
وأخيراً التقيا. بعد ألف عام من الانشقاق التقى بابا الفاتيكان وبطريرك روسيا. الأول بلباسه الأبيض. والثاني بقبعته البيضاء. تعانقا. وكأنه عناق التاريخ مع المستقبل في الحاضر. عناق شرق الأرض لمغربها. عناق الحضارات والشعوب والاثنيات… كانت لحظة استحضرت التاريخ. تاريخ ألف عام من الوحدة. وألف آخر من انقسام الأخوة. كانت لحظة قوية بقوّة “العزم لبذل كل الجهود اللازمة من أجل تخطي الاختلافات التاريخية”، على ما جاء في الوثيقة التاريخية التي صدرت عن اللقاء. لحظة “رجاء لجميع أصحاب النوايا الحسنة”. لحظة أرادها الرجلان تأسيسية لمرحلة جديدة تؤدي الى الوحدة في “الابن” الذي صلى لأبيه “ليكونوا واحداً”.
جلس الرجلان وبينهما يسوع المصلوب. اجتمعا بإلهام منه. سمع كلامهما على رغم انه لا يحتاج ان يسمع. فهو يعرف ما في القلوب. في تلك اللحظة وما سبقها وما سيتبعها، كلمة واحدة على الشفاه وفي القلوب: “الوحدة”. التقيا على رجاء تحقيقها. وحدة في كنيسة الله التي أسّسها الابن ويرافقها الروح القدس. هذا هو إيمان كل مسيحي في العالم.
اللقاء هو تتويج لمسار طويل من الحوار بين الكاثوليك والأرثوذكس بعد فترة ألف عام من الانقسام. لا شك ان ما يعيشه مسيحيو الشرق الاوسط كان سبباً رئيسياً في تسريع اللقاء. ولكن التحديات المسيحية في اوروبا والعالم كانت ايضاً حاضرة في حوار رأسي الكنيستين الكاثولكية والارثوذكسية الروسية.
ما هو تاريخ الانشقاق؟ كيف تطوّر الحوار؟ وما هي الظروف والتحديات التي استوجبت اللقاء الآن؟
1054 هو التاريخ الذي يدلّ على الانقسام المسيحي الكبير. سببه المباشر الحرم المتبادل بين البابا ليون التاسع وبطريرك القسطنطينية كارولاريوس. اسباب الخلاف لاهوتية وسياسية. الاولى تعود الى سوء الترجمات اللغوية الذي تجلّى بخاصة في قضية الـ Filioque او انبثاق الروح القدس من الآب والابن. كما تعود الى الاختلاف في المفهوم اللاهوتي لسلطة رأس الكنيسة. روما قرأت في كتب مار اغوسطينوس والآباء اللاتين وركزّت على سلطة البابا كرئيس للكنيسة ونائب المسيح على الارض. بالتالي له سلطان وسلطة على باقي رؤساء الكنائس، كما على المسؤولين المدنيين في وقت لم يكن الفصل واضحًا بين السلطة الدينية والسلطة الكنيسة في أوروبا.
الكنائس في الشرق، على تنوّعها، كانت تقرأ في كتب الآباء الشرقيين. ركّزت على مفهوم المساواة بين رؤساء الكنائس مع تقدّم اسقف روما كـ “اوّل بين متساوين”. إنه مفهوم الشراكة والمجمعية في الكنيسة الذي لا تزال تؤمن به الكنائس الارثوذكسية ويحتل بطريرك القسطنطينية موقع “الأوّل بين متساوين” منذ ألف عام.
للسياسة والصراعات بين الشرق والغرب دور كبير في الانقسام. وقد تعمّق مع الحملات الصليبية وبخاصة بعد احتلال القسطنطينية في العام 1204. ولكن الرغبة في الوحدة بقيت أُمنيةً في قلب كل مسيحي.
المجمع الفاتيكاني الثاني كان محطة بارزة في مسار الوحدة الكنسية التي ترتكز إلى الارث والتقليد الذي عاشه المسيحيون خلال الألفية الأولى. دعا الفاتيكان الكنائس الارثوذكسية الى حضور المجمع الذي انطلقت اعماله في العام 1962 واختتمت في العام 1965. وتخلّى فيه عن دعوة الكنائس الارثوذكسية الى “الاتحاد بكنيسة روما”. ذاك المفهوم شكل عائقاً اساسياً في مسيرة الوحدة. وتعمّق الانقسام بعد اتحاد بعض الارثوذكس بالكنيسة الكاثوليكية وتأسيس كنائس الروم الكاثوليك ليس فقط في لبنان وسوريا، إنما ايضاً في اوكرانيا ورومانيا. وقد دفعت تلك الكنائس ثمن الانقسام المسيحي والصراع بين الشرق والغرب. لذلك يدعو بيان “لاهافانا” اليوم الارثوذكس والروم الكاثوليك الى العيش كإخوة وعدم “استخدام وسائل غير مناسبة لدفع المؤمنين الى الانتقال من كنيسة الى أخرى”.
