#adsense

نحن والقضية ــ لبنان مارون: بتذكر كيف استشهدت

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1547

إسمه لبنان مارون. لكن حتى تراب لبنان وتحديداً قريته كفرسلوان اشتاقا لدعساته وحكايات البطولة التي سطرها بدمه بعدما غادر ارض الوطن إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 1989. لكنه لم يستسلم. فاستمر في النضال والمقاومة  يقيناً منه ان قضية الشهداء لا تعيش في مكان وزمان موحدين.

قصة لبنان… قصة. هي ليست بشهادة ولا بحكاية “كنا هناك” وربما تكون كل ذلك. لكن ان يحكي مقاوم في صفوف “القوات اللبنانية” عن سيرة نضال كادت ان تتوقف في لحظة ما بسبب استشهاده، ليكتشف الأطباء لاحقاً أن في هذا الجسم الذي كان موضوعاً في صندوق سيارة مع رفيقين له سقطا شهيدين في معركة الجبل ليس شهيداً ولا يزال ينبض بالحياة… هنا يصبح هامش المكان والزمان اكبر من “كنا هناك”.

بصعوبة يتكلم. وحسناً انه عاد يتكلم ويتذكر الكلمات والمحطات وهو الذي لا يزال يعيش مع شظية في الدماغ وثانية في نقي العظام في العمود الفقري. وليس هذا وحسب. فهو بالكاد ينقل قدمه اليمنى وبالكاد يستطيع ان يمسك مطلق أي شيء في اليد اليمنى. مع ذلك أصر ان يكمل حياته التي بدأها من وراء المتراس بحرب على الإستسلام والخضوع للقدر الملعون. كيف لا وشفيعه مار شربل الذي يصلي ويرتل في الكنيسة التي شيدت على إسمه في نيوجرسي من دون ان ينسى كلمة أو يتأتئ.

لبنان مارون من نيوجرسي يروي ولو بتقطع قصة من تاريخ المقاومة اللبنانية.

كنا فكرنا ان التواصل مع لبنان مارون الذي يعيش في مقاطعة نيوجرسي في الولايات المتحدة سهل بفضل تطور وسائل التواصل الاجتماعي وكونه يعمل في وظيفة حرة وغير ملزم بتوقيت محدد. لكن مع اول “صباح الخير” سقطت كل النظريات. “انا هلق عم سوق سيارة التاكسي. بدي وقف على جنب تا إحكيكن” او بس ارجع عالبيت تا اتغدى ع الساعة 12 لأني صايم”. بهذه البساطة وهذا الإيمان يعيش لبنان مارون متأقلماً مع ظروف حياته، وكأن شبح الموت لم يعبر جسمه ودماغه ذات صباح في العام 1983.

نبدأ من المكان الذي أبصرت فيه عيناه النور على هذا العالم: “الأصل من كفرسلوان بس مواليد  جل الديب بقنايا لأنو إمي من بصاليم وساقبت إنو خلقت انا وإخوتي وإخواتي الستة ببقنايا”. كان ذلك في العام 1957 وتحديداً في ليلة عيد الميلاد. لكن خطأ ما حصل مع المختار آنذاك فسجل تاريخ ميلاد لبنان في 1-7- 1957. لماذا اطلق عليه إسم لبنان؟ “ما بعرف بس إذا بدي فكر فيا بقول إنو بيي (الله يرحمو) كان كتير يحب لبنان”.

لا يتذكر لبنان من قريته كفرسلوان إلا القليل خصوصاً أن زياراته كانت تقتصر على عطلات نهاية الأسبوع وأيام الأعياد. ومع اندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975 بات من المستحيل الوصول إلى القرية بعدما انخرط لبنان ووالده وشقيقه البكر في حزب “الكتائب” وحملوا البندقية دفاعاً عن الوجود، فتمت مصادرة البيت ولم تسترد العائلة مفتاحه إلا بعد 40 عاماً. ومن بلدة بقنايا في جل الديب بدأت مسيرة لبنان المولود الرابع بين أشقائه الثلاثة وأخواته الثلاث مع المقاومة والنضال. فمنزله كان يطل على حارة الغوارنة وكان يراقب مع والده وإخوته حركة مرور جحافل المرتزقة والقوات المسلحة التي كانت تقضم معها البشر والحجر بهدف احتلال الأرض وتغيير وجه لبنان. هي النزعة نفسها والمخطط القائم منذ اكثر من أربعة عقود؟ صحيح.

