#adsense

إفتتاحية “المسيرة” ــ السعودية: قرار المواجهة

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” ــ العدد 1548

لا يمكن فصل قرار المملكة العربية السعودية وقف الهبة المالية للبنان عن قرارها بقيادة المواجهة في المنطقة من اليمن إلى العراق وسوريا. فلبنان ليس إلا جزءا من هذه الساحة التي تشهد أعنف المواجهات في حرب مفتوحة لا تزال من دون أفق ومن دون سقف. والقرار السعودي معطوفاً على تحذير الرعايا السعوديين من زيارة لبنان ودعوة الموجودين فيه إلى المغادرة ليس انسحابًا من المواجهة بقدر ما هو انخراط فيها وتحسب لما يمكن أن ينتج عنها.

لا يخرج لبنان من دائرة الإهتمام السعودي ومن إطار الإستراتيجية السعودية في المنطقة. منذ عبرت قوات درع الجزيرة في 14 آذار 2011 جسر الملك فهد من المملكة العربية السعودية إلى مملكة البحرين بدأت الرياض تنفيذ قرار المواجهة. كان يكفي أن تضم هذه القوة ألف جندي سعودي  و500 جندي إماراتي من أجل أن تحسم البحرين الوضع المتوتر فيها وتضع حدًا للتظاهرات التي كان يشهدها دوّار اللؤلؤة في العاصمة المنامة.

في اليوم التالي لذلك التدخل، في 15 آذار 2011 كانت تبدأ الثورة في سوريا انطلاقاً من مظاهرات أطفال درعا. كان العالم العربي على أبواب التغيير الكبير المتواصل من تونس إلى مصر وليبيا وكانت عملية المواجهة قد صارت في صلب السياسة السعودية عندما اعتقد كثيرون من معارضي المملكة أنها لا تواجه وأن الحكم فيها غير قادر على التدخل في مناطق التوتر وأنه قد يهتز كما اهتزت عروش الجمهوريات وأنه قد يكون غير قادر على حماية نفسه. ولكن المملكة خيبت آمال المراهنين على ضعفها وأثبتت أنها حاضرة وبقوة في كل الملفات في المنطقة وأن النظام فيها أقوى مما يظن البعض.

لم يكن لبنان خارج إطار هذه السياسة السعودية. فما بين المملكة وبينه أكثر من مجرد علاقة. إنه تاريخ من العلاقات المشتركة التي أظهرت فيها المملكة دائمًا حرصها على استمرار لبنان واستقراره وازدهاره. من هذه الزاوية كانت علاقة المملكة مميّزة مع المسيحيين في لبنان من ضمن حرصها على دورهم الرائد في بناء الدولة وتأمين حضورهم. منذ عهد الرئيس كميل شمعون كانت هذه سياسة المملكة وقد استمرت بعد ذلك وانعكست في مجالات الحياة كافة من عمل اللبنانيين فيها إلى اعتبار السعوديين أن لبنان هو وطنهم الثاني. وقد تأكدت هذه العلاقات مع انتخاب الشيخ بشير الجميل قائد “القوات اللبنانية” رئيسًا للجمهورية في العام 1982 وتوالت في اتفاق “الطائف” الذي أرادته المملكة خروجًا من الحرب الأهلية وتمهيداً لعودة الدولة مع انتخاب النائب رينيه معوض رئيساً للجمهورية قبل أن يتم اغتياله في 22 تشرين الثاني 1989 ليكون هذا الإغتيال بمثابة اغتيال لـ”الطائف” السعودي وبداية تطبيق “الطائف” السوري. وقد استمرت السعودية في هذه العلاقة التي كانت زيارة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى الرياض ولقاؤه الملك سلمان من ضمن ثوابتها.

من صلب هذا الحرص السعودي على لبنان بدأ رفيق الحريري إطلالته على السياسة اللبنانية. في العام 1982 كلفته المملكة بمهمة إعادة الإعمار بعد الإجتياح الإسرائيلي وخروج الجيش السوري من بيروت. ولكن الدبابات السورية أفشلت هذه المهمة وأعادت إشعال الحروب الداخلية. وعلى رغم ذلك لم تيأس المملكة من إعادة بعث الدولة اللبنانية بعيداً من سلطة البعث في سوريا. وعندما ذهب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى دمشق لمقابلة رئيسها حافظ الأسد وإقناعه بالموافقة على سحب جيشه من لبنان كما نص اتفاق الطائف كان الأسد بدأ يضع خطة الإنقلاب على هذا الإتفاق من أجل أن يبقي سيطرته على لبنان.

هذا الصراع على لبنان بين السعودية والنظام السوري تجلى في محاولة هذا النظام احتواء دور الرئيس رفيق الحريري بعد عودته رئيساً للحكومة في العام 1992 على أثر الإنتخابات النيابية ومن خلال ضرب القيادات المسيحية وتحديداً “القوات اللبنانية” وإبقاء “حزب الله” الحزب المسلح الوحيد خارج إطار الدولة اللبنانية في ظل التنسيق الكامل بين نظامي الحكم في سوريا وفي إيران.

