
المكان: كنيسة سيدة النجاة – زوق مكايل. الزمان: 27 شباط 1994. الساعة التاسعة وعشر دقائق. الأباتي أنطوان صفير يرأس الذبيحة الإلهية في احد المرأة النازفة. أنهى الـ”قاديشات آلوهو” وكان يستعد لمنح قارئ أو قارئة الرسالة البركة. هو ما عاد يذكر… ودوى الإنفجار في كنيسة سيدة النجاة. للحظات لم يفهم المؤمنون ولا حتى الآباتي صفير ما حصل. وحدها رائحة الدم التي فاحت في ارجاء الكنيسة ومشهد الجثث على الأرض والمقاعد الخشبية المشلعة وكتب الأناجيل المغمسة بدماء الضحايا وأنين الجرحى وضعهم امام حقيقة ذاك الأحد النازف.
22 عاما مرت على انفجاركنيسة سيدة النجاة. 22 عاما لم تَطْوِ بعد صفحات في عمر من عاشوا تفاصيل ووجع تلك المجزرة. 22 عاما قلبت الكثير من الصفحات في تاريخ الوطن وتاريخ حزب “القوات اللبنانية”. حلوا الحزب. وضعوا قائده تحت سابع أرض. قاتلو الجسد أرادوا ما ارادوه فقط: قتل الجسد. اما الروح فما زالت تصلي وتناضل من أجل الشهداء العشرة الذين سقطوا على مذبح سيدة النجاة وكل الشهداء. في النهاية “مابيصح إلا الصحيح”.

22 عاما مرت وأهالي الشهداء ما زالوا يحيون ذكرى احباء كانوا يصلون معهم في احد المرأة النازفة وكان النزيف الأكبر. “وبعدنا عم ننزف لبنانيا ومسيحيا ومارونيا” يقول الأباتي أنطوان صفير الذي لا يزال يتذكر تلك اللحظات التي حفرت أثلاما في جسده ومشاهد تتكرر كلما وقف أمام مذبح الرب للإحتفال بالقداس الإلهي. من قلعته في دير ما ضومط في فيطرون التابع للرهبنة المريمية حيث يعيش مع الكتاب والقلم منذ 15 عاما يروي الأباتي صفير فصولا من كتاب خطته مجزرة في ذاكرته ومصمم على عدم تحويلها إلى كتاب “لأنو الحقيقة ما راح تظهر وإذا انعرفت بس ما راح تعلن”.
بروحانية الراهب المعمدة بالدم والإيمان يتكلم الأباتي أنطوان صفير لا بل يشهد. صحيح انه يعيش في شبه عزلة إراديا “وانا راضي بهالمحبسةلأنا وحدا راح تكون خشبة خلاص المسيحيين ولبنان”، وصحيح انه لا يقرأ صحيفة ولا يستمع إلى نشرات الأخبار وتصاريح السياسيين لكنه يقرأ في عناوين المحطات الفاصلة أن أحد المرأة النازفة ذاك ال27 من شباط عام 1994 مستمر حتى اليوم. “بس ما بقا يفيد الندم. وإذا كملنا هيك ما راح يبقى عنا دم لأنو ما بدن ايانا بهالشرق. نحنا شوكة بخاصرة هالشرق. حتى رئيس جمهورية ما النا حق ننتخبو”.

ذاكرته مشرعة على الماضي وتفاصيله على رغم الوهن الذي أصاب جسد إبن الثانية والخمسين ذاك ال27 من شباط عام 1994. كان عاهد نفسه على عدم العودة الى تلك اللحظة والتكلم عنها في العلن ” بس مجلة “المسيرة” كانت وبعدا وفية لضحايا مجزرة كنيسة النجاة”. يتنهد عميقا ويبدأ الكلام.
” كانت الساعة تقارب التاسعة و10 دقائق. كنت أنهيت للتو ترنيمة “قاديشات آلوهو” وجلست قرب “قرّاية” الإنجيل واستعد لأعطي البركة لقارئ الرسالة.. وطلع الإنفجار”. للوهلة الأولى فكر الأباتي صفير أنه ناتج عن احتكاك كهربائي وبدأ يتناثر الزجاج على الأرض وعلى رؤوس المصلين ثم عمت الكنيسة غيمة كثيفة من الغبار وعلت أصوات البكاء والصراخ والإستغاثة. “الحمدلله انو الكنيسة ما كانت مكتظة بالمصلين كما الحال في قداس الساعة 11 حيث يصل عدد المصلين إلى 400 عدا عن الذين يقفون في الخارج” يقول مستطردا مع تكرار الشكر لسيدة النجاة.
