.jpg)
دلت التجارب المتعاقبة منذ العام 2005 الى أن المنازلة الكبيرة كانت ولا تزال قائمة بين منطقين اساسيين: منطق الدولة والمؤسسات والدستور ومنطق القوة المادية الخاطفة لارادة اللبنانيين في اغلبيتهم وللدولة والمؤسسات والدستور على السواء وتجلياته الابرز استمرار اختطاف رئاسة الجمهورية من قبل فريق لبناني ضاق به هامش المناورة السياسية حتى بات مكشوفاً في عدم رغبته الفعلية والعملية في اخراج لبنان من ازمة الفراغ الرئاسي ونعني “حزب الله” والقوى المنضوية تحت لواء تحالفه في “8 اذار” .
فمبدأ الفرض بالقوة تارة العنيفة وطورا المخملية – ادى ولا يزال الى وضع خصوم الحزب وفي طليعتهم قوى “14 اذار” امام الاشكالية المبدئية في الخيار بين المواجهة المفضية الى حرب اهلية جديدة او المهادنة والتطبيع المفضيين الى التفكك والانحلال ان على مستوى التحالفات المناهضة كتحالف قوى 14 اذار او على مستوى مؤسسات الدولة من خلال شل المؤسسات وتعطيل احكام الدستور .
فلبنان كان ولا يزال الى الان تحت تأثير الضغط الهائل الممارس عليه من فريق يمتلك فائضاً مادياً وسياسياً من القوة المادية والعسكرية ما يجعله بشكل او بآخر مؤثر تأثيراً سلبياً مباشراً وغير مباشر على سير الحكم والاحكام في لبنان .
ثقافة القوة بمواجهة ثقافة الحق والقانون …
ثقافة القوة بمواجهة ثقافة المؤسسات والدستور ..
ثقافة القوة بمواجهة ثقافة الانفتاح والتسامح والتعايش …
ثقافة القوة بمواجهة ثقافة السلم الاهلي والانصهار المجتمعي …
ثقافة الحق والحقوق باتت مغتصبة من ثقافة الغصب والقوة …
فجدلية العلاقة بين الحق والقوة تجد ابهى تجلياتها في معادلة “حزب الله” وسياسته الداخلية – بحيث ان نظرية “هوبز” المبنية على اعتبار ان القوة في اساس الحق ادى ولا يزال يؤدي وسوف يؤدي الى المزيد من عدم الاستقرار والامان في التركيبة اللبنانية الداخلية وفي التوازنات – وهو ما نعيشه منذ تصاعد التطرف المذهبي والاصولية الطائفية في المنطقة على وقع الصراع السني – الشيعي المستفحل – وان كنا الى الآن ننعم بحد مقبول من الاستقرار الامني – الذي وان بقي محكوماً بمعادلة اللا توازن والفراغ المؤسساتي والدستوري سوف يؤدي لا محال الى انهيار كامل وشامل لن تحمد عقباه .
فمن يقول قوة يقول تبعية كما يقول عالم الاجتماع السياسي ( فردريك ) – كون التبعية هي النتيجة الحتمية لممارسة القوة بين فريق يفوق قوة الفريق الاخر – مما يؤدي الى اتباع الخاضعين نظام افضليات القوي ويفضلون اراء ما قد يحب القوي ان يؤديه بدل ما قد يحبون هم انفسهم اداؤه.
من هنا كانت تراجعات وتنازلات قوى “14 اذار” المتتالية في السنوات الاخيرة وصولا الى الترشيحات الرئاسية بين حليف لـ “8 اذار” هو النائب ميشال عون وركن من اركان “8 اذار” وهو النائب سليمان فرنجيه .
فالقوة السياسية والمادية التي يمارسها “حزب الله” على اللبنانيين تجمع في عناصرها ما يصفه ابن خلدون في تحليله لمكامن القوة في العناصر المجتمعية مدرك للاجبار والقسر – بحيث لم يتوان ولا يتوانى “حزب الله” باستعمال العنف سواء المادي او الاعلامي او السياسي وصولاً الى تحويل واقع القهر الى اتفاق وتراض بالقوة بمجرد قدرة فريق على التسلط واستمالة تتخذ احياناً اشكال الرضوخ للامر الواقع – في فرض ارادته على الدولة واللبنانيين على السواء .
ان النموذج الذي يطرحه “حزب الله” حالياً في لبنان يختصر كل فلسفة القهر بالقوة. فالقوة لم توجد يوماً في المجتمعات البشرية الا لتنظيم شؤون تلك المجتمعات بحيث اوجد توافقاً عبر التاريخ البشري على اجتماع الكل حول الاقوى ليفوضوه سلطات سياسية بحيث يصبح الاقوى شرعاً فيتولى هو تحديد الحقوق وتكريس المكتسبات التي في ايدي الناس بصورة شرعية. ونعني بهذا الكلام الدولة صاحبة الحق الشرعي الوحيد في امتلاك القوة وسلطة القوة، فاذا بـ”حزب الله” يقدم نموذجاً مناهضاً لنموذج الدولة وقوة الدولة بحيث بات قوة موازية منافسة ومتغلبة في كثير من الاحيان على قوة الدولة مع الفارق الاساسي ان الحزب لا يحظى بموافقة المجتمع على مسك زمامه وتقرير مصيره وتسليمه سلطان القوة الشرعية.
وبالتالي مع “حزب الله” تجردت مجددا القوة من شرعيتها ومع “حزب الله” عدنا الى المربع الاول الذي تحدث عنه “روسو” في اعتبار ان القوة فعل مادي في حين الحق امر اخلاقي. فلا تجوز المواءمة بينهما ولا الدمج، وبالتالي وبحسب الاخير من اهداف الاخلاق تغليب الحق على القوة. وان كان للقوة دور فهو الدور المساند للحق – والذي يتولى الامرين معاً هو الكيان المسمى دولة ومؤسسات – والقائمة على عقد اجتماعي توافقي وانصهاري بين مختلف مكونات المجتمع السياسي والانتربولوجي .
ويبقى التحدي قائماً بين الخروج من الاختطاف القهري وبين البقاء رازحين مسلمين لامرنا لقوة من دون حق فتتحكم تلك القوة بالدولة وتحكم لبنان تبعاً لاجندات خارجية تارة بالاستمالة وطوراً بالتجبر والاستكبار.