.jpg)
في العام 1920 تاريخ تأسيس الدولة اللبنانية، كان المسلمون يطالبون بالانضمام الى سوريا ويعتبرون المناطق التي يعيشون فيها اجزاء من سوريا الطبيعية، بينما كان المسيحيون لا يرون للبنان بديلاً. حتى جاء “مؤتمر الساحل” في دار السيد عمر بيهم في بيروت تاريخ تشرين الاول 1936 ليعلن باسم المسلمين – انذاك – بانهم يطالبون بالسيادة القومية على اساس الوحدة مع سوريا كمرحلة اولى نحو الوحدة العربية. وعندما زار وفد المؤتمر المفوض السامي انذاك الكونت دي مارتيل، اكد له الوفد بأن نصف سكان لبنان متعلق بالوحدة السورية. يومها بادر المفوض السامي لاجابة الوفد بأن فرنسا قطعت عهداً للبنان باحترام استقلاله في حدودوه الحاضرة…
نعود للتاريخ لان في التاريخ كل العبر ان اردنا الاتعاظ من الماضي: فاليوم في المشهد اللبناني نحن امام حركة لبنانية انفصالية عن الهوية والمصلحة الوطنية اللبنانية متمثلة بـ”حزب الله” وحلفائه، تماماً كما انفصال فريق” مؤتمر الساحل” اذ ان ولاء هذا الفريق حاليا ليس للبنان وليس للدولة اللبنانية بقدر ما ولاؤه لايران واجندتها الاقليمية…
كما ان هذا الفريق، وان كان لا يشكل نصف لبنان، ونعني حصريا “حزب الله” وقوته التمثيلية الشعبية ومن يدور في فلكه، الا انه انتهج سياسة مواجهة مع الاسرتين العربية والدولية على قاعدة مصالح ايران في المنطقة ومعها حلفها الاسدي – الروسي – وحزب الله الذي بنى عقيدته التأسيسية على فكرة انشاء الدولة الاسلامية في لبنان، وعاد وانتهج خطاً موازياً بتبعيته لولاية الفقيه كمرحلة اولى باتجاه الالتحاق الكلي بطهران ومحاولة الحاق لبنان بمصالح الجمهورية الاسلامية.
في الثلاثينات التقت قوة عالمية مستعمرة اسمها فرنسا، اعترفت باستقلال لبنان وسيادته في حدوده الدولية، وعلى هذا الاساس راحت تتعامل مع اللبنانيين. اما حاليا فان الاستعمار الايراني – الاسدي – لا يحترم لبنان لا في استقلاله ولا في حدوده ولا في سيادته وهو ومن خلال “حزب الله” ووظيفته الاقليمية جعل لبنان حديقة خلفية وخزاناً بشرياً ومادياً وعسكرياً لتنفيذ مخططاته في المنطقة. فانسلخ “حزب الله” عن لبنان وعن لبنانيته بصورة نهائية…
واليوم وامام الازمة الديبلوماسية اللبنانية – السعودية – الخليجية – تبرز الملاحظات الصريحة والمباشرة الآتية:
اولاً: اذا كان “حزب الله” يريد من اللبنانيين ان يراعوا حساسيته المفرطة تجاه المملكة العربية السعودية وحكامها للحفاظ على السلم الاهلي الداخلي. فمن باب اولى في المقابل ان يراعي الحزب حساسية قسم كبير من اللبنانيين تجاه ايران، هذا اذا اردنا التكلم بمنطق سطحية المعادلة – علماً ان في الحالتين – الضحية الاولى تبقى لبنان ويبقى الولاء للبنان الواحد الموحد.
فاذا كان “حزب الله” يرى في ايران امتداده الفكري والعقائدي وعمقه الديني، افلم يقرر اللبنانيون يوما في ميثاقهم الوطني لتجنب الوقوع في مطبات التبعية والانحياز التخلي عن غرب وشرق وتبعية من هنا وتبعية من هناك من اجل لبنان؟ هل يكون “حزب الله” اذكى وانضج من بشاره الخوري ورياض الصلح: الاول زعيماً مسيحياً لبنانياً واعياً ومدركاً لسر وجود لبنان ومتطلبات تكوينه والثاني زعيماً مسلماً عربياً قومياً مدركا وواعياً لمتطلبات قيام لبنان. عندما سئل الشيخ بشاره الخوري عن الميثاق الوطني الذي انجزه مع الصلح قال يومها لمجلة الاسبوع العربي: “… ان الميثاق كان انصهار عقيدتين متباينتين متضاربتين ترمي الاولى الى اذابة لبنان في غيره وتريد الثانية بقاءه محفوفا بحماية او وصاية اجنبية …”.
فالى اين يريدنا “حزب الله” ان نعود؟ الى مربع التبعيات والذوبان مع غير العرب او الى الالتحاق بوصايات جديدة والارتباط الكامل – كل على ليلاه – بالمحيط من هنا وهناك وام حنون من هنا وهناك؟
ثانياً: اذا كنت المفاضلة بين السلم الاهلي والانحياز الى العرب وقضايا العرب سيئة ومرفوضة، فكم بالحري المفاضلة بين السلم الاهلي والانحياز الى ايران؟ علما ان لبنان – ومنذ قيامه الميثاقي وحتى دستور الطائف الحالي – اقر ثابتة لا لبس فيها اجمع اللبنانيون عليها منذ البداية: ان لبنان عربي وعضو مؤسس في الاسرة العربية فيتعاون مع اشقائه الى ابعد حدود التعاون ويناصرهم ويشترك معهم في كل ما يمس حياتهم وحرياتهم وحقوقهم، وقضية فلسطين خير شاهد على ترجمة لبنان هذا التضامن والانصهار مع محيطه.
فاذا كان “حزب الله” بحاجة اليوم الى تغيير تلك المعادلة، فانه في الواقع يعيد طرح معادلة وجود لبنان كله ويعيدنا ثمانين عاماً الى الوراء ليقضي على الجمهورية من باب التأسيس الجديد الذي وبطبيعة الحال لن يعود بنفس شروط الماضي وظروف الماضي.
ثالثاً: منطق التبعية والالتحاق سيقود لبنان كله الى التفتت والانفجار، فـ”حزب الله” بالذات يتحمل اليوم مسؤولية تاريخية في تعريض لبنان للخطر وسقوط الجمهورية الميثاقية. فعروبة لبنان الدستورية والتزام لبنان القضايا العربية وتضامن لبنان مع اشقائه العرب مبادىء اساسية ادت الى الوحدة الوطنية تاريخياً. وبالتالي لا يجوز ولا يحق لاحد ان يضعها في مواجهة الوحدة الوطنية لانها كانت ركيزة اقرار المسلمين بلبنان اولاً منذ العام 1943، فهل يريد الحزب مؤتمر ساحل شيعي – ايراني جديد؟