
“الجَمل بمطرح، والجمّال بمطرح والحمل بمطرح”، هذا المثل خير تعبير عن واقع حكومة الرئيس تمام سلام منذ أن ابصرت النور. فلـ “حزب الله” غاية من المشاركة ولبعض افرقاء “14 آذار” غاية، فيما جوهر الازمة اللبنانية بعيد كل البعد عن طبيعة هذه الحكومة وهنا يكمن قرار “القوات اللبنانية” الحكيم بعدما الانضمام اليها.
أي خطوة يقدم عليها “حزب الله” ميزانها مدى خدمتها للمشروع العابر لحدود الوطن المنضوي فيه. وهو متحرر دائماً من اي عهود يقطعها متى تضاربت مع هذا المشروع او متى كانت مكاسبه بالتراجع عن التزاماته أكبر من الاستمرار بها. وهذا ما جرى على سبيل المثال يوم إنقلب على تسوية الدوحة وأطاح بحكومة الرئيس سعد الحريري فيما كان الاخير ضيفاً على سيد البيت البيض، أو حين تبرأ من “إعلان بعبدا” الذي صدر عن طاولة الحوار التي كان شريكاً أساسياً بها. ولا خجل لدى “الحزب” أن يطيح بالحكومة متى لم تعد توفر له غطاء بشكل أو بآخر لقتاله في سوريا أو لحراكه المنتهك لسيادة دول عربية شقيقة عدة والمستغل لمجتمعات دولية كثيرة من أجل تسهيل عمل خلاياه الاستخبارية والامنية وسككه المالية وما لف لفيفها.
أما بعض أفرقاء “14 آذار” الذين انضموا الى الحكومة فأدرجوا مشاركتهم في إطار تسيير أمور الناس وملء الفراغ بإنتظار إنقشاع الرؤية الاقليمية وتداعياتها المحلية. فيما جوهر الازمة اللبنانية بعيد كل البعد عن طبيعة هذه الحكومة، فالاساس ان نحدد الهدف إما بالعبور الى دولة المؤسسات والقانون، وإما الاستمرار بتعبئة الوقت بالمزيد من تفريغ لبنان من مقومات الدولة عبر إستنساخ حكومة شبيهة بسابقاتها أقصى طموحها “تقاسم السلة”.
وهذا ما دفع “القوات” الى عدم دخول الحكومة الاخيرة، ليس هرباً من المسؤولية بل إنطلاقاً من مسؤوليتها تجاه شعبها والوطن. فأي تشكيل حكومة يبنى على باطل هو باطل، وأي حكومة لا رؤية واضحة لها ولا مشروع محدد المعالم لا يمكن ان تكون إلا سوق عكاظ، اهم إنتاجاتها تقاسم التعيينات إن نضجت الصفقات. وممارسة الحكومة و”إنجازاتها” المخزية أكدت صوابية طرح “القوات”.
إنها حكومة “تقاذف النفايات” في فضيحة لم يعرفها لبنان يوماً، إنها حكومة التخبّط في إتخذا المواقف والقرارات، حكومة هجينة أوصلت لبنان الى أزمة مع المملكة العربية السعودية وكل الاشقاء العرب وحرمته بتصرفاتها من الهبات، حكومة لم تجرؤ حتى الساعة على مقاربة فضيحة المحكمة العسكرية في خلية “سماحة – المملوك” الارهبية، حكومة تغمض عينيها عن متفجرات الموت والادلة الدامغة والاعترافات الواضحة، وترفض مقاربة الملف القضائي في لبنان لتطهيره من رواسب زمن الاحتلال السوري.
قد يكون وزير العدل أشرف ريفي، من الوزراء القلائل المدرك لهذه الحقيقة والرافض لتجميلها وخلق الاعذار، وهو الذي يملك من الجرأة والشفافية ما دفعه الى التحفظ على بيانها الوزاري يوماً، والى الاستقلالة حين تخطت في دركها كل حدود.
إنها ساعة الحسم أمام حكومة سلام، فإما أن تنتفض على مكبلها وتستفيق من موتها السريري (ومسارها لا يبشر بذلك)، وإما أن تستقيل فأشرف لها أن تموت الى غير رجعة وعسى أن يكون موتها بسلام.