شكّل تأليف لجنة للحوار بين الكاثوليك والأرثوذكس في العالم في العام 1979 خطوة عملية على طريق الوحدة. وقد عقدت لقاءات عدّة أبرزها في البلمند في العام 1993، إلا انها توقّفت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. نظرت الكنائس الأرثوذكسية، وبخاصة كنيسة روسيا، بريبة الى عودة الفاتيكان الى دول الاتحاد السوفياتي السابق بخاصة في أوكرانيا ورومانيا. بالنسبة الى الكنيسة الكاثوليكية، عودتها كانت تهدف لرعاية أبنائها الكاثوليك وتقديم العون لهم بعد سبعين عاماً من الشيوعية. أما الكنائس الأرثوذكسية فاعتبرته تبشيرًا في أرض مسيحية! وكانت تخشى تكرار تجربة الماضي خصوصًا وان جميع الكنائس في دول الاتحاد السوفياتي السابق كانت تعاني ظروفاً مادية وتنظيمية صعبة. وزاد من التوتر تعيين رئيس اساقفة اوكرانيا كاردينالاً ونقل مركزه الى العاصمة كيِيف والحديث عن تأسيس بطريركية للروم الكاثوليك هناك!
مع انتخاب جوزف راتزنغر على رأس الكنيسة الكاثوليكية في العام 2005 عاودت لجنة الحوار اجتماعاتها. وكان الدافع الرئيسي توسيع الاتحاد الأوروبي ليضم دولاً عدة في اوروبا الشرقية وتطوّره ككيان سياسي له دستوره ومؤسساته التنفيذية والتشريعية. رحّبت الكنيستان بـ”عملية الدمج الأوروبية”. ولكنهما حذرتا من خطر انتشار المفاهيم العلمانية المعادية للتعاليم المسيحية وقيمها وسيطرتها على أوروبا. الحوار في اللجنة ادى الى رفض مشترك للدستور الأوروبي الذي لا يشير الى الجذور المسيحية للحضارة الأوروبية، والى رفض التمييز تجاه المسيحيين. في هذا السياق أتت دعوة بيان “لاهافانا” أوروبا الى “ان تبقى وفية لجذورها المسيحية” وحذّر “من دمج لا يحترم الهويات الدينية” (في إشارة الى محاولات تركيا الدخول في الاتحاد الأوروبي)، “لكيما تحافظ أوروبا على روحها التي صاغها ألفا عام من التقليد المسيحي”.
أما الدافع الرئيسي للقاء التاريخي بين البابا فرنسيس والبطريرك كيريل فهو الواقع المسيحي المتدهور في الشرق الاوسط. ويبدو ان انتشار التطرّف الاسلامي والتنظيمات المسلّحة التكفيرية قد سرّع في انعقاده. سقوط النظام في العراق والحرب المستعرة في سوريا وتأسيس دولة خلافة اسلامية على قسم من جغرافيا البلدين وتنامي ظاهرة الهجرة المسيحية تشكّل خطراً وجودياً على الحضور المسيحي في الارض التي نشأت فيها المسيحية وانطلقت منها الى كل العالم! لذلك يدعو البيان المجتمع الدولي “الى اتخاذ اجراءات طارئة من أجل تفادي استمرار طرد المسيحيين من الشرق الأوسط.”