التحقيقات كشفت انه كانت هناك خمس عبوات معدة للتفجير ذاك الأحد في كنيسة سيدة النجاة. لكن واحدة فقط انفجرت وأحدثت زلزالا “العناية الإلهية عطلت باقي المتفجرات ولو انفجروا الخمسة كنا صرنا بالبحر”. ويضيف الأباتي صفير “بذكر أول ما بلش القداس وبلش العازف على آلة الأورغ يدق طلعت خشّة قوية. واستمرت لدرجة إنو انزعجت ووجهتلو ملاحظة بأنو كان لازم يتأكد من الصوت قبل ما يبلش القداس. بس تبين لاحقا إنو السبب كان نتيجة ربط المتفجرات بأسلاك الكهرباء الموصولة على آلة الأورغ. رجعت اعتذرت منو بعد مدة”.

وعلى رغم فداحة إصابته لم يفقد الآباتي صفير وعيه” دخلت غرفة السكرستيا حاولت ان استفسر عن عدد الضحايا ووضع الجرحى لكن خارت قواي بسبب الإصابة البليغة في الطحال. وصودف دخول الأب طوني الراعي (رحمه الله) إلى الغرفة فرآني على الأرض ونقلني بسيارته إلى مستشفى سيدة لبنان. عندما وصلت كان ضغطي 3 فأدخلني الأطباء فورا الى غرفة العمليات وأحدثوا ثقبا في معدتي من دون بنج لأن الدم كان يملأ معدتي وتم استئصال الطحال ثم خضعت لعدة عمليات في القدم والوجه وبقيت في غرفة العناية الفائقة مدة 70 يوما ثم تم نقلي إلى مستشفى أوتيل ديو. ولولا العناية الإلهية لكنت اليوم في أحضان أمنا مريم”.
عندما استيقظ الأباتي صفير سأل أولا عن أسماء الشهداء. قالوا له إن عشرة شهداء سقطوا في مجزرة الكنيسة، الطفلة إليان بطيش وميراي مشعلاني وماري عطالله وألفرد عطالله ومنصور سكر وأنطوان عماد وأندره عيد وتوفيق منصور وعبود أبو خليل وتوفيق خليل. بكى على رغم الوجع الذي كان يزنر جسده. لكن وجع الروح كان أقوى. “كانت أكبر من مأساة كنت أعرفهم واحدا واحدا . استشهدوا لأنهم كانوا يصلون في كنيسة. من كان يتوقع ذلك؟”. ويضيف محاولا استجماع سلسلة أحداث حصلت قبل عملية التفجير لكن من دون ان يربطها بالمجزرة “حصلت سرقات عديدة في الكنيسة منها اختفاء الصينية وسرقة كأس القربان وأموال من صندوق النذورات لكن أبواب الكنيسة كانت تبقى مفتوحة أمام المؤمنين لأن أحدا لم يتصور ان تصل يد الإجرام إلى الكنيسة ويقتل أشخاص أبرياء لأنهم كانوا يصلون”.
في الذكرى السنوية الأولى للتفجير دخل الأباتي صفير كنيسة سيدة النجاة وعندما رأى أهالي الضحايا شعر بالدوار. حاول ان يتماسك ويشد من عزيمتهم لكن مجرد ان بدأ يعانقهم انهار وبدأ بالبكاء. وهل أسرّ أحدهم في أذنه كلمة ما او اعترافا او ربما انفجر غضبا وحزنا على فقدانه أغلى ما كان يملك في الحياة؟ يجيب: “إطلاقا نظرنا في عيون بعضنا البعض وبكينا بمرارة” وحده مشهد الطفلة إليان بطيش التي كانت تجلس على المقعد الأمامي مع والدتها التي قصدت سيدة النجاة في أحد المرأة النازفة لتفي نذر أول قداس تأخذ ابنها جو إليه بعد عمادته وليلثم الكاهن جبينه بكأس القربان في تلك الكنيسة تحديدا ما زال ماثلا وبقوة أمام عينيه: “الله يرحما صار عندن ملاك بالسما وربنا رجع رزقن بصبي تاني”.
.jpg)
وهل تقدمتم بدعوى شخصية كأهالي ومتضررين أمام القضاء؟ “لشو؟ وأمام من؟ ومين قال إنو الحقيقة راح تظهر يوما ما؟ ما بقا صدق حدا كلو نفاق ومصالح. خلين يقولولنا بالأول مين قتل الرئيس رفيق الحريري وكل شهدا 14 آذار؟ عن أيا حقيقة بدنا نسأل؟ بالأول حاولوا يوهموا الناس إنو “القوات” ورا التفجير. حلوا الحزب وحطوا الدكتور جعجع بالسجن الإنفرادي 11 سنة وظهرت الحقيقة. أساسا ما كان المطلوب تظهر لأنو كانت واضحة متل الشمس. وبس طلبوني لإشهد أمام المحققين ببعبدا رحت وهونيك شفت الدكتور جعجع وكان مكبل اليدين. حزنت كتير مع إنو كانوا عيونوا بيأكدو إنو إنسان صلب ومؤمن. يومها سألني القاضي عدنان عضوم: “بتقول إنو “القوات” فجروا الكنيسة؟ وكان جوابي واحد “ممكن “القوات” يعملو أي شي إلا إنو يفجرو كنيسة. قلتا وبعدني على قناعاتي. فجروا الكنيسة تا يحلوا الحزب ويفوتوا سمير جعجع ع الحبس. بس “القوات” لا فجروا كنيسة ولا بيعملوها”. من فعلها؟ “يمكن النظام السوري يمكن أجهزة امنية مش لبنانية ويمكن الشياطين. بس التمن كان غالي غالي كتير. “. وهل أنت حاقد؟ “أنا ناقم علين لأنو راح ضحايا أبرياء. شو ذنبن هالضحايا؟ شو كان ذنبي؟ كنا عم نصلي بكنيسة. إذا كانت هذه جريمتنا مع آلامك يا يسوع…”
بعد استئصال الطحال عانى الأباتي صفير من آلام كثيرة: “وقت حصلت المجزرة كان عمري 52 سنة .كنت بعز طاقتي وإذا بضرب الحيط هدّو. بعد الإصابة صرت نص إنسان إذا مش ربع إنسان. الإصابة هدتني. بس طاقتي العقلية ما تأثرت. من رقبتي وطلوع بعدني قبضاي. وأنا بقيس الإنسان من رقبتو وطالع” يقولها ساخرا من ذاك القدر الملعون ومن العابثين بأقدار الأبرياء. مع ذلك لم يتخل عن واجباته الكهنوتية: “لم أتردد يوما عن الإحتفال بالذبيحة الإلهية وفي كل مرة أقف أمام المذبح تعود إلي ذكريات ذاك اليوم أحد النازفين والنازفات”.
ثمة ذكريات تستفز الذاكرة وتقحمها في دهاليز الواقع أو تحولها إلى صندوق مختوم بالشمع الأحمر. لكن شريط ذكريات الأباتي صفير بدأ يتخزن منذ تاريخ 27 شباط 1994: “ولا لحظة ممكن إنسى لحظة الإنفجار ومشهد الضحايا والجرحى والأناجيل اللي كانت ملطخة بالدم. بس اللي بيوجعني أكتر هوي النفاق واللعب بمصائر الناس الأبريا. لهيك قررت اعتزل العالم الخارجي من 22 سنة وتحديدا بعد ما ضهرت من المستشفى. ما عدت إقرا جريدة ولا إفتح راديو ولا إحضر نشرات الأخبار إلا فقط تا أعرف شو عم بيصير بالعالم. ومع إنو السياسة لغة وفن شريف بس للأسف صارت متل أرتال النفايات مكدسة عالنفاق والمصالح الشخصية”.

قبل 15 عاما انتقل الأباتي صفير إلى دير مار ضومط التابع للرهبنة المريمية في فيطرون. ومنذ خمسة أعوام قرر ان يعيش وحدته فاعتزل في غرفته او في القلعة كما يسميها في دير مار ضومط. أنا راضي بهالمحبسة ما في بديل عنا. عم بعيش فرح الحياة مع صديقي الوحيد الكتاب”. كل صباح في السابعة والنصف ينزل الأباتي صفير إلى كنيسة الدير ويحتفل بالذبيحة الإلهية أمام عدد قليل من المؤمنين وأحيانا وحده مع الله وكأس القربان. ويعود إلى قلعته ليتابع قراءة الكتب وترجمتها. وأول الحصاد كتاب ترجمه من اللغة الإيطالية إلى العربية بعنوان: “صمت مريم” كتب مقدمته المطران ميشال عون. لماذا “صمت مريم؟” لأنه يتكلم عن صمت مريم التي لم تتكلم طيلة حياتها إلا نادرا فالصمت كان من صفات أمنا مريم. والله هو الصامت الأكبر”. وأي رابط بين صمت العذراء وحياتك النسكية اليوم؟ “أنا في تسليم كلي لله”.
على غلاف الكتاب صورة لسيدة النجاة “اخترت هذه الصورة لأشكر السيدة العذراء وسيدة النجاة على كل النعم التي أعطتني إياها وأولها أنها أنقذتني من الموت على رغم العذابات التي نلتها بسبب الإصابة. لكنني لا أزال حيا فيما هناك 10 شهداء سقطوا على أرض الكنيسة”. أما في الداخل فكتب الأباتي صفير: “هذه الصورة المكرمة لسيدة النجاة التي وقعت في كنيستها مجزرة تفجير الكنيسة التي تحمل إسمها بتاريخ 27 شباط 1994 مع ذكر أسماء الضحايا”. ويختم كلمته بعبارة “مني إلك يا سيدة النجاة… شكرا”. الكتاب لا يزال قيد الطباعة والأباتي مستمر في قراءة وترجمة الكتب التي تفيد البشرية وتضيف إلى عقل القارئ قيمة روحية. ويضيف “من 5 سنين مستحبس بغرفتي ورفيقي الوحيد الكتاب. صرت مخلص قراءة 6 كتب مع الترجمة وهني قيد الطباعة. الكلام ما بيهمني ولا حتى الإختلاط مع الناس لأنو الخارج صار أقرب إلى المظاهر الفولكلورية. أنا لقيت نفسي بهالمحبسة ومكتفي برفقة الكتاب”.
نسأل: “ولماذا تستثني تأريخ مجزرة سيدة النجاة في كتاب وأنت الشاهد الأول عليها”؟ يجيب: “إلا هالكتاب. لأنه لن يضيف إلا حرقة في قلوب أهالي الضحايا وكل من سيقرأه. ربما صرت أكثر تشاؤميا؟ ربما. لكن الثابت أنني لا أخاف أحدا إلا مشيئة الله وحده”.
منذ خمسة أعوام توقف الأباتي صفير عن المشاركة في القداس الذي يقام في كنيسة سيدة النجاة في ذكرى تفجيرها. حتى أنه لم يشاهد الكنيسة بعد ترميمها ولا حتى اللوحة الجديدة التي تمثل صورة العذراء وقد كتبت على وشاحها أسماء الضحايا”. وكلما كان يقف أمامها يتراءى له الظلم والإستهتار بأرواح الضحايا وكان يردد دائما ولا يزال “ما حدا سئلان”. هروب من دنيوية الأرض؟ إستسلام لقدر ما؟ “صار عمري 74 سنة وهمتي صارت تقيلة بسبب الإصابة. تصوري إنسان بلا طحال من 22 سنة غير الأوجاع. صحيح ما بقا عم شارك الأهالي بالقداديس السنوية وما حدا حتى عم يتذكرني، بس بصليلن وبذكرن بالقداس اللي بحتفل فيه هون بكنيسة الدير وحدي او مع كم مؤمن”. وفي كل مرة يقف فيها أمام المذبح يتذكر تلك اللحظة الملعونة لحظة الإنفجار “ما بنساها. راح تروح معي ع القبر”.
ثمة كلام لا ينضب على رغم قرار صاحبه بالصمت والعزلة. وكيف لا يكون كذلك ودافعه الأول والأخير “حرقة قلب” على ضحايا. “أنا سئلان كتير. لأني لبناني ومسيحي وماروني سئلان كتير. أنا بيهمني لبنان وكل اللبنانيي بس لوين رايحين”؟

“تخشى على مصير الموارنة ومسيحيي الشرق؟” إذا كملنا هيك إيه. أنا خايف على مسيحيي لبنان لأنو نحنا الموارنة صرنا عم نتلهى بالمصالح واللي بيحكي الحق بيقتلوه. لبنان عم يتفرغ من أدمغتو ومن تراثو. إيه أنا خايف على مسيحيي لبنان لأننا شوكة في خاصرة هذا الشرق”.
وقبل ان يودعنا ليعود إلى كتاب يقرأه باللغة الفرنسية عن تاريخ المسيحيين يردد “بشكر سيدة النجاة لأنو خلتني عايش تا إشهد”. وللتاريخ يشهد ويقول: “صحيح ما بقا عندي قوة. بس الروح قوية. بيقول مار بولس: لا تطفئوا الروح وحيثما تكون روح الرب فهناك الحرية”. أنا جسدي صار ضعيف بس روحي مستعدة لكل خدمة. والمؤسف إنو بلبنان ما بقا عنا روح الرب. يمكن نكون فوضويي ومتحررين بس مش أحرار”.
