
هل تبحثون عن وسائل إضافيّة لتهدئة كآبتكم لا تقتصر فقط على العقاقير التي يصفها لكم الطبيب؟ ما رأيكم إذا علمتم أنكم قد تجدون الحلّ في أطباقكم اليومية؟ في الواقع، أظهرت مئات الأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد أنّ ما تأكلونه يؤثّر مباشرةً، ليس فقط في صحّتكم الجسديّة، إنما أيضاً في أوضاعكم النفسيّة والعقليّة. ماذا يقول الخبراء عن هذه العلاقة؟ وما أبرز التوصيات التي وُضعت في هذا الصدد؟
عندما يتعرّض الجسم لنَقص في الجرعات الصحيحة من الفيتامينات والمعادن الموجودة في الأطعمة الطازجة وغير المصنّعة، أو يعجز عن امتصاص المغذّيات الرئيسية نتيجة ضعف إتمام وظائفه، يُصبح الشخص أكثر عرضة للمشكلات مثل الكآبة.
لسوء الحظ، لا يوجد نظام غذائي ثبُت أنه يُهدّئ الكآبة. لكن مع ذلك، وفي حين أنّ بعض المأكولات والحميات قد لا تخفّف وطأة الكآبة أو تحسّن المزاج فوراً، غير أنّ الغذاء الصحّي قد يؤدي دوراً قويّاً كجزءٍ من العلاج الشامل للكآبة.
وتعليقاً على هذا الموضوع، قالت أخصائية التغذية ناتالي جابرايان لـ”الجمهورية” إنّ “الكآبة والغذاء قد يرتبطان ببعضهما. ووجدت دراسات عديدة أنّ الأشخاص الذين استهلكوا غذاء رديء النوعية، أي انه يتكوّن من اللحوم المصنّعة والشوكولا والحلويات والمقالي والحبوب المكرّرة ومنتجات الحليب الكاملة الدسم، كانوا أكثر تعرّضاً لأعراض الكآبة.
أمّا الخبر الجيّد أنّ الأشخاص الذين حصلوا على غذاء غنيّ بالفاكهة والخضار، إضافة إلى تناول السمك نحو 3 مرّات أسبوعياً بكميّة معتدلة، كانوا أقلّ تعرّضاً لهذا الإضطراب النفسي”.
وأشارت إلى أنّ “هذه الخلاصة تتوافق مع نتائج أبحاث أخرى توصّلت إلى أنّ الأنظمة الغذائية الصحّية تساعد على الحماية من الأمراض. على سبيل المثال، بَيّنت الدراسات أنّ الأشخاص الذين اتّبعوا حمية البحر الأبيض المتوسط (Mediterranean Diet)، التي تركّز على الفاكهة والخضار والحبوب والسمك وتحدّ من اللحوم ومنتجات الحليب والبيض، إنخفضت لديهم مستويات الكآبة والمشكلات الأخرى كالألزهايمر، والسكّري، وأمراض القلب.
كذلك، واستناداً إلى مراجعة نُشرت في “Journal Nutritional Neuroscience”، تناوَل الكثير من الخضار والفاكهة قد يشكّل وسيلة علاجية فعّالة وغير مُكلفة لدعم الدماغ الصحّي”.
المغذّيات النباتية
وكشفت جابرايان أنّه “يمكن للإنسان أن يتعرّض للكآبة لأسباب عديدة مثل تناول بعض الأطعمة، أو حدوث تفاعلات كيماوية معيّنة في الدماغ مرتبطة بالسيروتونين أو الاندورفين أو غيرهما، أو حتى حصول ما يُعرف بالـ”Monoamine Oxidase” وهو عبارة عن إنزيم يفكّك الناقلات العصبية التي تكون رابطاً بين الخلايا العصبية.
وكلما ارتفع مستوى هذا الأنزيم زادَت حدّة الكآبة، ومن المهمّ جداً أن تكون الناقلات العصبية عالية في الدماغ حفاظاً على مزاج جيّد. من بين الإنعكاسات السلبية لهذا الإنزيم أنّ الأدوية المخصّصة لعلاجه تملك آثاراً سلبية عديدة، ولذلك لا يمكن لأيّ كان تناولها والحصول عليها لفترة طويلة”.