يومها يروي لبنان بكلام متقطع وصعوبة شبه مستحيلة في استعمال بعض الكلمات والحروف أن السلاح الوحيد الذي كان يملكه والده هو بندقية “المعدلة”. فحملها وخاض مع الرفاق معارك قبل ان يؤسسوا ما عرف بـ”تجمع جل الديب – بقنايا”. “كنا ننزل عالشارع ببارودة واحدة وكم طلقة رصاص ونصد هجومات. وما بنسى أول شهيد سقط قدامي. كان من صفوف “الأحرار”. بس ما بقا إتذكر إسمو”. وليس الإسم الوحيد او الواقعة اليتيمة التي ينسى لبنان تفاصيلها. فذاكرته التي نهشت الشظية القابعة في دماغه الكثير منها تدفعه أحياناً إلى الإستعانة بزوجته او والدته لتذكر حدث ما او حتى تاريخ ميلاد أحد أولاده الثلاثة.

من حارة الغوارنة إلى حي الزعيتيرية وصولاً إلى الكرنتينا. جبهات خاض على ارضها لبنان معارك ضارية ضد المسلحين الفلسطينيين والمرتزقة الذي كانوا انضموا إلى صفوف المسلحين وكان يرافقه شقيقه الأكبر ناصيف. إلى أن اندلعت حرب المئة يوم فكانت اول معركة يخوضها في صفوف “القوات اللبنانية” ضد جيش الاحتلال السوري. “كانت مهمتي في منطقة سن الفيل وتحديدا في شارع مار الياس. كانت المعركة قوية والراجمات كانت عم تنزل علينا متل الشتي. أذكر انه استشهد 3 رفاقلنا  كانوا في آلية عسكرية في شارع الغزال في سن الفيل. لكننا لم نهادن. 28 يوماً على نفس الوتيرة إلى أن بدأنا نشعر بالتعب خصوصاً اننا كنا نسرق ساعات النوم بعد عودتنا إلى القسم في جل الديب لنعود صباحاً إلى الجبهة. لكن مع الوقت بدأ التعب ينهش اعصابنا. فتكلمنا مع المسؤولين في القيادة عبر الأجهزة ووضعناهم في صورة الوضع الميداني فطلبوا منا التوجه إلى مركز إقليم الكتائب في الجديدة ومن بعده إلى جل الديب”.

جولات لبنان على الجبهات لم تخلُ من “كذا قطوع”. ويروي: “مرة كنت على جبهة صنين بـ عين الرمانة مع مجموعة من الشباب، فجأة بتسقط قذيفة حدنا على بعد 5 أمتار بتصيب عمود الكهربا وبيوقع علينا. بس الحمدالله  إنو الإصابات كانت طفيفة. نفضنا عنا الغبار وتعالجنا وكملنا المعركة”.

في العام 1981 قرر شباب تجمع جل الديب – بقنايا الإلتحاق بصفوف “القوات اللبنانية”. كان ذلك على اثر حرب زحلة. ويروي لبنان: “أذكر أننا كنا مفصولين على حاجز الدوار عندما وصل عدد من عناصر “القوات” الذين كانوا يقاتلون على جبهة زحلة. كان المشهد مؤثراً. وعندما عدت إلى مركز جل الديب تحدثت مع عدد من الرفاق وكان القرار الجماعي بالإلتحاق بعديد “القوات اللبنانية”. بعد أيام توجهت إلى مقر الأمن العسكري الذي كان معروفاً بـ”الأوبرلي” وعبأت طلب الإنتساب .

في العام 1983 صدرت الأوامر بضرورة التوجه إلى الدامور ومنها إلى المشرف فـ بحمدون لمساندة الشباب في معارك الجبل. وفي المشرف التقيت بشباب كنت تعرفت إليهم في الأوبرلي ومن بينهم إبراهيم أبو حيدر وجورج الحجل فسألوني عن طبيعة المهمة وعندما اخبرتهم انني في صدد التوجه إلى بحمدون طلبوا مني البقاء في المشرف لأنهم في حاجة إلي. فقلت لهم أن معي مجموعة من الشباب ولن اتركهم يصعدون وحدهم إلى بحمدون. إما ان نذهب معاً او يبقون هنا. فطلبوا مني إبلاغهم بأمر البقاء معنا. في هذا الوقت كان شقيقي غطاس (التحق بالرهبنة اللبنانية المارونية ورقي إلى رتبة مونسنيور ومعروف حالياً باسم المونسنيور شربل مارون) قرر السفر إلى الولايات المتحدة حيث كانت تعيش شقيقتي الكبرى مع زوجها الأميركي الجنسية واللبناني الجذور وأولادها وأخذت على عاتقي مهام إرساله إلى مرفأ الجية وعدت إلى المشرف لكنني نسيت يومها بطاقة الهوية في البيت. فأخذت إحدى البطاقات الخاصة بشقيقي غطاس وتوجهت الى المشرف على أساس ان نكمل طريقنا إلى كفرمتى فجراً. لكن كثافة القصف وحدة المعركة فوق حالت دون وصولنا إلى هناك فعدنا ادراجنا إلى المشرف.

