
إن أخطرَ ما يمكنُ أن يتعرَّضَ له لبنان هو الدخولُ في لعبةِ المحاورِ الإقليمية، ذلك أن تركيبتَه الطائفية لا تسمحُ له بمعاداةِ أو تأييدِ محورٍ إقليميّ على حسابِ آخر، تحتَ طائلة تفجيرِ التعايشِ الهشِّ أصلاً والقائم على التكاذب والتهادن بدلَ التصارح والتضامن. فكلما انحازَ لبنانُ الى محورٍ خارجي دفعَ من استقراره ثمنَ انحيازه.
اليوم وفي خضمّ ما تشهدُه المنطقة من تحوُّلاتٍ تُرسم بالدم، على الأفرقاءِ جميعاً أن يَـتَّعِظوا من أمثولاتِ الماضي، لأن كلَّ ربحٍ يَجنيهِ أيُّ فريقٍ هو خسارةٌ إن نحن هبَّتْ علينا نار الفتنة.
في لبنان لا أحدَ يربحُ على أحد، لا بالضربة القاضية ولا بالنقاط. عندنا لا أحدَ يحكم منفرداً لا بالسلاح ولا بقضم مواقع الدولة، لا بالترهيب ولا بالترغيب، ولا بالاستقواء بالخارج ومالِهِ وسلاحِه. في لبنان لا يكونُ الحكمُ الا تشاركياً، ولا ضرورةَ تُجبِرُنا على تجربةِ المُجرَّب كي نؤَكِّدَ المُؤَكَّد.
وإن لم تتعظ الرؤوسُ الحامية ولم تعُد الى حجمِها الطبيعيّ ولم تتخلَّ عن أهدافِها الإقليمية ولم تُــفرج عن اللعبةِ الديموقراطية، فإن البلادَ مقبلةٌ على خطرٍ شديد.
يقفُ لبنانَ اليوم على مفترقٍ خطير وإن لم يَجِد الطريقَ المؤدي الى الحيادِ عن المحاورِ الإقليمية قد يكلِّفُهُ الأمرُ سلامَهُ ووحدتَهُ، فالانحيازُ لدولةٍ خارجية إرضاءً لشهوةِ الحُكمِ لدى بعضِهم كما الالتحاقُ بسياسةِ قوَّةٍ إقليمية تحقيقاً لغاياتِها على حسابِ شعوبِ المنطقة لدى بعضٍ آخر أفعالٌ تَدفَعُ بلبنان الى نارِ الفِتنةِ والفُرقَة.