اغتيال الرئيس رفيق الحريري في بيروت في 14 شباط 2005 كان ذروة المواجهة. إتمام انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 لم يكن نهاية الطريق. فـ”حزب الله” كان حاضرًا لتولي مهمات عهد الوصاية البديلة. فاغتيال الحريري كان اغتيالاً للدور السعودي في لبنان ولمحاولة إعادة الأمل ببناء الدولة اللبنانية، وللقضاء على ثورة الأرز التي ولدت في 14 آذار 2005 رداً على تظاهرة الشكر لسوريا في 8 آذار. لم يكن لبنان وحده منقسماً بين حركتي 8 و14 آذار كان هذا الإنقسام يتمدد ليشمل العالم العربي كله من إيران إلى لبنان مرورًا باليمن والبحرين والعراق وسوريا.

عندما أعلن الملك سلمان “عاصفة الحزم” في اليمن كان يطلق صفارة الإنذار بأن المملكة لا تتفرج على تمدد إيران في العالم العربي. وعندما بدأت قوات التحالف العربي بقيادة المملكة عملياتها في 25 آذار 2015 لمنع سقوط عدن كانت تؤكد أن أمنها ليس داخل حدودها فقط بل في المدى الحيوي الممتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط وهو المدى نفسه الذي اعتبرت إيران أنه بات تحت سيطرتها وأنها باتت تتحكم بالعواصم العربية في صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت.

منذ قررت المملكة منح لبنان هبة المليار دولار بدأت الحرب ضد الهبة على أساس أن الحرب ضد المملكة لم تكن مخفية. وعندما استتبعت الموضوع بقرار هبة الثلاثة مليارات دولار استعرت الحرب أيضاً ليس رفضًا للهبتين بل للحؤول دون أي تسلح للجيش اللبناني ولقوى الأمن الأخرى. دائماً كانت هناك خشية لدى النظام السوري و”حزب الله” من أي دور للجيش على أساس أن هذا الدور سيكون على حساب دور “حزب الله” طالما أنه يعتبر نفسه دولة ضمن الدولة وأن أي تسليح للجيش قد يكون على حسابه. وهو ينطلق دائمًا في بناء قوته على أنقاض الدولة الضعيفة.

لا يأتي القرار السعودي بوقف الهبة ضد لبنان وهو ليس إعلاناً للإنسحاب من الساحة اللبنانية التي تشكل اليوم أهمية استراتيجية للمملكة العربية السعودية. فلا يمكن أن تعمل المملكة لمثل هذا الإنسحاب بينما كانت تحضر للتدخل في سوريا ولا يمكن الفصل اليوم بين الساحتين اللتين وحد بينهما “حزب الله” من خلال حربه إلى جانب النظام السوري. ليس صحيحًا أن المحور الإيراني ـ السوري هو الذي يحقق انتصارات في سوريا. الواقع الذي فضحه التدخل الروسي في تلك الحرب يؤكد أن هذا المحور كان في طريقه إلى الإنهيار وهو فاقد كليًا اليوم لزمام المبادرة ومن يقاتل اليوم هناك هي الطائرات الروسية التي لم تستطع على رغم كل غاراتها من كسر ميزان القوى العسكري بينما في المقابل كانت وحدات المعارضة السورية المختلفة ومن دون قوى عسكرية خارجية على وشك إسقاط النظام هناك. ولذلك لا يمكن للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أن يتحدث عن انتصارات. يمكنه الحديث عن تدارك الهزيمة بفضل التدخل الروسي ويمكنه الحديث أيضًا عن أن روسيا هي التي تقرر اليوم نيابة عنه وعن الأسد وعن النظام الإيراني وقف إطلاق النار بالإشتراك الكامل مع واشنطن وهي التي ستقرر من ضمن هذا التكامل في الدور مصير النظام ومصير الأسد من دون أن يكون هناك قدرة على الإعتراض لديه ولدى إيران. يكفي اليوم أن توقف روسيا هبتها العسكرية ليسقط النظام بشكل كامل ومعه إيران و”حزب الله”. هذا هو الفارق اليوم بين الدور السعودي في سوريا ولبنان وبين دور إيران و”حزب الله”. وإذا كان الحزب يعتقد أن بإمكانه إطالة عهد الفراغ في قصر بعبدا ومنع انتخاب رئيس للجمهورية حتى يتسنى له الإستفادة من التغييرات في الساحة السورية وما يعتبره انتصارات، سعيًا أيضًا لانتخابات نيابية يحصل فيها على الأكثرية التي تمكنه من تسمية رئيس للحكومة غير الرئيس سعد الحريري فهو مخطئ لأن زمام الأمور في سوريا ليس في يده ولا في يد النظام ولأن الإنتصار الذي ينتظره لن يكون إلا وهمًا. وهو على رغم ترويجه لمثل هذه الأمور وحديثه عن تحضير المملكة السعودية خطة للإنقلاب على الواقع القائم في لبنان يربطها بعودة الرئيس سعد الحريري لا يعبّر إلا عن خوف متراكم من أن يخسر في لبنان كما خسر في سوريا ومن أن يكون تحكم واشنطن وموسكو بمصير سوريا كدولة ونظام سيمتد إلى لبنان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل