
أن تتقاضى شركة “شينوك” مبالغ خيالية من الدولة اللبنانية مقابل تصدير النفايات، مقارنة بعروض أخرى توفر خدمة أفضل بكلفة أقل أضعافا، أمرٌ غُض الطرف عنه. أن يكون أحد المساهمين في “شينوك” عميل اسرائيلي كما تردد، وأن تكون خبرتها في مجال ترحيل النفايات خجولة، عامل آخر تم تخطيه. لكن ان تقدّم “شينوك” الى الجانب اللبناني أوراقا مزوّرة تزمع أنها وثائق روسية رسمية تتضمن موافقة وزارة البيئة الروسية على نقل نفايات لبنان الى منطقة كوبان في البلاد، فتلك تكاد تكون “أمّ الفضائح” التي رافقت وترافق قرار تلزيم الترحيل الى “شينوك”، منذ أن أُبرم!
كان يفترض ان يوقع العقد بين الدولة اللبنانية و”شينوك” في الأيام القليلة المقبلة، بعد أن أقر مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة صرف مبلغ 50 مليون دولار دفعة اولى من فاتورة ترحيل النفايات من الصندوق البلدي المستقل، وبعد تلقي مجلس الانماء والاعمار نسخة عن الموافقة الروسية على استقبال النفايات، غير أن ما أوردته وكالة “تاس” الرسمية الروسية في الساعات الماضية، لناحية اعلان وزارة الموارد الطبيعية الروسية أنها لم تمنح وثيقة تسمح بنقل النفايات إلى أراضيها، وأن المراسلات الخاصة بالموافقة وهمية ومزورة، رفع جدارا سميكا على سكة قطار الترحيل، قد يعوق تقدّمه لمدة، هذا ان لم يخلط الاوراق مجددا في الملف، فيعاوَد البحث عن شركة جديدة، حسب ما تقول مصادر وزارية ل”المركزية”، مشيرة الى أن تحديد وجهة تصدير النفايات أمر ضروري وأساسي لاتمام الترحيل، ومن دونه ثمة استحالة لانجازه، مذكرة بأن لبنان موقّع على اتفاقية “بازل” ويلتزم المعايير البيئية الدولية في ملف النفايات، وبالتالي أي تصدير غير محدد الوجهة سيرتب على الدولة اللبنانية عقوبات قاسية، مرجّحة أن يتم تعليق اجراءات توقيع العقد الى حين اتضاح الخيط الابيض من الاسود في مستندات “شينوك”.
وفي حين اعتبر وزير الزراعة أكرم شهيب، المكلف متابعة ملف الترحيل، أن الدائرة القانونية في مجلس “الانماء والاعمار” هي المخولة رسمياً التدقيق في الوثائق التي قيل انها مزورة، أشارت أوساط اللجنة الوزارية الى “أننا لم نتلق حتى الساعة اي اتصال في شأن وثائق مزورة”، سائلة “من يتجرأ على تزوير توقيع في روسيا؟ وكاشفة أن مصدرين رسميين روسيين كانا تواصلا مع الجانب اللبناني في شأن الترحيل، متخوفة من أن تكون “جهات لبنانية تعمل عمدا لتعطيل الحل”.
أما سفير لبنان في موسكو شوقي أبو نصار، فاعتبر أن ما نشرته “تاس” عار من الصحة ولا اساس له، اذ ان لا علاقة لسفارة لبنان لا من قريب ولا من بعيد بملف الترحيل، مشيرا الى “أننا لم نتلق اي مستندات من لبنان أصلا، كي نحوّلها الى وزارة البيئة الروسية”. وعما اذا كان تلقى اي دعوة للمثول امام القضاء الروسي، كشف ان “التواصل عادة يكون مع الخارجية الروسية ولم يتصل بنا أحد حتى الساعة”.
في هذه الاثناء، بدا السفير الروسي ألكسندر زاسبيكين جازما في تأكيده ان “يجب أن تكون هناك موافقة من السلطات الروسية على موضوع ترحيل النفايات”، مشددا على أن “لا علم ولا علاقة للسفارة الروسية في معاملات ترحيل النفايات المفترض ان تكون بين الشركات والجهات المختصة في روسيا في هذا المجال”.
بدنا نحاسب: واذا كان الخبر الروسي فاجأ “لجنة الاشغال والطاقة” كما قال رئيسها النائب محمد قباني مشيرا الى ان “الحديث عن ان الترحيل لم يتم بأوراق قانونية شكّل صدمة لمجمل اللبنانيين”، فان المجتمع المدني وحملة “بدنا نحاسب” التي كشفت في مؤتمر صحافي السبت الفائت أن أحد المساهمين في “شينوك” مدان من القضاء اللبناني بالعمالة لاسرائيل، ليست في وارد اقفال ملف الشركة قريبا. وفي هذا الاطار، لفتت الناشطة نعمت بدر الدين ل”المركزية” الى أن “حديث السفير الروسي قطع الشك باليقين، ونحن في السابق أكدنا ان ليس هناك أي أوراق رسمية أو مستندات تثبت مصداقية “شينوك”، وأشرنا الى ان تأجيل العقود من يوم الى آخر ريثما تصل الأوراق يدل الى ذلك، معتبرة ان الأمر الأول الذي كان يجب العمل عليه قبل وضع الملف على طاولة مجلس الوزراء، هو شرح من هي الشركة والمساهمين فيها، لكن هذا لم يحصل”، مضيفة “لدينا جيش من المستشارين والخبراء في السراي يتقاضون أموالا طائلة منا، في المقابل، لم يتمكنوا من التأكد مما إذا كانت هذه المستندات رسمية أو لا؟ هل يجوز؟! كذلك الأمر بالنسبة الى سفارة لبنان في روسيا فلم تستطع توكيل أحد لمعرفة أي شيء عن هذه المستندات، كما ان وزارة الخارجية لم تعرف شيئا ايضا. كل الذي نعرفه هو ان روسيا تسأل لماذا يجب ان يكون هناك وسيط بينها وبين لبنان في حين ان لبنان قادر على عقد الصفقة مباشرة مع الحكومة الروسية، لذلك نحن منذ اليوم الأول عرفنا ان هذه الصفقة مشبوهة والشركة غير طبيعية وغير قانونية. وأكدنا ان من لم يبرز اسمه في الأوراق الرسمية أي محمد علي عجمي هو عميل إسرائيلي صدر في حقه حكم في العام 1995، إضافة الى انه مطلوب أمام القضاء الإميركي في جرم الفساد والرشوة. ونحن وكلّنا محامياً في بريطانيا وتقدمنا بإخبار لدى سلطاتها وطلبنا من القضاء اللبناني الحصول على خلاصة الحكم لكننا لم نتلق أي جواب حتى اليوم. ودعت ردا على سؤال الى العودة الى الحلول البيئية الصحية خاصة أن أسعارها مقبولة جدا، معتبرة أن “اصرار الحكومة على الترحيل، يثبت تورطها في السمسرة”، لافتة الى أن “إذا أصرّوا على الترحيل يجب ان يذهبوا الى الهيئات الرقابية وأن يكون هناك عمليات إستدراج عروض في التفتيش المركزي لإدارة المناقصات، وبذلك كل شيء يكون شفافا وواضحا”. وفي حين أشارت الى ان “كل ما يجري يدل الى ان الحكومة تفتقر المناعة الوطنية، رأت أن “الفضيحة الكبرى هي ان وزراء حزب الله الذين يتكلمون بالوطنية ويرفضون التطبيع، لا يعرفون من هم أصحاب شركة “شينوك”. وعن تحركات “بدنا نحاسب” المقبلة، قالت بدر الدين: نحن لا نزال نستكمل ملف “العمالة” ونتلقى معلومات أكثر عن الموضوع سنتقدم بها الى السلطات القضائية، فهناك خلاصة حكم موجودة في القضاء العسكري صادرة في حق هذا العميل في 13\11\1995، مشيرة الى “أننا سنعلن في الساعات المقبلة عن تحرك سنقوم به في اتجاه الهيئات الإدارية والرسمية لمتابعة موضوع الاوراق المزورة ولن نستستلم حتى جلاء الحقيقة”.