ليست الخطوة السعودية تجاه لبنان إلا اضافة مؤلمة على حقيقة يعرفها اللبنانيون منذ العام 2000: تَحرَّرَ جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، لكن الكيان الوطني كله صار أسيراً لأجندة ممانعة إيرانية سورية لا تجد في وطن الأرز سوى ملعب لنفوذ أصحابها، وصندوق بريد لرسائلهم الاقليمية والدولية، وساحة للدلالة على تمكنهم من مجاراة الدول “الكبرى” التي تقاتل بغيرها دفاعاً عن حالها، وتخوض حروبها خارج أرضها، وتعتمد سياسة “الأذرع الطويلة” للتأكيد على بأسها وقدراتها.
ومنذ ذلك الزمن، واللبنانيون يتعايشون مع تلك الحقيقة، ومع واحدة من خلاصاتها القاسية نظرياً وعملياً: كل “مقاومة” في التاريخ تقوم على معطى نبيل يقول انها تفدي أرضها ووطنها وناسها، وتدفع الدم والأرواح في سبيل ذلك، إلاّ “مقاومة” “حزب الله”، ذهبت بعد العام ألفين الى العكس: صارت الأرض والأرواح والدماء والناس والدولة والوطن في خدمتها وفداء لها! وصار القياس الذي يعتمده الخطاب التعبوي للحزب يقوم على وضع “مصلحة المقاومة” قبل وبعد وفوق أي مصلحة أخرى، أيًّا يكن شكلها وطبيعتها وفحواها!
ذلك، الأساس الذي حكم أداء هذه المنظومة في الشأن المحلي كما في الشأن الخارجي المتصل بالنزاع مع إسرائيل، أو بالتماهي (التام بالمناسبة) مع نزاعات وسياسات وأهداف سقفها الاقليمي المزدوج الإيراني الأسدي بداية.. ثم الإيراني تحديداً. وهذه، كما هو معروف، امتدت إقليمياً ودولياً وتضمنت ما تضمنته في السياسة والاقتصاد والأمن والإرهاب!
لم يكن غريباً بعد ذلك أن تتفرع عن ذلك الأساس، متفرقات مدمّرة. كأن ينخرط “حزب الله” في “مهمات” خارجية تمتد على مساحة تصل أميركا الجنوبية بجنوب شرق آسيا، والبحرين بالعراق واليمن بسوريا.. وأن تصل مستويات التزامه بالمصلحة الايرانية، الى حدّ تبنّيها تماماً ومن دون سؤال، أو حرَج، بل من دون التوقف عند مفارقة تقول ان “بعض” السلطة الايرانية لا يجاريه في عمق ذلك الالتزام!
و”قصته” مع المملكة العربية السعودية خصوصاً ومع دول الخليج العربي عموماً ليست سوى تكثيف لذلك المعطى: فتح باب العداوة معها لاعتبارات إيرانية محضة. وذهب في الغلو الى حدود الافتعال والانفعال. وحوّل الوظيفة المفترضة لـِ “مقاومته” بالدفاع عن لبنان، الى الدفاع عن سياسات إيران وأهدافها وطموحاتها.. وصولاً الى النقر على المعطى المذهبي بطريقة سافرة وعن سابق دراية تأكيداً لالتزامه الأثير بما قررته قيادتها في سبيل ترسيخ كونها “دولة محورية” قادرة على ملء شيء من الفراغ الذي أحدثه سقوط الاتحاد السوفياتي!
.. والغريب انه استساغ الغرابة والشطط وسوء الحساب. بدءاً من تحويل نفسه الى “قوة احتلال” في سوريا وضد أكثرية شعبها، وهو الذي يدّعي مقاومة الظلم والظالمين، وصولاً الى دخوله في أجندة فتنوية من خلال الافتراء على السعودية وقيادتها وشعبها، وهو الذي يدّعي وصلاً بـ”الأمة” ووحدتها ومصالحها العليا!