كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1514
عندما يسمع “الجبور” وعود “حزب الله” بحماية المسيحيين يضحك ويتذكر كيف شارك في معركة “بناية الداتسون” ليلة 8 كانون الثاني من العام 1976، وصدّ مع عدد قليل من رفاق الحي هجوماً مبرمجاً للقوى الفلسطينية لاختراق عين الرمانة قلعة المسيحيين حينذاك. يعود بالزمن 39 عاماً ويتذكر ذاك اليوم الذي بدأ بالتعبئة لصدّ هجوم على عين الرمانة وانتهى بـ “مجزرة بناية الداتسون”.
يعود “الجبور” الى هناك ويبدأ “كنت في البيت عندما ارسل بطلبنا الرّيس إميل غنطوس (المسؤول العسكري في “الكتائب”) حوالى الساعة 11 صباحاً، كان معه شكري جلخ المسؤول عن المنطقة، سألني الريّس إميل “كم شب انتو عم تداوموا ببناية الداتسون؟” فأجبنا: “تنين أنا وجورج بو ضاهر”. علمنا بعدها أنهما جمعا كل الشباب من المنطقة لمساندتنا بعدما أبلغانا أن هجوماً يحضّر على موقع “بناية الداتسون” من جهة غاليري سمعان وحيّ الأميركان. فرِحت بعودة الشباب الذين كانوا تركوا الجبهة نتيجة خلاف مع شكري جلخ. عدت الى البيت، تغديت مع أهلي وتحمّمت وجلست أنتظر المساء. كانت أمي تنظر اليّ وتسألني “شو باك؟ عيونك عم يحكوا… أكيد في شي، بس روح ما رح يصرلك شي”!!.
عند السادسة والنصف خرجت من المنزل وتوجهت أنا ورفيق لي من بيت المسّن الى المتراس عند “بناية الداتسون”. كان الطقس عاصفاً الا أن المطر توقف في تلك الساعة ومشينا على سكة الحديد ينير طريقنا ضوء القمر. لحق بنا ميشال حداد وعندما وصلنا الى المركز بدأنا بتعبئة الذخيرة انا وفيليب معلوف لان ميشال خرج لشراء علبة دخان.
في المتراس كان يتمركز لويس صالح وأسعد نوار، في هذا الوقت وصل جوزف حنا وميلاد الأشقر وسمير ناصيف وعلي شعبان وشاب لم أعرف إسمه عاد وترك سلاحه في المركز وخرج ليجلب عدّة الإسعاف.
نزلت الى مركز “فاريز” للأحرار لأبلغهم بخبر الهجوم، فوجدت يوسف الغول والشباب يجهّزون أسلحتهم، فعُدت الى مركزي حين دخلت صبية من الصليب الأحمر وسألت عن الشاب الذي خرج ليجلب عدة الإسعاف فقلنا لها انه غادر. ثم دخل غابي خوري وكنا نجهّز قنابل “المدقّة” ونربطها ببعضها لاستعمالها في صدّ الهجوم.عند الساعة السابعة الا ثلثاً دخل علينا إدوار وهو يصرخ “قتلوا ميلاد عبد الكريم…” لم نسمع رصاصاً لكنهم كانوا قتلوا عبد الكريم عند مدخل المبنى ووصلوا الى الطابق الثاني. علمنا من إدوار أنهم غرباء لكن معهم “دواليل” من المنطقة وقد التقوا بـ”غضبان” أي نمر عبود، وأعطوه B7 بعدما قال لهم أنه مقاتل من الشياح، فرماها وهرب. نزلت على الفور لأعرف ما الذي يجري، وعندما وصلت الى مدخل المبنى سمعت من يقول “بعدك طيب يا ابن جبور”؟ وطلع رشق رافال. أصبت في رجلي فجلست عند طرف عمود وتمترست هناك لأرى كل من يدخل او يخرج من المبنى. قوصت مشطين مش أكتر، وأحد المهاجمين الشرسين قوصتو 6 رصاصات ووقع حدي كان من الجنسية الصومالية أكيد وبشرتو سمرا. عندها وصل شاب اسمه محمد بحلق رأيته على ضوء القمر وعرفته لأنه كان من سكان المنطقة والتحق مع الفلسطينيين ضدنا، قال لي “بعدك عايش كمان”؟ وقوصني. عرفت بعدين انو هو وعم ينسحب انصاب ومات. صار اللي طالع واللي نازل يقوصني، كان معي قنبلتين وحدة “كوز رمان” ووحدة “مدقة” شلت قنبلة “كوز الرمان” وهني وعم يركضوا من بناية الأرمني كبيتها، وقع 2 والباقي انسحبوا، ساعتها بلشت اسمع الرصاص من البناية. عندها وصل اسعد نوار وهو يصرخ ويتهدّد لكنهم أسروه وأخذوه معهم، بعدها قتلوه ورموا جثته بالقناية عند غاليري سمعان. سمعت ضجة على الدرج، شلت قنبلة “المدقة” ورميتها لكنها لم تنفجر، صاروا يضحكوا عليي، وعندما حاول احدهم ان يلتقطها انفجرت به. وصل عندها لويس صالح بدأت أصرخ “انتبهوا انتبهوا… يموت واحد ولا يموت 2…” تاري لويس حاملني وانا مش واعي. تركني وطلع عالمتراس وانا عملت حالي ميت مع هيك صار اللي طالع واللي نازل يلبطني ويقوصني، وسمعت واحد عم يصرخ برفيقو اللي حاطط الرشاش براسي “شو بدك فيه، ميت، ما تروح الرصاص عالفاضي عليه”. مع هيك رجعت زحفت لوصلت على”الفال” اللي كانت معي وقوصت المشط اللي كان فيها على المهاجمين اللي كانوا خليط من الفلسطينيين والليبيين والصوماليين.