تاريخ الإصابة ما عاد يتذكره لبنان. “صدقيني ما بذكر إلا السنة وبعدها شو عاد صار معي؟… أساساً كان في صعوبة عندي إرجع أتذكر كتير من التفاصيل”. ماذا جرى في ذاك اليوم وكيف عاد لبنان إلى الحياة؟

“كنا نحو 8 عناصر خارج الثكنة في المشرف عندما بدأت تنهمر قذائف الـ 130 في محيطها. طلبت من العناصر الدخول والإحتماء من القصف وبقيت مع رفيق لي في الخارج. وبعد أقل من عشر دقائق سقطت قذيفة من نوع 130 على بعد مترين ونصف. أصيب رفيقي أما أنا فاستشهدت. أو هكذا فكروا”. الأخبار التي تناقلها الرفاق حول إصابة لبنان كانت متضاربة. ثمة من روى بأن لبنان وُضع في البراد مع جثث الشهداء الذين نقلوا من ثكنة المشرف إلى مستشفى حمود في صيدا. ومنهم من روى بأنه فيما كان أحد المسعفين ينظف “جثة” لبنان من الدماء شعر بنبض في معصمه. فصرخ “بعدو عايش. بعدو عايش”. أما لبنان فلم يتعرف إلى الحقيقة إلا بعد شهر عندما  استفاق من غيبوبته.. لكن الرواية التي صدقها او أراد ان يصدقها هي التي سمعها من احد الرفاق الذين زاروه بعد 5 أشهر. اليوم يرويها لبنان لـ”المسيرة” بعدما خبأها في الجزء الأبيض من دماغه.

“عندما أصبت ورفيقي ركض الشباب إلى خارج الثكنة وصرخوا لبنان راح. أما رفيقي فكانت إصابته طفيفة وتم نقلي إلى مستشفى حمود في صيدا. هناك أبلغهم الأطباء أنه لا يمكن ان يفعلوا شيئاً. فإصابتي خطيرة جداً. وضعوني في صندوق سيارة من نوع مرسيدس مع إثنين من الرفاق كانا في عداد الشهداء أحدهم من آل بعينو وكان مقرراً ان يتوجهوا بنا إلى المجلس الحربي لتسليم الجثث إلى الأهالي. لكن الشهيد بعينو كان يتيماً ولديه شقيقة تعمل في مستشفى سان لويس في جونيه فاستقر الرأي على ان يتم تسليم جثته لأخته ونقلنا لاحقاً إلى المجلس الحربي. عند وصولنا إلى المستشفى وأثناء نقل جثة آل بعينو والرفيق الآخر لاحظ المسعف ان هناك نبضاً في يدي فصرخ بعدو عايش بعدو عايش. فنقلوني فوراً إلى غرفة العمليات حيث خضعت لعمليات عدة وأدخلت غرفة العناية الفائقة.

بعد 30 يوماً فتح لبنان عينيه. لكن الحياة الجديدة التي كتبت له كانت مريرة جداً. من اللحظة الأولى اكتشف أنه عاجز عن تحريك يده وقدمه اليمنى التي أصيبت أيضاً بحروق من الدرجة الأولى. يده اليسرى كانت مغطاة بالضمادات بسبب إصابتها بشظية في الكف والزند الأعلى. أما الشظية في الرأس فلم يتم سحبها وأظهرت الصور الشعاعية انها مستقرة في منتصف الدماغ فتحول لون النصف الأول منه إلى الأسود والنصف الثاني لا يزال أبيض. وكذلك بالنسبة إلى الشظية التي اخترقت نقي العظام في العمود الفقري ولا تزال مستقرة فيه وتسبب له ألماً مبرحاً من وقت إلى آخر خصوصاً عندما تتحرك. أما الحنك الذي اخترقته شظية واستقر الجزء الأكبر منها خارج الفم فلم يتمكن الأطباء من إخراجها  بسبب إصابة لبنان بالشلل النصفي وعدم قدرته على فتح فمه لساعات طويلة أثناء العملية، فاضطر الأطباء إلى فتح ثغرة في العنق للتنفس. وبعد 3 أشهر أدخل لبنان من جديد إلى غرفة العمليات لإجراء العملية في الحنك فتم سحب الشظية منه وفتح ثغرة في المصران لوصل النربيج الذي كان يتناول منه الطعام بواسطة حقنة كبيرة بسبب إقفال فمه مدة 6 أشهر إلى حين التئام الجرح.

وجع الجراح والإصابة لا يزال ينخر في عظام لبنان. صحيح انه بين جملة وأخرى يكرر عبارة الشكر ليسوع وأمه العذراء ومار شربل ومار تقلا الذين أعادوه بشفاعتهم إلى أحضان الحياة وذراعي والدته التي أمضت سنة كاملة معه في المستشفى من دون ان تتركه إلا ليلة واحدة. وصحيح انها (أمه) حولت غرفة المستشفى إلى كوخ ينبض بالحياة مع ابنها وكانت في كل مرة تمسك بيده لتعلمه على المشي من جديد بعدما سمح له الأطباء بذلك، وفي كل مرة كانت تقول له “إنت قادر ترجع تمشي مار شربل ما بيتركك قوم وجرب”. وصحيح أيضاً انه تعايش مع فكرة سحب الشظايا اليومية من وجهه وجسمه ومع الشظيتين اللتين استقرتا في الدماغ والعمود الفقري، وصحيح انه انهار اكثر من مرة واحياناً كان يحول الوجع إلى نكتة ويقول لزواره: “راسي بلا عظام” إلا أنه لم يتوقع ان يخرج ذات يوم من المستشفى ويتزوج وينجب أولاداً ويعود إلى “القوات” ومن دون تردد.

قبل إجراء العملية في الحنك وبعدها كانت عملية التواصل بين لبنان ووالدته وزواره تتم عبر الكتابة له على لوح خشبي. فكان يجيب بالإيماء او بواسطة عينيه ورأسه. وبعد 5 أشهر فقط بدأ يستعيد جزءا من ذاكرته. واليوم يستعيد ما تبقى منها “أحياناً انا وعم بتحمم كان يطلع من جسمي شظايا صغيرة”.

بعد عام خرج لبنان من المستشفى. يومها بكى كثيراً ربما لأنه سيشتاق إلى ملائكة الرحمة الذين حضنوه وساعدوه على استعادة أسلوب حياته، وربما لأنه كان يخشى من المجهول خصوصاً انه عاجز عن القيام بأي حركة من دون مساعدة أحد ما. وهذا الشخص سيكون أمه “اللي تعذبت معي كتير كتير وبعدا لليوم ما بتتركني”. وعلى رغم المساندة المعنوية التي قدمها له رفاق النضال إلا انه كان يشعر أحياناً بالعجز خصوصاً عندما وصل إلى بيته في بقنايا – جل الديب: “كنت خايف صير وحيد ومهمل بين اربع حيطان بس قررت واجه كل شي”. ذات يوم قالت له والدته: “قوم كزدر بكرا بتموت بحسرتك بين أربع حيطان” حمل لبنان النربيج الموصول إلى  مصرانه وقدمه المشلولة ويده التي صار بالكاد يحركها ونزل إلى الشارع. كان يرى الخوف في عيون الأطفال والدهشة والشفقة أحياناً في عيون الكبار والمسنين لكن “كان آخر همي، إمي وصلواتا كانوا يرافقوني”. لكن أطول كزدورة كانت تستغرق الساعتين او الثلاثة ويعود إلى البيت طالباً من أمه ان تحقنه بالطعام “تصوري أوقات كنت إشتهي أكلة معينة خصوصاً الكوكتيل وكانت تلبيلي طلبي”.

بعد فك الضمادات عن فمه والتئام الجرح  تحرر لبنان من النربيج لكنه اكتشف انه عاجز حتى عن الكلام. “كنت إسمع حالي عم بصرخ “آه” وفكر انو عم بحكي بس بالواقع ما كان يطلع من حنجرتي إلا صرخات. صرت أتذكر بعض الكلمات. وصاروا يعلموني الحكي عن جديد والحمدالله رجعت إحكي بس بتأتىء”.

عامان أمضاهما لبنان بين المستشفى والعلاج والنقاهة. وعندما تأكد أنه صار قادراً على تحمل مسؤولياته قرر ان يعود إلى الثكنات، إلى حياة العسكر ويناضل من حيث ولد من جديد. توجه إلى مبنى الأمن العسكري وخدم فيه. وفي مرات عدة كان يرافق الشباب إلى الثكنات للخدمة على الحواجز. نسأل عن كيفية تواصله مع الآخرين؟ يضحك ويجيب بنكتة استحضرتها ذاكرته: “مرة كنت بمبنى الأوبرلي وطالع بالأسنسور مع نزيه المير (رحمه الله) وغسان توما وغسان منسى واسكندر سابا وكان نزيه يحب التنكيت. قللي بدنا نغيرلك وظيفتك ونعينك مسؤول عن الأجهزة والتنصت. قلتللو انا وعم قطش بالحكي: لتوصلكن الإخبارية بتكون المعركة خلصت”. ويوم توفي نزيه جاء لبنان من أميركا للمشاركة في مراسم تشييعه “كان أكتر من خي بالنسبة إلي. الله يرحمو”.

في العام 1989 قرر لبنان السفر مع عائلته إلى الولايات المتحدة وسكن عند شقيقه ناصيف قبل ان يعمل في مجال البناء أولاً ولاحقاً في ثكنة لتدريب الجيش الأميركي في نيويورك. لكنه قرر ان يترك بسبب صعوبات التنقل يومياً بين مقر عمله في نيويورك وإقامته في منطقة نيو براونسيك في مقاطعة نيوجرسي. فعاد وقرر العمل في احد المطاعم “كنت إغسل الصحون ومسّح الأرض وكنّس. مش عيب .اللي كان يمشي بين الناس والنربيج عم يلحقو بدو يخجل من شغل التنظيف بالمطاعم”؟

وحدها الإرادة وتمسك لبنان بالحياة وإيمانه ساعدوه على تخطي كل العقبات. اشترى سيارة أجرة وعمل عليها بعدما تعلم خارطة الطرقات في الولاية فكان يخرج صباحاً ويعود مساء مكتفياً بما رزقه الله ومار شربل من القيادة بيد واحدة. وعندما قرر ان يرتبط نزل إلى لبنان ثلاث مرات ليتعرف إلى “بنت الحلال” لكنه كان يعود صفر اليدين. مع ذلك اصر ان لا يستسلم. في المرة الرابعة أجّر سيارته وزار لبنان وقرر ان يستقر فيه لمدة سنة. وفي خلالها تعرف إلى زوجته غيتا قصاص في سهرة رأس السنة التي أقامها في منزله حيث حضرت مع شقيقتها وكانت خطيبة احد أصدقائه. وبعد 3 اشهر من التعارف تزوجا في كنيسة مار تقلا في بقنايا بتاريخ 7 أيلول 1996. ويستطرد ضاحكاً: “بـ 9 أيلول 1983 انصبت وبـ 7 أيلول 1996 تجوزت. إصابتين محرزين”.

اليوم يعيش لبنان مع زوجته وأولاده الثلاثة بيرلا (19 عاماً) وروكسانا (17 عاماً) وشربل (11 عاماً) ووالدته جنفياف التي لا ولن تفارقه: “صار عمري 91 سنة وبعدني مهداية. سنة بكاملا قعدت مع لبنان بالمستشفى و30 يوم قدام الصيدلية أنا وناطرا تا يوعا من الغيبوبة. صرت أخدم المرضى بالمستشفى المهم انو ما اتركو لحظة… لبنان تعذب كتير وبعدو عم يتعذب. بس بقوة مار شربل رجع وقف على إجريه وراح يبقى ابن القضية لأنو لبنان بدمنا… من شي قليل سماه بيّو لبنان”؟ .

نعم فلبنان بقي إبن القضية قضية الشهداء الذين سقطوا أمامه ومعه على الجبهات. قضية الإنسان المؤمن بأن النضال لا يتوقف في مكان ولا زمان. ومن مركز “القوات” في نيوجرسي يتابع لبنان كل النشاطات وينتظر وصول بطاقة الإنتساب ليتسلمها بعدما انتسب بالدم  إلى “القوات اللبنانية”. وقبل ان يقفل الخط يصر على ان يخبرنا بأنه على رغم صعوبة الكلام إلا أنه يخدم في كورال كنيسة مار شربل “وحدو صوتي بيكون عم بيصدح بالكنيسة وبس رتل ما بقطّش ولا بنسى كلمة”.

لبنان مارون… إسم على مسمى حقاً.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل