.jpg)
ما الأسباب التي تجعل استمرار ١٤ آذار حاجة؟
بعد إحياء ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ١٤ شباط يبدأ العد العكسي لإحياء ذكرى ثورة الأرز في ١٤ آذار. على رغم كل الخيبات ما زالت هذه الذكرى بمثابة الضوء في العتمة أو النفق. الإصرار على إحيائها يتجاوز الشكليات المتصلة بعدم إعلان وفاتها إلى جدية الحاجة لاستمرارها. لماذا؟
دخلت الحركة الاستقلالية منذ أعوام في رتابة سياسية غير معهودة، والسبب في ذلك عائد إلى مجموعة عوامل واعتبارات، ومن أهمها:
أولاً، حاجة الناس بعد أعوام من الصراع إلى إعطاء الحيز الأكبر إلى أولوياتها الحياتية على السياسية، خصوصاً في ظل غياب القدرة على حسم الصراع السياسي الدائر في لبنان منذ العام ٢٠٠٥ أقله، والدليل على ذلك تفاعل الناس مع ما يسمى بالحراك على رغم فوضويته.
ثانياً، تغليب معظم الطبقة السياسية الواقعية على المبدئية أو المزاوجة بينهما في ظل حاجة كل الأطراف إلى تغليب التهدئة على المواجهة.
ثالثاً، انتقال قوى ١٤ آذار من المساكنة بحكم الأمر الواقع مع “حزب الله” إلى المساكنة بقناعة في محاولة لتجنيب البلد المزيد من الخضات والتوترات، سيما مع استبعاد أي حل للقضية اللبنانية بمعزل عن الحلول في المنطقة، لأن “حزب الله” ليس بوارد تسليم سلاحه طوعا، وأما نزعه فغير وارد لدى أي طرف سياسي، فضلا عن استحالة نزعه بالقوة.
رابعاً، التبريد السياسي مع الخصم الأساسي الذي بدأ مع الحكومة الحالية والحواران الثنائي والجامع أدى إلى تجميد وضع ١٤ آذار التي انتقلت من ربط النزاع إلى التطبيع.
خامساً، الفراغ الناشئ عن غياب الوظيفة النضالية ضد “حزب الله” لم يستبدل بوظيفة أخرى تبقي التعبئة قائمة.
لكل هذه الأسباب وغيرها دخلت ١٤ آذار في رتابة سياسية انعكست سلباً على جمهورها، وأدت إلى تغليب مكوناتها اعتباراتها الذاتية في ظل قناعة لديها ان ضخ الدم في عروق ١٤ آذار يبقى ممكناً في أي لحظة، فيما لا حاجة اليوم إلى استنهاض من هذا النوع ينقل الصراع والتوتر إلى لبنان بعدما انتقل إلى سوريا، فضلاً عن حاجة “حزب الله” إلى الاستقرار ترييحاً لبيئته.
ولكن هذا التجميد الطوعي للحركة النضالية للاعتبارات المشار إليها لم يبدل في قناعة كل مكونات ١٤ آذار بحاجتهم الحتمية لاستمرارها للأسباب الآتية:
١ – العامل السيادي الذي شكل علة وجود ١٤ آذار لم يُنجز بعد، وبالتالي انتفاء الحاجة لاستمرار الحركة الاستقلالية قد يكون مبرراً بعد تحقيق السيادة لا قبل ذلك، وإلا يعتبر استسلاما للأمر الواقع.
٢ـ انهيار ١٤ آذار يؤدي إلى انهيار ميزان القوى الداخلي، ما يجعل تحقيق السيادة مستقبلاً عندما تتوافر الظروف الدولية والإقليمية غير ممكن، حيث يفترض إبقاء الجهوزية الداخلية قائمة لتلقف أي تسوية خارجية.
٣ـ انتفاء ١٤ آذار يؤدي إلى تحكُّم “حزب الله” بمفاصل الدولة السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية، ما يجعل مشروع “العبور إلى الدولة” في خبر كان.
٤ـ نهاية ١٤ آذار يعني انتقال الصراع من بعده الوطني بين فريقين ومشروعين، إلى بعده المذهبي والطائفي، ما يمهد لانتقال الفتنة إلى لبنان.
٥ـ انهيار ١٤ آذار يعني انهيار الأمل الذي تجدد في انتفاضة الاستقلال بأن لبنان قابل للحياة كتجربة ونموذج ودور ورسالة، وان الشعب اللبناني قادر على حكم نفسه بنفسه وتجاوز الترسيمات الطائفية نحو مشروع لبناني مشترك.
٦ـ انهيار ١٤ آذار يعني الانتقال حكماً من المشاريع الوطنية إلى المشاريع الطائفية، ما يجعل كل طائفة تبحث عن أولوياتها بمعزل عن الأخرى، الأمر الذي يقلِّص المساحات المشتركة ويضعف مشروع الدولة الذي يشكل المشترك بين كل الطوائف والأفراد.
٧ـ انهيار ١٤ يعني ان الأمل بالسيادة لن يتحقق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشراكة المسيحية-الإسلامية.
٨ ـ البعد الخارجي للصراع بين محورين لن يسمح بانهيار ١٤ آذار كونه يفسح في المجال أمام انتصار المحور الآخر، ويدخل لبنان في وصاية جديدة.
وتأسيساً على ما تقدم، الحاجة لاستمرار ١٤ آذار ما زالت من طبيعة وجودية للبنان، لأن خلاف ذلك يعني تسهيل المهمة أمام “حزب الله” من أجل ان يضع يده نهائياً على البلد، وتكون الكتلة السياسية الوحيدة القادرة على استعادة السيادة قد أعدمت نفسها، وارتكبت جريمة بحق لبنان.
وما يجدر التوقف عنده ان إنهاء ١٤ آذار طوعاً غير مطروح أساساً، ولكن الجمود التنظيمي والتباينات السياسية والتطبيع القائم شكلت مؤشرات إلى نيات قادة الحركة الاستغناء عن خدماتها، الأمر غير الوارد أساساً، إنما كل الاعتقاد كان انه بالإمكان إطفاء محركاتها في هذه المرحلة بانتظار اللحظة التي يعاد فيها إدارة تلك المحركات، لأن لا مصلحة في الشروع بمواجهات من أجل المواجهات فقط تُرهق الناس ومن دون القدرة على تحقيق أي نتائج سياسية عملية، فيما المطلوب الحفاظ على التوازنات القائمة والتي تمنع تقدم فريق على آخر.
ولكن الممارسة أظهرت ان التجميد الطوعي أدى إلى خلل في العلاقات بين مكونات الحركة الاستقلالية، ومن ثم تفاقم هذا الخلل إلى تباينات سياسية بدأت نيابية وانتقلت رئاسية ووصلت إلى حد يصعب معها إدارة تلك الخلافات، فشعر الجميع عندذاك بخطورة الوضع والحاجة إلى استدراكه وقد تزامن ذلك مع عودة الرئيس سعد الحريري وتقاطع كل المكونات عند ضرورة إعادة تفعيل ١٤ آذار ضمن حدين: الحفاظ على الستاتيكو السياسي في البلد الذي يشكل مصلحة لكل القوى السياسية، والحفاظ على جسم ١٤ آذار ضمن وحدة موقف وصف وجهوزية.
وعند هذا الحد تم تكليف منسق الأمانة العامة في قوى ١٤ آذار الدكتور فارس سعيد من أجل التحضير لوثيقة سياسية تجمع بين النقد الذاتي الذي أوصل الحركة الاستقلالية إلى انعدام التوازن، وبين الخروج بقراءة سياسية مشتركة للأحداث في المنطقة ولبنان، خصوصاً انه كان جال على كل مكونات هذا الفريق ولم يلمس أي نية لدى أي طرف بان ١٤ آذار لم تعد حاجة.
ولا شك ان اللقاء بين الدكتور سمير جعحع والرئيس سعد الحريري أزال غيمة صيف رئاسية عابرة بين الرجلين، وأعاد الحيوية إلى العلاقة بينهما، الأمر الذي يساهم في إعادة تنشيط ١٤ آذار القائمة بشكل أساسي على ثنائية “القوات” و”المستقبل” أو ما اصطلح على تسميته بال”سين-سين”، أي سعد وسمير، فيما أي تفعيل من دون الحرارة والتقاطع القواتي-المستقبلي لا يجدي نفعا.
وبعد حصر الخلافات وتنظيمها بدأ التركيز على الذكرى الحادية عشرة لانتفاضة الاستقلال في ظل توجه حاسم لإحيائها، وتجديد المشهدية الجامعة، وإعادة الدينامية إلى جسم هذه الحركة، ولكن أهمية هذه الذكرى عن سابقتها تكمن في جانبين:
الجانب الأول ان الجميع لمس مدى خطورة انهيار ١٤ آذار على وحدة البلد ومشروع الدولة وتحقيق السيادة.
الجانب الثاني ان الجميع لمس مدى خطورة إهمال هواجس أي مكون من دون التوقف عند هذه الهواجس وتبديدها سريعا بشكل عملي لا لفظي فقط.
