إفتتاحية “المسيرة” ــ جعجع والحريري…

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1547

كانت الساعة 8 و45 دقيقة تقريباً عندما وصل الرئيس سعد الحريري إلى معراب مساء الإثنين 15 شباط الحالي للقاء الدكتور سمير جعجع. لم تكن تلك الزيارة الأولى لرئيس تيار “المستقبل” إلى رئيس حزب “القوات اللبنانية” في هذا المقر. منذ لقائهما الأول في سجن وزارة الدفاع بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري سار الرجلان معاً في تحالف 14 آذار وكانا الركنين الأساسيين فيه. وإذا كانت العلاقة اهتزت في الأشهر الأخيرة على وقع الترشيحات الرئاسية فإنها لن تقع لأنها تبقى الضمانة لاستمرار ثورة الأرز وحلم ذاك النهار المضيء في 14 آذار 2005.

قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري كانت العلاقة قد توطدت بين “المستقبل” و”القوات”. بعد زيارة النائب وليد جنبلاط إلى بيت الدكتور سمير جعجع في يسوع الملك مع الدكتور فارس سعيد قبل عيد الميلاد في العام 2004 كان الرئيس الحريري يدرك خطورة هذه المسألة. لم يتوان عن القول للدكتور سعيد عندما أبلغه بأمر الزيارة “بأنهم سيقتلونكم”. كان الرئيس الحريري يدرك حسياً مدى التهديدات التي يتعرض لها مع الحركة الإستقلالية التي كانت تولد في البريستول بين لقاء قرنة شهوان والبطريرك صفير والنائب وليد جنبلاط. على رغم ذلك لم يتردد في الكشف عن اللحاق بها ومن ثم في تفويض من يمثله التوقيع على مشروع قانون العفو عن الدكتور سمير جعجع. في عيد الميلاد 2004 خرج من دائرة الظل في العلاقة مع “القوات” ليتصل بالسيدة ستريدا جعجع ويهنئها بالأعياد متمنياً “أن يكون الدكتور سمير جعجع بيننا في العيد المقبل” وهو يدرك طبعاً أن الإتصال سيكون معرضاً للتنصت. فقد سقط الخوف الذي كان أبداه بعد زيارة جنبلاط إلى يسوع الملك.

شاءت الأقدار أن يتم اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل أن يخرج الدكتور سمير جعجع من السجن. في 14 شباط 2005 كان من الطبيعي أن تكون ستريدا جعجع في قصر قريطم لتنضم إلى الصورة الجامعة قبل إصدار البيان الخاص باستكمال مسيرة الرئيس رفيق الحريري ولقاء البريستول نحو استعادة السيادة الكاملة.

في سجنه في وزارة الدفاع عرف الدكتور سمير جعجع أن هناك حدثاً كبيراً حصل من خلال الحركة غير الإعتيادية. كان يخشى على وليد جنبلاط ورفيق الحريري من الإغتيال. وبعدما علم بالخبر كان يهمه أن يكتمل المسار. فالتحالف مع “تيار المستقبل” بدأ منذ تلك المرحلة وكانت الخيارات واحدة ولذلك أتت زيارة سعد الحريري إليه في السجن ضمن السياق نفسه. كانت الإنتخابات النيابية في ربيع 2005 قد حصلت وكان الدكتور جعجع يعلم مسبقاً أنه سيزوره: “كنت عارف إنو بدو يطلع وكنت مترقب هالزيارة. لما فات كان ملبك وكأنو مش عارف كيف بدو يتصرف وشو رح يلاقي بوجو خصوصاً إنو ما كنا تقابلنا من قبل. كان في شوب بالسجن. صار عم يعرق. قعد… خبرتو عن علاقتي ببيو وأي متى بلشت وكيف كانت. قلت حتى يكون تعود عالكرسي اللي قاعد عليها وعلى القزاز الفاصل وعلى العسكري اللي واقف على باب الغرفة والوضع كلو سوا. قبل ما يحكي شي تاني قلّي بالإنكليزي: I gave my word to Setrida  أعطيت كلمتي لستريدا في ما يتعلق بقانون العفو.” ويضيف جعجع: “لو ما بيت الحريري والسنة استطراداً يكفوا ما حدا كان كفى. ولو المسيحيين قرروا كمان ما يكفوا ما حدا كان كفى. ما كان فينا نكفي إلا سوا” هذه القاعدة لا تزال تحكم هذه العلاقة بين “القوات” و”تيار المستقبل”.

سعد الحريري الذي أخذ على عاتقه متابعة طريق والده الصعبة وصف أيضاً ذلك اللقاء: “قررت إني أطلع شوف الحكيم محل ما كان. كان هو بغرفة وأنا عم أحكي من ورا القزاز وكان الحديث إنو نحنا على تحالف مع بعض ومتكلين على بعض وتأكيد إنو هالتحالف ما رح يتزعزع وإنو “القوات” واقفين جنب “تيار المستقبل” و”تيار المستقبل” واقف جنب “القوات”… أكيد عزاني باستشهاد الرئيس الحريري وقلّي إنها كانت خسارة كتير كبيرة وإنو كان في علاقة بينو وبين الشهيد والتقوا عدة مرات…”

الحاجز الزجاجي الذي فصل بين سمير جعجع والرئيس سعد الحريري داخل سجن وزارة الدفاع كاد يعود ولكن خارج غرفة ذلك السجن. اختلفت الخيارات بين الرجلين في موضوع الرئاسة ولكن ما لم يتغيّر هو التأكيد على أن هذا التحالف الذي بدأ في العام 2004 لن يتغيّر وهو يبقى الأساس من أجل استمرار ثورة الأرز بغض النظر عمن يكون رئيساً للجمهورية. منذ لقاء باريس بين الرئيس الحريري والنائب سليمان فرنجية اعترت العلاقة بين “تيار المستقبل” و”القوات” علامات استفهام زادت على علامات أخرى لم تكن بارزة بهذا الشكل. دائماً كان الدكتور سمير جعجع يدعو الرئيس سعد الحريري للعودة إلى لبنان ويعتبر أن الأسباب التي حملته على المغادرة بعد الإنقلاب الأمني السياسي على حكومته مطلع العام 2011 لا تبرر الغياب الطويل لأنه يكون بذلك يحقق ما يريده من أجبروه على السفر. عندما عاد الرئيس الحريري فجر 14 شباط كان مقدراً أن تساهم عودته في حل الكثير من الإمور العالقة. على الأرجح لم يكن الدكتور سمير جعجع مقرراً أن يشارك في احتفال البيال لإحياء ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط. ولكن مع عودة الرئيس الحريري على رغم ظروفه الأمنية الصعبة لم تعد الظروف الأمنية حائلاً دون نزول الدكتور جعجع. ولكن إشارة الرئيس الحريري في كلمته إلى مسؤولية الدكتور جعجع في موضوع المصالحة المسيحية أشعلت القواعد القواتية على رغم أن الدكتور جعجع استدرك الأمور في لحظتها وتصرف على أساس أنها مزحة من مزحات الرئيس الحريري عندما يكونان معًا.

هذا الجو أرخى بثقله على زيارة الرئيس سعد الحريري إلى معراب ليل 15 شباط. ولكن الحاجز الزجاجي سقط لحظة وصوله.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يزور فيها معراب. في 27 أيلول من العام 2007، بعد أسبوع تقريباً على اغتيال النائب أنطوان غانم، قبل انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود زار معراب وبحثا عن مخارج من احتمال الوقوع في الفراغ مع معارضة “حزب الله” انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. زار الرئيس الحريري بكركي والتقى البطريرك صفير وانتقل إلى معراب ليؤكد على ضرورة حصول الإستحقاق الرئاسي بشكل وفاقي في موعده. بينما أكد أن المطلوب رئيس يمتلك قماشة رئيس الجمهورية “شخصية تكون موازية للرئيس بري في ما يتعلق بـ8 آذار”. يومها كان هناك اختلاف أيضاً في وجهات النظر بين أن يكون الرئيس من بين مرشحي 14 آذار المعلنين النائبين نسيب لحود وبطرس حرب وبين أن يكون وفاقياً. ولكن الفراغ حصل وبقي قصر بعبدا من دون رئيس.

في 26 نيسان 2008 زار الحريري بكركي ثم معراب أيضاً. وقد أيد دعوة الرئيس بري إلى جلسة الحوار في 13 أيار شرط أن تؤدي إلى انتخاب رئيس واعتبر الدكتور جعجع أن هذه الدعوة غير جدية وهي محاولة لإبعاد التركيز على انتخاب الرئيس وأيد انتخاب المرشح التوافقي ميشال سليمان.

ولكن بعد 12 يومًا كان “حزب الله” يشن عملية 7 أيار. ليفتح بعدها الطريق نحو انتخاب ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية على ضوء تفاهم الدوحة.

اليوم تبدو الطرق مقفلة إلى قصر بعبدا كما في العام 2007. ولكن لا يمكن أن تقفل بين “المستقبل” و”القوات”. هزة احتفال 14 شباط بقيت تحت دائرة الضبط. قبل أن يصل الرئيس سعد الحريري إلى معراب بدأ اتخاذ الترتيبات اللازمة لإخراج اللقاء من رتابته ومن البرودة التي اعترت العلاقة. كان الدكتور سمير جعجع حريصاً على أن يكون اللقاء عائلياً وحميمياً وأن يشعر الرئيس سعد الحريري أنه في بيته. لذلك أراد أن يكون في المنزل وليس في المكتب. وكان حريصاً أيضاً أن يتم النقل التلفزيوني من داخل البيت. وهذا ما استدعى إجراءات سريعة لتأمين هذا النقل وإن كان بفارق زمني بسيط لم يتعد الدقائق العشر. وصل موكب الرئيس الحريري وكان الحكيم وستريدا معاً في الإستقبال على الباب: “أهلاً وسهلاً فيك بمعراب دولة الرئيس”. في اللقاء الأولي الذي دام حتى الساعة التاسعة والنصف تقريباً حرص  الدكتور جعجع على تخطي حاجز البيال بسرعة والإنتقال مباشرة إلى التأكيد على عمق العلاقة وعلى المضمون السياسي للخطاب الذي ألقاه الرئيس سعد الحريري داعياً إياه إلى البقاء في لبنان لحل الكثير من الأمور العالقة: “بدنا ياك تضل بيناتنا حتى نحل كتير من الأمور اللي بدها حل”. من جهته أبدى الرئيس سعد الحريري حرصاً مماثلاً على تأكيد التحالف والعلاقات والتنسيق في القضايا المختلف عليها. مباشرة انكسر الجليد. بعد التصريحات حرص الرئيس سعد الحريري والدكتور جعجع على التقاط الصور مع الصحافيين داخل البيت وبعد ذلك تم استكمال البحث على العشاء الذي استمر حتى منتصف الليل ليغادر بعدها الرئيس سعد الحريري معراب في ظل ثابتة واحدة هي التأكيد على أن هذا التحالف هو الأساس والباقي تفاصيل.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل