام الأمنية تلاحق كل أفراد عائلته”.
وأضاف “حتى تاريخ تدخل روسيا والعدوان الذي شنته على سوريا، كان النظام في أيامه الأخيرة، وينهار من الداخل، بعد أن انتشر الفساد في كل المجتمع، وانهارت الليرة السورية، كما انهارت أيضا معنويات المؤيدين للنظام وجيشه مع تزايد وصول قتلاهم من المعارك، كانوا في حال انهيار شديد وكنا نتوقع سقوط الأسد بين لحظة وأخرى، إما قتلا على يد أحد حراسه، أو حمل حقيبته والرحيل، لكن مع بدء العدوان الروسي أعطى الأخير دعما معنويا لمؤيدي النظام، إلا أن هذا الدعم هش”.
واستدرك ناصر “أقول وليسمعني العالم وبشار الأسد، كل الشعب السوري حاقد على الأخير، قتل السنة، وحرق العلويين وقتل الآلاف من شبانهم، والعلويون (العناصر بقوات النظام) على الحواجز يشتمون الأسد، ولكنه شر لا بد منه بالنسبة لهم، حتى المؤيدون إن أرداوا مدح بشار، يقولون رحم الله والده، الجميع يشتم ويمقت الأسد في سوريا، والجميع يعلم أنه في لحظة معينة إما سيقتل أو سيهرب، والجميع ينتظر هذه اللحظة، والجميع يعلم أن الأسد مهزوم وهو كذلك، وأعتقد أنه عبد لإيران ومأمور منها بالبقاء داخل سوريا حتى تنتهي صلاحيته، ولو تمكن من حمل حقيبته والهروب لفعل ذلك”.