
تتولى اليوم مسؤولية جهاز “تفعيل دور المرأة في المجتمع” في “القوات اللبنانية”، قبل أعوام كانت تلك الطالبة في كلية الحقوق في جامعة الروح القدس- الكسليك التي انتسبت الى جهاز المحامين في “القوات اللبنانية” لأن العمل السياسي الطالبي ممنوع في جامعتها وهي ابنة المحامي المقاوم في “القوات” سمير الزغريني. كان من البديهي أن تكون “بنت بيّها” في المقاومة والالتزام بالقضية. عندما تخرّجت في العام 1997 بدأت العمل في مكتب والدها وتوكلت عن الدكتور جعجع لتنضم الى لائحة الشرف التي ضمّت المحامين الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن “القوات” وقائدها بشجاعة عندما ندرت في زمن الاضطهاد والإذلال والوصاية. تتذكر مايا الزغريني صفير فصولًا من تلك الحقبة وتروي.
” كان البابا ينام بتيابو أول ما اعتقلو الحكيم، حتى إذا إجو ياخدو يكون حاضر”. تتذكر أحداث تلك الأيام وتضحك “في ليلة صارت معنا حادثة متل النكتة، دق الباب شي الساعة 2 بعد نص ليل، كان الحكيم صرلو موقوف شي 20 يوم، قلنا نحنا خلص إجو ياخدو البابا. مين بدو يفتح الباب؟ ما حدا كان يقرّب، ساعتها قال البابا أنا رح إفتح زيحو من دربي. ونحنا عم نصرخ ما تفتح، طلع صاحبو ع الباب واصل من السفر!! صارت القصة بتضحك اليوم، لكن الفترة بين قرار فتح الباب أو عدم فتحه كانت دهر من الرعب خصوصاً أنو كنا بعدنا صغار أنا وأختي”.
من حظ الأستاذة مايا أنها ومع تخرّجها محامية صدف أنها كانت المرحلة التي سُمح فيها توكيل محامين جدد للمداورة في زيارات الدكتور جعجع الأسبوعية الى السجن، “كنا لائحة من نحو 15 محامياً جُدداً، توكلنا عن الحكيم بهدف زيارته مع الأستاذ إيلي لحود المحامي المعتمد دائماً، ومتابعة ما يُطلب منا من مهام قانونية. كنا في الأساس نتابع في العدليات قضايا الشباب الذين يتم توقيفهم كل مرة، وبالتنسيق مع ستريدا بالطبع. والأحلى أننا كنا نكون بدل المحامي 10 محامين للدفاع عن الشباب، نتجمهر أمام أبواب العدلية أو المحكمة العسكرية للدفاع عن رفاقنا في المقاومة.