اهتمام الكنيستين بالوجود المسيحي في الشرق الأوسط ليس بجديد. الفاتيكان، من جهته، كرّس سينودساً خاصاً للشرق الاوسط اختتمه البابا بنديكتوس في العام 2012 بتوقيع إرشاد رسولي في لبنان بعنوان: “شركة وشهادة”. وكان قد سبقه سينودس خاص بلبنان اختتم في العام 1997. اما كنيسة موسكو فبدا اهتمامها حديثاً باوضاع مسيحيي المنطقة. وتزامن مع عودة الكرملين الى منطقة الشرق الاوسط. وهذا امر طبيعي، بخاصة وان العلاقة وطيدة جداً بين الرئيس بوتين وبطريرك روسيا. زيارات بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق السابق للروم الأرثوذكس اغناطيوس الرابع هزيم الى روسيا وحضور مندوب كنيسته الأنطاكية الأرثوذكسية المتروبوليت نيفون صيقلي في موسكو لعبا دوراً كبيراً في تشجيع الكنيسة الروسية للعب دور في دعم مسيحي الشرق الاوسط. وقد “دشّن” هذا الاهتمام علنياً بزيارة قام بها البطريرك كيريل الى كل من سوريا ولبنان في العام 2011. اعقبتها زيارة للبطريرك الماروني بشاره الراعي الى موسكو في العام 2013 بدعوة من الكنيسة الروسية. ولكن الزيارات غير المعلنة للمتروبوليت هيلاريون، مسؤول العلاقات الخارجية في كنيسة روسيا، الى سوريا ولبنان هي التي وضعت الاسس. كما ساهمت لقاءاته في الفاتيكان في تطوير الحوار بين الكاثوليك والأرثوذكس واتفاقهما على دعم مسيحيي المنطقة. فهذا الرجل الذي تخرّج من الجامعات الأوروبية يؤمن بالوحدة المسيحية وبالتقارب بين الشرق والغرب. في العام 2010 عزف الحاناً بيزنطية خلال حفل تكريم للبابا بنديكتوس السادس عشر في الفاتيكان، فكان تقارب على وقع أنغام موسيقية هدفه تحقيق الوحدة المسيحية ودعم الوجود المسيحي في الشرق الاوسط الذي يتدهور بشكل خطير على وقع اصوات صواريخ “ارغن ستالين” وغيرها من الاسلحة.
في إحدى لقاءاتهما أخبر ونستون تشرشل حليفه جوزف ستالين بأن بابا الفاتيكان قرّر مواجهة هتلر. فسأل الزعيم السوفياتي: “كم دبابة يملك بابا الفاتيكان؟”. بعد خمس سنوات سقطت النازية. وبعد خمسين عاماً سقط نظام ستالين نفسه. بيان “لاهافانا” اليوم هو إعلان مواجهة ضد من يضطهد المسيحيين. السؤال اليوم، كيف ومتى سيحقّق بابا الفاتيكان وبطريرك روسيا هدفهما “الدفاع عن المسيحيين المضطهدين” في الشرق الاوسط؟!
إطار
بعض ما جاء في البيان الذي صدر عن اللقاء التاريخي بين البابا فرنسيس والبطريرك كيريل والمتعلّق بواقع المسيحيين في الشرق الأوسط.
… نتوجه بنظرنا أولاً نحو مناطق العالم حيث يعاني المسيحيون من الاضطهاد. يُقتل أخواننا وأخواتنا في المسيح، في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أسراً أسراً وبلدات بلدات. تُدمر كنائسهم وتتعرض للنهب البربري كما وتُدنس مقدساتهم وتُدمر مبانيهم. ونشاهد، بألم شديد، هجرة المسيحيين الجماعية من العراق وسوريا وبلدان أخرى من الشرق الأوسط وهي الأرض التي انطلق منها ايماننا وحيث عاشوا منذ أيام الرسل جنباً الى جنب مع الجماعات الدينية الأخرى.
… ندعو المجتمع الدولي الى اتخاذ اجراءات طارئة من أجل تفادي استمرار طرد المسيحيين من الشرق الأوسط. وإذ نرفع الصوت من أجل الدفاع عن المسيحيين المضطهدين، نتماهى أيضاً مع آلام المؤمنين من جماعات دينية أخرى أصبحت هي أيضاً ضحية الحرب الأهلية والفوضى والعنف الإرهابي.
… وحصد العنف في سوريا والعراق آلاف الضحايا حتى الآن حارماً ملايين الناس من المأوى والموارد. ندعو المجتمع الدولي الى وضع حد للعنف والإرهاب والمساهمة، توازياً، في حوار قريب هادف الى اعادة ارساء السلم الأهلي. إن المساعدة الإنسانية الواسعة النطاق ضرورية للشعوب المتألمة واللاجئين الكثر في البلدان المجاورة. نطلب من جميع القادرين على التأثير بمصير المخطوفين، خاصةً ميتروبوليت حلب بول وجان ابراهيم، المفقودَين منذ أبريل ٢٠١٣ القيام بكل ما يلزم من أجل الافراج عنهما سريعاً.
… نرفع صلواتنا نحو المسيح، مخلص العالم، ليعود السلام “ثمرة العدالة” الى أرض الشرق الأوسط فيتعزز التعايش الأخوي بين مختلف شرائح المجتمع والكنائس والأديان الموجودة على هذه الأرض كما ونصلي من أجل عودة اللاجئين الى منازلهم وشفاء الجرحى وراحة نفس الأبرياء. ونوجه نداءً حاراً الى كل الأطراف المعنية في النزاعات لكي تبرهن عن حسن نية وتجلس على طاولة المفاوضات.