
ما كانت أسماؤهم؟ اليان، انطوان، ميراي، الفرد، توفيق… وأكمِلوا اللائحة. ما زالوا هناك في تلك الزاوية المضاءة عند أقدام العذراء مريم. تدخل سيدة تضيء شمعة، تدخل اخرى تكثر الشموع، يدخل رجل حزين يركع أمام وجه العذراء “هني ارتاحوا يا عدرا بس نحنا التعبانين صلوا لاجلنا يا بيي” يكمل المسبحة ويغرق في شجنه، يحضر شهيد، لماذا تبكي؟ لم تيبس قطرات الدم بعد هناك، لم تجف روح الشهداء، ما زالوا هناك يجالسون الناس الى مقاعد الايمان، وأنا أسال لماذا دائما هكذا مضيئة كنيسة سيدة النجاة؟ لانهم ما زالوا فيها يعيشون فيها لم يتركوها يوماً مذذاك الأحد في 27 شباط 1994.
يحضر شهيد يخبرنا ما حصل معه في تلك اللحظة، جاء ليحضر قداس الاحد مع اهله، جلس قبالة العذراء تماماً، امتلأت الكنيسة، تصاعد البخور نظر الشهيد الى السيدة العذراء راها تقترب منه، لا تخف سأحضنك لتكون بقربي قالت له، سمع بريقاً، دوت فيه لحظة ما واذ به يرى أشلاءه في أرجاء الكنيسة والوطن من فوقه يولول، حاول أن يهدئ من روع اهله لكن اللحظة كانت أقوى من كل شيء حتى من الايمان نفسه، عندها علم انه شهيد لكنه لم يعرف في تلك اللحظة، أي ثمن هذا يستحق أن تخترق أجساد الاطفال فاجعة الحقد تلك للوصول الى هدف ما؟ اي هدف ذاك يحتمل ان نجعل من الاطفال والابرياء طريق عبور الى مجد مفترض وكيف اذا كان هذا “المجد” أن تكون صغيراً عميلاً قبيحا في بلاط محتل؟!
اثنان وعشرون عاما، كبر الشهيد، صار رجلاً وما زال يمضي ايمانه في كنيسة سيدة النجاة، يحوم حول بيت أهله، يحاول أن يخبرهم انه ملاكهم الحارس وانه يسكن بيت الضياء سعيداً، لكنه غير مستقر بعد، ثمة ما يقلق بيت الغيوم حيث يرتاح عمره، نعم ساكنو السماء أيضا يقلقون، وعندما يستبد به السؤال يهرع للجلوس الى مكانه على مقعد سيدة النجاة يسأل العذراء “يا سيدة متى تحققين لنا العدالة هنا، ما زالت دماؤنا تلمع كلما استيقظت الشمس لتلف حضورنا، يا سيدة الازرق والسماء استشهدنا ليضحك قاتل ويموت وطن، نترك لك امر القاتل لكن متى يعود الوطن؟”.
ويقفل الشهيد عائداً الى صلاته ينظر الى أهله وقد انهكهم عمر الالم، ها هم كل 27 شباط يكونون على الموعد للقاء اللحظة، يجلسون الى مقاعد الشجن ويصلّون “اي مجد هذا ان يرتفع شهيد عند مذبح الرب” رغم الالم يعرفون أن يسوع أرادهم شهداء في بيته ليمجّد عبرهم رسالة المسيحية، رسالة الشهداء، رسالة وطن.
اثنان وعشرون شباط عبروا مذذاك اليوم، وعبر فيها الظلم والاعتقال والاحتلال والحرية، عبرت فيها “القوات اللبنانية”، صاروا طعم الاحتلال السوري، صاروا وليمة العملاء، نهبوا من أجسادهم المقاومة، من نضالهم الكرامة، من أعمارهم الحياة، قالوا للشهيد اننا قتلناه، لم يصدق، هو يعرف أن “القوات” أولاد الكنيسة وأن سمير جعجع ابن الكنيسة، ولم يسمع أحد صراخه، فاعتقلوا “القوات”، اعتقلوا الوطن ودخلنا جميعا في الاسر، وضحك العميل الصغير ورفاقه الصغار ضحكتهم المجلجلة…
كان الشهيد يراقبهم، كان يعرف ان حقه لن يضيع وحقه ان تظهر الحقيقة وتتحقق العدالة، ظهرت الحقيقة ولكن حتى اللحظة لا عدالة، تحررت “القوات”، خرج الاحتلال وبقي المجرم عالقاً بين السجن واللاسجن، سجنه الكبير احتقار الناس والايام، ولا بد لا بد أن يصل الى سجنه الصغير وان يعود اليه مكبلاً الى الابد، سجنه الشهيد الذي ما زال يجلس الى مقعد سيدة النجاة وكل الشهداء الـ 11 رفاقه، سيلاحق حتى القبر ولن يكون يوماً شهيداً، الشهادة لاصحاب الكرامات العالية، للمناضلين، ولا يقبل مخلوق برتبة عميل في مصاف الشهداء، حتى القبر هو ملاحق بشهيد منا ما زال يجلس الى ضيائه في عيون سيدة النجاة…
