
هذه الصورة لا تشبهنا… صحيح أن التقنيات الإخراجيّة والتصويرية حسّنتها تحسيناً ملحوظاً، لكنها ظلت باهتة برغم صخب الألوان. أتكلم على الدراما اللبنانية بصورها التلفزيونية كافة.
لنستشعر قليلاً مضامينها. نراها خالية من الدفء، لا نركن إليها لأنها لا تشبهنا، ولا تحاكي وعينا على المستويين الفردي والجماعي. والأهم أنها تعجز عن وضعنا في مواجهة مع واقعنا وإشكالياته، بل تكتفي بمداعبة الواقع عوضاً عن محاولة سبر أغواره. تخدش السطح من دون ملامسة العمق. بسطحيتها وتجاهلها لما هو واقعي، تصبح الدراما اللبنانية عامة، من حيث كانت تدري أو تجهل، أداة فنية في خدمة النظام اللبناني، الطائفي الرأسمالي، كونها تحرص على عدم التطرق إليه أو «إزعاجه».
التهمة كبيرة. وقد تبدو لأول وهلة جائرة، بعيدة كل البعد عن الصناعة الدرامية مع كل ما تحويه حرفة تجسيد الروايات من فن وجمال. لكن لنحاول تفكيك بنية الخطاب الدرامي اللبناني. إن أخذنا على سبيل المثال إنتاجات محلية تعرض على الشاشات مثل «متل القمر»، أو تلك التي عرضت قبل مدّة قصيرة مثل «قلبي دقّ» أو «أحمد وكريستينا». نلاحظ أن الرواية الرومانسية هي الطاغية على خطاب تلك المسلسلات. أما في حال التطرق إلى قضايا كالطبقية أو الطائفية، فيأتي ذلك عادة ضمن سياق درامي اختزالي يتناولها من باب المصاعب التي تعيق قصة حب ما (مثل حالة اختلاف الأديان في مسلسل «أحمد وكريستينا»)، متجاهلاً مدى سعة الرقعة الدرامية لقضية الطائفية مثلاً التي تشمل أيضاً النظام التربوي والمهني وحتى مجال الرياضة.
الرواية الرومانسية مهيمنة، وهي بالعموم مصنّفة كشأن «مسالم» تجاه الأنظمة السياسيّة، خصوصاً إن لم تحبك لمآرب نقدية واضحة. لذا نلاحظ أن الدراما اللبنانية نظيفة الكفين، تتحاشى الغوص في مواضيع ساخنة كالطائفية والحرب الأهلية والاستزلام وفساد الزعماء وشرعية أمراء الحرب وغيرها من قضايا، هي من صلب الواقع اللبناني. وإذا حملت رسالة سياسيّة ثورية، تكون عادة موجهة ضمن سياق زمني يتناول حقبة الحكم العثماني والاستعمار الفرنسي بحد أقصى. كما نلاحظ غياب مقاربة موضوع العدو الإسرائيلي، إلا إذا كان ذلك في سياق مسلسلات تروي سردية حزبية (مثل مسلسل «الغالبون» عن بطولات «حزب الله»). ومع اختفاء هذه القضايا وطغيان الرواية الرومانسية، تعمل الدراما اللبنانية كمصفاة لا كمرآة للواقع.
المشهد الدرامي اليوم نتاج واقع رأسمالي يسعى للكسب المادي والبيع والانتشار السريع، فيعلّب المعاني ويغلقها بمهارة التاجر، لكنه يعجز أحياناً عن مدها بالروح. لذا تأتي منتجاته الدرامية براقة ومغرية فنياً لكن فارغة مضموناً، قلما تجد لها مكاناً يحفظها في أرشيف الذاكرة. نراها ببساطة خاضعة لقوانين السوق والعرض والطلب، متكئة على عناصر ربحية كشهرة الممثل «النجم» بطل العمل، أو على الحبكات المستوردة من المسلسلات المكسيكية والأفلام العالمية. أي أنه الربح على حساب الإبداع. لذا تصاب أغلب المسلسلات اللبنانية بحالة هي أشبه بالعقم الإبداعي والتكلف الواضح، فترانا نتساءل إخراجياً، خاصة حينما تأتي المقارنة بالدراما السورية: أين التفاصيل الحياتية في العمل؟ أين البيت بمكوناته؟ بالفوضى الطبيعية، بالطبخ، بملابس النوم العادية والشعر المبعثر؟ أين تلك التفاصيل الصغيرة الكبيرة؟ أين أحاديث السياسة والطائفية والشتائم المزروعة في تفاصيل حياة اللبنانيين؟ كيف لا يدرك المخرج أو المخرجة أنَّ فوضى المشهد وعبثيته الطبيعية هما روحه؟ لِمَ يعتمد تركيباً جافاً وفق مقاييس ديكور مستقيمة تسلب منه الحياة؟
كما تبدو الطبقيّة بأبهى تجلياتها في الدراما، حينما يتشوه كل ما هو فقير. فقلما نجد في صورة الفقر المتلفزة جمالاً، بينما يطالعنا الجمال كقيمة ثقافية يحتكرها الثري (مسلسل «جذور» مثالاً)، خاصة مع توزع الشخصيات على مشهدية ثنائية القطب: إما تكون الشخصية فيها ثرية ثراء فاحشاً أو فقيرة فقراً مدقعاً، مع كل ما يرافق ذلك من مبالغات نصية وإخراجية في الحالتين.
لكن هذا كله لا يعني الغياب المطلق لبعض المحاولات الدراميّة المختلفة جوهراً ومضموناً عن السائد، منها على سبيل المثال «موقف عموم» الذي حاول أن ينقل عبثية الشارع اللبناني بأسلوب واقعي. لكن بالمحصلة، تتجنب الدراما اللبنانية تبني خطاب نقدي جدي تجاه النظام السياسي بمكوناته الطائفية والرأسمالية وتجلياتهما الثقافية، ما يعزز من شرعية هذا النظام وديمومته بسبب غياب المعارضة بلغتها الدرامية. قد ننتظر طويلاً قبل أن تثور الدراما اللبنانيّة على نفسها.