وأضافت: “لحسن الحظ، يمكن الاستعانة بالمغذّيات النباتية (Phytonutrients) التي تصل إلى الدماغ وتؤثّر إيجاباً في المزاج وتكبح إنزيم “Monoamine Oxidase”، وهي موجودة طبيعياً في البهارات مثل القرنفل، والأوريغانو، والقرفة، وجوزة الطيب. لذلك، من المهمّ الحرص على إدخالها بانتظام إلى الأطباق للاستفادة من خصائصها.
كذلك، توجد مصادر أخرى للمغذّيات النباتية التي تساعد على تعزيز المزاج، كالتفاح، والتوت، والعنب، والـ”Kale”، والبصل، والشاي الأخضر. لذلك، توصّلت معظم الدراسات إلى أنّ الأشخاص الذين يحصلون على غذاء غنيّ بالخضار والفاكهة يتمتّعون بصحّة عقلية أفضل”.
إجراءات لا غنى عنها
وعرضت جابرايان 10 نصائح غذائية فعّالة تشارك في الشفاء الكلّي والشامل من الكآبة، وهي:
التقيّد بحمية غنيّة بالعناصر الغذائية: تدعم المغذّيات الموجودة في المأكولات إصلاح الجسم، ونموّه، وصحّته، وهي تشمل الفيتامينات، والمعادن، والكربوهيدرات، والبروتينات، وحتى كمية ضئيلة من الدهون. النقص في أي من المواد المذكورة يدفع الجسم إلى عدم العمل بكامل طاقته وقدراته، وقد يسبب أيضاً الأمراض.
مضادات الأكسدة الأساسية: يتمّ إنتاج الجُزيئات الضارّة المعروفة بالجذور الحرّة في الجسم خلال إتمام هذا الأخير وظائفه الطبيعية، وهي تساهم في تلف الخلايا، والشيخوخة، والإختلال الوظيفي. غير أن مضادات الأكسدة تحارب آثار الجذور الحرّة وتكبّلها وتسلب منها قوّتها التدميرية. وأظهرت الدراسات أنّ الدماغ يتعرّض لخطر الدمار الذي تسبّبه الجذور الحرّة.
ويمكن تقليص تأثيرها المدمّر على الجسم من خلال تناول أطعمة غنيّة بمضادات الأكسدة كجزء من الحمية الصحيّة، وتحديداً مصادر البيتا كاروتين (المشمش، والبروكولي، والجزر، والسبانخ، والبطاطا الحلوة، واليقطين)، والفيتامين C (التوت، والفلفل، والبروكولي، والكيوي، والليمون، والفريز، والبندورة)، والفيتامين E (المكسرات، والبذور، والأفوكا، والزيوت النباتية).
تناول الكربوهيدرات بذكاء: العلاقة بين الكربوهيدرات والمزاج مرتبطة بالناقل العصبي المعزّز للمزاج المعروف بالسيروتونين (Serotonin). يمكن للشهيّة على الكربوهيدرات أن ترجع إلى انخفاض نشاط السيروتونين، على رغم أنّ الخبراء غير متأكدين بعد من هذه العلاقة.
لذلك لا تهربوا من كلّ الكربوهيدرات، إنما اتّخذوا خياراتكم بذكاء، أي الحدّ من الأطعمة الغنيّة بالسكر والتركيز أكثر على الكربوهيدرات المعقّدة مثل الحبوب الكاملة. ولا تنسوا أيضاً تناول كميّة جيّدة من الفاكهة، والخضار، والبقوليات لاحتوائها كربوهيدرات صحّية جنباً إلى جنب مع الألياف.
المأكولات الغنيّة بالبروتينات: من أهمّ مصادرها الحبش، والدجاج، والتونة، الغنيّة بالحامض الأميني تريبتوفان (Tryptophan) الذي قد يساعد على زيادة إنتاج السيروتونين الذي يُعتقد بأنه يؤدي دوراً في تنظيم المزاج. حاولوا إدخال مصدر بروتيني جيّد، (كالفاصولياء، والبازلاء، واللحوم المنزوعة الدهون، والسمك، والدجاج، ومنتجات الصويا)، مرّات عديدة في اليوم، خصوصاً عند الحاجة لصفاء الذهن وتعزيز الطاقة.