أصيب في المواجهات الياس حنا وسمير ناصيف واستشهدا، وطلع لويس عالمركز وكان فيليب بعدو عم يعبّي ذخيرة والبنت من الصليب الأحمر معو. بقي لويس لوحده يطلق الرصاص ويحاول تهدئة الفتاة التي أغمي عليها. كانت صارت الساعة 11 والهجوم مستمر. حاولت أقطع الطريق واطلع على المركز المقابل، بنص الطريق سمعت علي شعبان عم يصرخ “يا عدرا… يا لله” وشفتو عم يوقع من الطابق السابع. كبوه من فوق!! هالمشهد ما بيفارقني وصوتو بـ دينتي. جوزف حنا كمان لما شاف انن وصلوا عالطابق السابع نزل عالحبل تينسحب بس لما وصل عالطابق الثالث قوصوه من تحت، وقع من فوق واجا على جتة سمير ناصيف، بس خلّص لانن افتكروه مات كمان وما عادوا خلّصوا عليه.
من بعدها بلّش يطلع علينا رصاص وقذايف. وبهالوقت كان يوسف الغول وشباب “الأحرار” بدأوا بالهجوم عن طريق البستان وسكة التران. وكتائب “ب. ج ” فاتوا من جهة الشمال ناحية مستشفى الحياة ووصلوا ع “البراد”. كمان الجيش اللبناني عمل كثافة نيران من غاليري سمعان باتجاه كنيسة مار مخايل تيقطع عليهن الامدادات. أكثر من 70 مقاتل هجموا ليلتها علينا من صوب السكة، ومات نصن تقريباً.
وأنا انصبت بـ 48 رصاصة وبقيت واعي ورجعت كفيت عبي ذخيرة للشباب. بس إجت قوة الجهاز الصحي اللي بدها تاخد الجرحى نزلوني من الشباك تحت القذايف وهني حامليني بالحرام وقعت، صرت أصرخلن “يا عمي تعو خدوني…” رجعوا حمّلوني سلاحن وحملوني ومشينا مسافة شي 400 متر تـ وصلنا على طريق مستشفى الحياة. حطوني بـ جيب شفروليه وفتنا على عين الرمانة تحت القصف، كل الطرقات على اوتيل ديو كانت مسكرة، صرت دلن على الطرقات الفرعية اللي بتوصل عالمستشفى وبس وصلت وقعت عالمدخل. أول حكيم شافني قلن “كبوه بالبراد” قمت وقفت ومشيت أنا وحامل مصاريني، فركض دكتور بيار فرح، الله يوجهلو الخير وقلن “فوتوه عالعمليات”. بقيت 8 أشهر في المستشفى، 6 منها في غيبوبة في غرفة العناية.
أمي سمعت في اليوم التالي الشباب يخبرون كيف اصبت وقتلت فقالت لهم “لو انصاب مش رح يموت” قالولها “شو عرّفك؟ شفتيه”؟ قالتلن “شفت العدرا وعطيتني منديل أبيض”.
بقيت نحو السنتين في البيت لاتعافى. الى أن عدت للعمل الحزبي في “الكتائب” مع بطرس خوند ومن بعدها التحقت بـ”القوات اللبنانية” مع قائد ثكنة كسارجيان سمير بو يونس.
العائد من الموت تزوج في العام 1984 ورزق بابنتين وصبي، ويكمل اليوم حياته جدّاً لتوأمين لابنته البكر ويعمل في إحدى مدارس عين الرمانة.
هذه قصة من قصص الحرب الأغرب من الخيال والتي تؤكد ان إرادة المقاومة وصلابة صمود هذا الوطن ليست صناعة بشرية بل قدرة إلهية بالتأكيد.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