قد يفترض البعض أن هذه الفرصة أعطيت للقائد المعتقل كي يرى وجوهاً جديدة، وأن السجّان قد قرّر فتح كوة أوكسيجين للحكيم كي يتنفس عبر لقاء المحامين الجدد، إلا أن الحقيقة في مكان آخر تقول الأستاذة مايا، “وربما أرادوا أيضاً أن يشتتوا الحكيم عبر اللقاء كل يوم بمحام جديد يصعب عليه أن يفهم ما يريده الدكتور جعجع بلغة العيون التي برع محاموه وزوّاره الأصليون في التفاهم معه من خلالها ووضعه في صورة الأحداث كافة ووصله مع العالم الخارجي على رغم القرار بعزله عن محيطه وإثبات نظرية أن الحكيم قد انتهى في السجن”!ّ.
في الأساس عندما طلبنا أذونات لزيارته بصفتنا محامين رفضوا طلبنا بحجة الحرص على أمنه، لذا فوجئنا بالموافقة لاحقاً، لكننا حرصنا على استغلال الفرصة بأفضل ما يكون وقطع الطريق على السجّان لتحقيق مأربه.
وفي اليوم الذي قيل لي أنني سأزور الحكيم شعرت كما تشعر العروس يوم زفافها، كانت فرحة لا توصف. رافقت الأستاذ ايلي لحود الى وزارة الدفاع وفي يدي كتاب هدية للقائد كان هو طلبه سابقاً. نزلنا على السلالم، طابق، اثنين، ثلاثة ولم تكن لتنتهي تلك النزلة الى أن وصلنا الى قاعة فيها عازل زجاجي ومقاعد انتظرنا عليها الى أن يحضروا الحكيم. انتظرنا نحو 25 دقيقة أحسست أنها دهر يمر ببطء شديد، كان قلبي يدقّ كأنني طفل ينتظر لقاء أمه بعد فراق طويل. وعندما رأى الأستاذ إيلي لحود حالتي ويداي ترتجفان قال لي “أوعا هلأ بس تشوفي الحكيم تصيري تهمهمي عليه”!.
عندما أدخلوا الدكتور جعجع الى الناحية الأخرى من الزجاج الفاصل في القاعة كان يرتدي “تي شيرت” بيضاء اللون وتذكر مايا أنه سألها “أنت مايا؟ … ليش خايفة”؟ فردت “مش خايفة حكيم بس مأثرة ومشتاقتلك”، وكان جوابه “وأنا مشتقلكن كلكن. خبريني شو في برا”؟ تتابع مايا “شوفي برا حكيم؟ أحسنلك جوا من يللي برا”، لكن جوابه كان دليل على قسوة “جوا، لا صعبة. صعبة كتير”. وعاد واستفسر منها عن الشباب المحامين وعن أحوال منطقة المتن وعن الطلاب وسلمان سماحة… وتضيف الأستاذة صفير: “أكثر ما أذكره من الزيارة أنني خرجت بعدما قلت له” حكيم عن جد ضاهرة من عندك مليانة معنويات للشباب من بعد ما فتت خايفة” فكان رده حازماً “ما تعتلي همّ سلمي عالشباب وقوليلن ما يعتلوا همّي أنا كتير منيح ورح يجي نهار وإضهر فيه، بعد في وقت، بس رح نضهر آخر شي منتصرين”! فقلت له “أكيد حكيم ونحنا ناطرينك”. لم تستغرق الزيارة أكثر من 10 دقائق وعندما عدنا نقلت رسالة الحكيم الى الشباب. أنا أعترف أنه كان أقوى منا، كنا نحن خائفين ومحبطين وهو بشهادة كل الذين زاروه أنهم خرجوا من مواجهته في السجن أقوى بفضله”.

مع العمل على إقرار العفو عن الدكتور جعجع بدأت مايا مرحلة جديدة في إطار جهاز المحامين في “القوات”، مرحلة تحمل أكبر من بصيص أمل، و”تحقق الحلم بعد انتظار 11 عاماً و4 أشهر، خضنا خلالها معارك في انتخابات نقابة المحامين لصالح الدكتور إدمون نعيم ومن بعده لصالح الأستاذ بيار حنا. ومذاك بدأ جهاز المحامين يكرّس نفسه قوة حقيقية داخل النقابة. قبلها لم نكن نترّشح ولا نشارك في الانتخابات حتى. لم يكن لدينا أدنى تنظيم لصفوفنا. بعد 7 آب بدأنا العمل كمحامين “قوات” عالمكشوف، يومها نلنا نصيبنا من ضرب القوى الأمنية وعصّيها التي انهمرت علينا من دون أن تفرّق بين محامٍ وطالب أو إمرأة… يومها كنا نحن والعونيين في صفّ واحد. كنا أمام العدلية عندما بدأ الهرج والمرج والتوقيفات، في تلك اللحظة انسحبنا ليبقى منا من يمكنه الدفاع عن الشباب، وكان بين المحامين النائب زياد أسود. أذكر كم تعِب الأساتذة أنطون الهاشم وألبير يمين وريتا ملّاط في متابعة الشباب الموقوفين، ولا أنسى الأستاذ الياس عيد أيضاً وكم عانوا جميعاً بين أروقة العدليات والمحكمة العسكرية! أنا أشهد لهم على جهودهم تلك خصوصاً وأن المرافعة أمام المحكمة العسكرية ليست بالأمر السهل أبداً”.

بعد كل تلك الجلجلة تضيف مايا “بات قطاعنا من صلب تجمّع محامي 14 آذار، ومن دوننا لا يمكن أن يُتخذ أي قرار. وبتنا النواة الصلبة مع 400 محام “قواتي” كلمتهم وقرارهم واحد”. الكلمة والقرار الواحد للمحامين بإشراف الدكتور سمير جعجع كما طيلة المحنة وأيام الاضطهاد والمحاكمات… لكن هذه المرة من خارج الزنزانة، من قلب السجن الكبير!
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.