غذاء البحر الأبيض المتوسط: إنه نظام صحّي ومتوازن يتضمّن الفاكهة، والخضار، والمكسرات، والحبوب، والبقوليات، والسمك. ووجدت دراسة إسبانية أنّ نسب الكآبة ارتفعت عند الذكور، خصوصاً المدخنين، نتيجة انخفاض استهلاكهم الفولات المعروف كذلك بالفيتامين B9.
الزيادة نفسها حصلت عند الإناث، خصوصاً اللواتي يدخِنّ أو لا يمارسن الرياضة بانتظام، لكن السبب يرجع إلى عدم الحصول على جرعة جيدة من الفيتامين B12. يُذكر أنّ الفولات موجود في البقوليات، والمكسّرات، والفاكهة، والخضار الخضراء. أمّّا الفيتامين B12 فيتوافر في المصادر الحيوانية القليلة الدهون كالسمك ومنتجات الحليب المنخفضة الدسم.
الفيتامين D: وجدت دراسة أميركية أن احتمال التعرّض للكآبة يرتفع لدى الأشخاص الذين يعانون انخفاضاً في الفيتامين D مقارنةً بنظرائهم الذين يملكون كميّة كافية منه. في بحث آخر، لاحظَ الباحثون من جامعة “تورنتو” أن الأشخاص الذين كانوا يعانون الكآبة، وتحديداً الإضطرابات العاطفية الموسمية، مالَ وضعهم إلى التحسّن مع بدء زيادة مستويات الفيتامين D لديهم.
إختيار مصادر السلينيوم: توصّلت الأبحاث إلى وجود رابط بين إنخفاض إستهلاك هذا المعدن وسوء المزاج. المأكولات الغنيّة بالسلينيوم مهمّة جداً للجسم والصحّة وبالتالي يجب تناولها، كالفاصولياء والبقوليات، واللحوم المنزوعة الدهون، ومنتجات الحليب القليلة الدسم، والمكسرات والبذور، وثمار البحر، والحبوب الكاملة.
إدخال الأوميغا 3 إلى الغذاء: هذه الأحماض الدهنية تملك منافع صحّية لا تُحصى. وخلُصت الأبحاث إلى أنّ الأشخاص الذين لا يحصلون على كميّة كافية من الأوميغا 3 لديهم معدّلات أعلى من الإكتئاب الشديد مقارنةً بنظرائهم الذين يحصلون على ما يكفي من هذه المادة. وأظهرت دراسات أخرى أنّ الأشخاص الذين لا يستهلكون السمك بانتظام، الذي يُعتبر من أهمّ مصادر الأوميغا 3 (كالسلمون، والتونة، والمكاريل، والسردين)، هم أكثر عرضة لمعاناة الكآبة.
الإنتباه لعادات نمط الحياة: العديد من الأشخاص الذين يعانون الكآبة قد يواجهون أيضاً مشكلات مع الكحول والمخدرات التي لا تتعارض مع المزاج، والنوم، والتحفيز فحسب إنما تخفّض أيضاً فاعلية عقاقير الكآبة. إضافة إلى ذلك، يمكن للمشروبات والمأكولات التي تحتوي الكافيين أن تحفّز القلق وتجعل من الصعب النوم ليلاً. لذلك إنّ خفض كميّة الكافيين المستهلكة أو الامتناع عنها بعد ظهر كل يوم يساهم في الحصول على نوم جيّد.
الحفاظ على وزن صحّي: هناك رابط بين البدانة والكآبة بحيث أنّ البدناء قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بهذا الإضطراب في المزاج. فضلاً عن ذلك، إنّ الأشخاص الذين يشكون من الكآبة هم أكثر عرضة لبلوغ مرحلة البدانة. فإذا كنتم تواجهون مشكلة في الوزن، إستشيروا خبراء التغذية للتحدّث عن الطرق الصحّية للتحكّم في طريقة أكلكم ونشاطكم البدني والتخلّص من وزنكم الزائد.
وشدّدت أخيراً على “الحاجة لإجراء دراسات إضافية لكشف حقيقة العلاقة بين الكآبة والغذاء. تذكّروا دائماً أنّ الحفاظ على أجسام وعقول تعمل بشكل صحيح يستوجب تزويدها بالمأكولات الصحيحة”.