
في أوّل شهرِ آذار من كلَّ عام يصادف اليوم العالمي لتبادل الإطراء، وقد أراده مؤسّسوه اليومَ الأكثرَ إيجابيةً في العالم. فكيف نتمكّن من إسعاد الآخرين والتأثير فيهم من خلال الإطراء؟ وهل فعلاً يستعمل مجتمعُنا الإطراء في سبيل الكذب على الآخرين واستمالتهم، وكيف يُسخّر الرَجل الإطراء «لاصطياد المرأة»؟
تُشدّد خبيرة الإتيكيت والبروتوكول كارمن حجّار رزق في حديثها لـ«الجمهورية» على أنّ «الإطراء يمنح الآخر طاقات إيجابية، فيُفرّحه ويشرّفه ويعطي قيمة لشخصه ولعمله، وهو بمثابة هدية ترفَع المعنويات وتقوّي العلاقة بين المادح والممدوح كما تبدِّد التعصيب». وتَلفت إلى أنّ الإطراء يُقال للأولاد، للزوج، للأهل، للأقارب، للأصدقاء، للزملاء في العمل، وللخادمة في المنزل…
زيادة الثقة بالنفس
تؤكّد دراسة علمية أجريَت في اليابان فكرةَ رزق لجهة التأثير الإيجابي للمديح على نفسية المتلقّي، وتربط الدراسة بين الدفع المعنوي المقدّم من خلال الإطراء وتطوّر عمل الأشخاص: «يُحرز الشخص نتائجَ أفضل في عمله عندما يتلقّى المديح والثناء على إنجازاته»، بحسب البروفسور نوريهيرو ساداتو المشارك في إعداد الدراسة.
من جهته، لا ينفي الاختصاصي في عِلم النفس العيادي والتوجيه العائلي والجنسي الدكتور نبيل خوري لـ»الجمهورية» أنّ المديح هو إرسال صورة إيجابية من شخص إلى آخر، ولكنّه يَلفت إلى «الأسباب العاطفية، أو التواصلية، أو المهنية، أو الاستجلابية (Séduction) التي قد تَكمن وراءَه».
ويوضح: «ربّما يكون المديح قائماً على مبدأ الشُكر والامتنان على إنجازٍ ما، وغالباً ما نَشهد ذلك في عالم الاحتراف والسياسة، أو يكون مجرّد أكذوبة على شخصٍ ما بهدف استمالته، أو في سبيل اتّقاء شرّه وتداركاً لردّة فِعله السلبية عقبَ احتقان».
ويُشير خوري إلى شخصية المادح، «فإذا كان صادقاً أو محترفاً في عمله، يريح المتلقّف الذي يعرف أنّ الشهادة لا يُستهان بها وتَصدر عن شخص موثوق به، وبالتالي تساهم في رفع منسوب الثقة بالنفس وتعزّز قدرةَ الممدوح وطاقاته وتشجّعه على الإنجاز سعياً وراء نَيل مديح آخر».
ويضيف: «أمّا إذا كان مغدقُ المديح كاذباً ومخادعاً، يُعرَف بأنّه من ماسحي الجوخ، ويُطلق مدائحَ بغير محلّها تحقيقاً لأهداف معينة، فلا يزيد المدحُ من ثقة المتلقّي بنفسه لأنه يَعرف أن هذا المديح إمّا كاذب وإمّا مدفوعٌ تُمليه ظروف المادح وحاجاته الخاصة».
طريقة قول الإطراء الصادق
تُحذّر خبيرة الإتيكيت من المبالغة بالإطراء ومن الابتذال، لأنّ «الإطراء يجب أن يكون بسيطاً، وعفوياً، صادقاً ونابعاً من القلب. إلى ذلك يؤدّي اختيار الكلمات دوراً أساسياً في إطار الثناء على الآخرين. فتحديد المديح مهمّ للتأكيد على صِدقه: «من الأفضل أن لا نقول لصديقة تبدين جميلةً بالإجمال، بل نحدّد ماذا أعجَبنا بها، مثلاً: غير ممكن كم يَليق بك هذا اللون ويزيدك رونقاً».
وتَذهب رزق إلى أبعد من ذلك فتشدّد على ضرورة الحِرص على أن لا يحملَ الإطراء «لطشةً مبَطّنة» كقول: «كم تبدين جميلة اليوم، ولكن ليتكِ أنحفُ بقليل» أو «فستانكِ هذا يُظهركِ نحيفة»، فهذا إطراء غير مناسب يوصِل للمتلقّية رسالةً مفادُها: أنتِ سمينة، ولكنّ هذه الثياب تنَحّفكِ.
وفي المقابل يمكن قول: «مِن غير المعقول كم تليق بكِ هذه الثياب». وتَجدر الإشارة إلى أنّ عفوية المديح ترتبط بتوقيته، «فلا يمكن أن أثني على جمال ثياب أحدهم بعد ساعة من لقائه بل يجب قول ذلك بعفوية ومباشرة لدى رؤيته».
ومن المؤكّد أنّ مدح جمال مَن حولنا وذوقهم لا يَصلح في كلّ الأماكن، فبَين الزميل والزميلة في العمل مثلاً لا يجوز الإطراء سوى حول الإنجازات المهنية، وإلّا اعتُبر تحرّشاً.
وعلى رغم كون الإطراء مشجّعاً للآخرين، إلّا أنّه لا يجب أن نرمي وابلاً من المديح على أيّ شخص، لأنّ في ذلك تصرّفاً مبالغاً فيه يدلّ على وجود غايةٍ ما نصبو إلى تحقيقها من خلال قول المديح. إطراءٌ واحد لدى رؤيتنا للشخص يكفي.
ولا يجب أن يكون الإطراء كاذباً، بل نَبحث عن الجميل والإيجابي في الأشخاص ونثني عليه، وإنْ لم نجد ما هو إيجابي لا نَمتدح. فإذا تمّت دعوتكِ إلى غداء ولم تحبِّي الأكل يمكنك أن تُفرحي ربّة المنزل بالثناء على طريقة تقديمه إذا كانت جيّدة أو على الجهد الذي قامت به لدعوتكِ.
سوء تلقّي الإطراء
يبدو أنّ العديد من الناس لا يُحسنون تلقّي الإطراء، بينما يطوّر حسن التعامل مع المادح من شخصيتنا وعلاقاتنا الجيّدة مع الآخرين. ففي حين يتلقّى البعض الإطراء بتكبّر وعجرفة: «طبعاً فستاني جميل اشتريتُه من دار أزياء معروف ودفعتُ ثمناً باهظاً»، يتلقّى آخرون المديح بفرط من التواضع والاستخفاف بأنفسِهم. في هذا السياق تشير خبيرة الإتيكيت إلى أنّ «لمجتمعنا كما المجتمع الإنكليزي ميلٌ لعدم تقبّلِ الإطراء».
فإذا قيلَ لامرأة كم تبدين جميلة قد تردّ: «لا مِش لهالدرجة». وإذا قيل لها فستانك جميل يكون جوابها: «هذا الفستان ثمنُه رخيص جداً، أو هذا الفستان قديم ولم أرتدِه منذ فترة».
وإذا قيل لأحدهم عملُك جميل ومفيد، قد يجيب: «لم أشعر بأنّني قدّمت عملاً جيّداً وكان يجب أن أقوم بما هو أفضل من ذلك». وتلفتُ رزق إلى أنّ «هذه الطريقة بتلقّي الإطراء غير جيّدة تجعل قائله يَندم على التفوّه به أو حتّى يَكره نفسَه لقوله».
إنّ تخفيف متلقّي الإطراء من قيمة مهاراته أو مقتنياته قد تصبّ في خانة إصراره على إظهار التواضع أمام الآخرين أو حتّى في إطار عدم ثقتِه بنفسه. ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّنا في معظم الأحيان نقلّل من قيمة الإطراء لأنّنا نَشعر في قرارة أنفسنا بأنّ المديح الذي نتلقّاه ما هو إلّا «بويا» و»تبييض طناجر».
وفي هذا السياق يؤكّد الدكتور نبيل خوري لـ«الجمهورية» الفكرة السائدة في المجتمع بأنّ الإطراء غالباً ما يَفتقر إلى المصداقية: «إنّ المجتمع اللبناني والعربي يقوم على كذِب العواطف والإطراء والمدح».
ويشير إلى أنّ «تبييض الطناجر منظومة من منظومات المجتمع العربي، قائمة منذ القرون الوسطى وما قبلها في عهدَي الأمويين والعباسيين. فالمتنبي كان يمدح سيف الدولة ليجنيَ المال وإنْ لم يدفع له يَسبّه ».
كيف نردّ؟
تُشدّد خبيرة الإتيكيت كارمن حجّار رزق على أنّ أفضل طريقة للردّ على الإطراء هي بالاكتفاء بقول شكراً لك وتبادل الابتسامة والتواصل بالعينين «Eye contact» مع المادح. وقد نقول: «شكراً، هذه شهادة كبيرة جداً من شخص مثلك»، في حال مدحَ شخصٌ محترف عملَنا أو تصرّفاتنا.
وتتحدّث عن أهمّية تقبّل الإطراء بإيجابية، وشُكرِ المادح كما لو أنّه قدّمَ لنا هدية، وترى أنّ عدم تقبّل المدح يَكمن في تربيتنا الخاطئة.
إلى ذلك، «يُعتبَر الإطراء كسَلف يردّ في وقتٍ لاحق، لكن لا يجب ردُّه سريعاً كي لا يبدو مبتذَلاً، بل ينتظر المتلقّي وقتاً قبل تقديم الإطراء للمادح».
سيف ذو حدّين
وفي حين لا يخفى على أحد أنّ الكلام المعسول والإطراء يوقع المرأة بحبّ الرجل، يستخدم الرَجل هذه الاستراتيجية للتأثير في نفسها أو للإيقاع بها. ويؤكّد د. خوري: «يعرف الرَجل أنّ المرأة تحبّ سماع المدائح، ما يريحها ويَدفعها إلى بناء علاقة عاطفية، فيستغلّ ذلك، ويبدأ عملية الإغراء بإسماعها الكلام الجميل، ويدرس تصرّفاته بدقة وعناية حتّى يصل إلى إرساء التواصل بينهما وربّما إلى اللقاء الحميم».
وفي حين يؤكّد خوري أنّ هذه الأساليب تقود الرَجل إلى النجاح في معظم الأحيان، يرى أنّها لم تعُد بالمستوى المطلوب منذ زمن طويل، لأنّ الرجل لم يعُد «جنتلمان» بداية القرن العشرين، والأنثى لم تعُد الـ lady التي كنّا نشاهدها في الخمسينات والستّينات.
ويوضح: Madonna،Lady Gaga وPink لسنَ بمصاف Rita Hayworth وGrace Kelly اللتين يغلب عليهما طابع الـ Glamour. ولم تعُد معادلة الإغراء صعبة كما كانت في الماضي. فالمرأة باتت مقتنعة بجدوى العلاقة مع الرَجل، وعملية إغوائها باتت سهلة بالنسبة له، لكثرة المرشّحات.
