
شكّلت مناسبة مرور 90 عاما على تبادل العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والمملكة العربية السعودية، والتي انطلقت في 19 شباط من العام 1926، فرصة لتواصل مباشر بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز ، حيث بادر الاول الى الاتصال بالاخير، مهنئا.
الا أن مضمون المكالمة بين الرجلين بدا لافتا خاصة في توقيتها، حيث عبّرا وفق ما جاء في بيان صادر عن الكرملين، عن رغبة مشتركة في حل الازمة السورية، مشيرَين الى أن “جميع الأطراف مهتمة في المحافظة على سلامة وأمن كل الدول في المنطقة، بما فيها سوريا”. لكن الابرز خلال الاتصال كانت الدعوة التي وجهها بوتين للملك سلمان الى زيارة موسكو، علما أن معلومات صحافية تحدثت في الاسابيع الماضية عن زيارة محتملة للاخير الى موسكو خلال آذار المقبل، قبل أن تنفيها وكالة الانباء السعودية.
مصادر دبلوماسية متابعة لمسار العلاقات بين الرياض وموسكو، اعتبرت عبر “المركزية” أن الموقف الذي خرج عن الطرفين يدل الى حرص على التوصل الى تسوية للنزاع السوري، لكنه لا يغطي الشرخ العمودي بين الجانبين في النظر الى الوضع في سوريا، والواقع ان الهوّة بين الدولتين تزداد عمقا مع كل ساعة يستمر فيها قصف الطيران الروسي لمناطق ريف حلب، ضاربا عرض الحائط الاتفاق الذي أرسي في ميونيخ لوقف اطلاق النار. حتى أن المواجهة بين المملكة وروسيا تكاد تتحول عسكرية، مع اطلاق الرياض مناورات عسكرية ضخمة لدول التحالف الاسلامي تحت اسم “رعد الشمال”، استعدادا لتدخّل بري محتمل في سوريا يوقف تقدّم قوات النظام شمالا على حساب فصائل المعارضة. وتابعت المصادر “الدعوة الروسية للملك سلمان تأتي أيضا بعد سلسلة خلافات وازنة بين الطرفين، تجلّت عبر محاولة موسكو نسف مؤتمر الرياض للمعارضة وعدم الاعتراف بالوفد الذي تشكل اثره وسعيها لضم معارضين من الداخل الى الوفد لتعويمه، وعبر اغتيال النظام السوري والقوى الداعمة له قائد جيش الاسلام زهران علوش المدعوم من المملكة. وعاد وظهر مجددا في اصرار الرياض على إدراج الحرس الثوري وحزب الله وحزب البعث وغيرها من التنظيمات على لائحة الارهاب التي وضعها الاردن، ما أثار حفيظة ايران وروسيا. الا أن التفاوت الابرز بين الجانبين يبقى في نظرتهما الى مصير الرئيس السوري بشار الاسد.
أمام هذا الكباش الذي قد تصح تسميته بـ”حرب باردة”، تشير المصادر الى أن التطورات في الميدان السوري سيما في حلب، اضافة الى ما ستحمله مفاوضات جنيف التي من المقرر ان تنطلق مجددا في 25 شباط الجاري، ستساهم الى حدّ كبير في تكوين الموقف السعودي من تلبية الدعوة الروسية أو عدمها. الا أن بادرة بوتين تجاه الملك سلمان، تشكل وفق المصادر، موشرا ايجابيا، يدلّ الى استعداد روسي بالجلوس الى الطاولة والبحث في سبل إنقاذ التسوية السورية، على رغم التباين في وجهات النظر على مسائل جوهرية عدة، كما أنها تدلّ الى رغبة روسية بعدم قطع الخيط الرفيع الذي لا يزال يربطها مع الدول الخليجية وأهمها السعودية، بعد أن ساءت العلاقة بينهما بفعل دعم موسكو للاسد من جهة، وتطوير روسيا علاقاتها مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، من جهة أخرى. وتعتبر الاوساط أخيرا ان اللقاء اذا تم، سيعرض للواقع في منطقة الشرق الاوسط ككل، وسيكرر خلاله العاهل السعودي دعوة موسكو الى كبح جماح حليفتها طهران سيما في لبنان وسوريا والعراق واليمن.