
إفتتاحية “المسيرة” ــ العدد 1549
قبل موعد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في 2 آذار يوم الأربعاء بقليل كان المرشح النائب سليمان فرنجية يستقبل وفداً من الحزب التقدمي الإشتراكي في بنشعي. في الليلة السابقة كان فرنجية يعلن أنه لن ينزل إلى المجلس النيابي إلا بالتنسيق مع حلفائه في 8 آذار وأنه متمسك بحقه الدستوري في عدم النزول لأن من شأن هذا النزول أن يعقد الموضوع الرئاسي أكثر. معتبراً أن الرئيس سعد الحريري “بالقلب هو على حق في طرحه أن أنزل وأشارك في الجلسة وأنا أؤيده”. كان فرنجية يرد من كسروان على مناشدة الرئيس سعد الحريري له بالنزول إلى المجلس. لم يكن في حسابات أي من الأطراف أن النصاب سيكتمل في هذه الجلسة وكان من الواضح أنها ستضاف إلى لائحة الجلسات الضائعة. ولكن ماذا عن الحسابات لما بعد جلسة 2 آذار؟
كان من المفترض أن يكسر ترشيح الرئيس سعد الحريري للنائب سليمان فرنجية قاعدة تعطيل النصاب وأن يتم انتخابه رئيساً مستفيداً من زخم هذا الترشيح قبل نهاية العام الماضي. في حسابات ذاك الترشيح كان أن “حزب الله” لن يعارض هذا الخرق الذي أحدثه الرئيس الحريري وأنه سيقنع العماد ميشال عون بسحب ترشيحه أو على الأقل سيتجاوزه من أجل إيصال حليفه في 8 آذار إلى قصر بعبدا ولكن المفاجأة حصلت ووجه الحزب رسائل سلبية إلى فرنجية جمدت ترشيحه وأوقفته عند حدود الإنتقادات القاسية لتفاهمه مع الحريري وتناوله نقاطاً اعتبر الحزب أنه لم يفوضه البحث فيها كمسألة رئاسة الحريري للحكومة وقانون الإنتخابات. تفاهم الحريري وفرنجية مع الرئيس بري والنائب وليد جنبلاط لم يكسر قرار “حزب الله” بأن قرار الإنتخابات الرئاسية يبقى ملك الحزب.
أيضاً ترشيح “القوات اللبنانية” للعماد ميشال عون من معراب في 18 كانون الثاني الماضي لم يكسر القاعدة. كان من المنتظر أن يعلن “حزب الله” تأييده الكامل للعماد عون وأن يدعو النائب سليمان فرنجية للإنسحاب له وأن ينزل مع حلفائه إلى ساحة النجمة لتأمين النصاب اللازم دستوريا لانتخاب العماد عون الذي حصل على تأييد الأكثرية المسيحية ولكن شيئا من ذلك لم يحصل. صحيح أن الحزب أعلن وقوفه إلى جانب عون مرشحا وحيدا حتى يقرر هو الإنسحاب من المعركة ولكنه لم يفعل أكثر من ذلك. وبقيت اللعبة الرئاسية أسيرة قراره. وكان من المنتظر أيضاً أن يبادر النائب سليمان فرنجية إلى التنازل للعماد عون من دون أن يطلب منه “حزب الله” ذلك ولكنه لم يفعل أيضا تمسك بترشيحه على قاعدة أن من لديه 70 صوتا لا ينسحب لمن لديه 40.
بعد عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت لم تنكسر قاعدة التعطيل. جلسة 2 آذار لم تشذ عن الجلسات السابقة إلا من حيث رفع عدد الحضور النيابي من دون أن يصل إلى الثلثين. وهذا الأمر يفترض إعادة الحسابات حتى لا تظل اللعبة مقفلة على التعطيل.
بعد هذه الجلسة سيدرك الرئيس سعد الحريري أن محاولة تمرير مرشحه النائب سليمان فرنجية لن تمر وأنه فعل أقصى ما يمكن أن يفعله ولكن من دون نتيجة. وسيدرك العماد عون أن “حزب الله” يتمسك بترشيحه، وهذا صحيح، ولكنه لن يفعل أكثر من ذلك. وسيبدو واضحاً لكثيرين أن الحزب لا يريد الإنتخابات الرئاسية ولا يريد إيصال العماد عون أيضا ولا النائب سليمان فرنجية. وبالتالي سيبقى لبنان من دون رئيس للجمهورية.
على ضوء هذه الدوامة يستمر التنسيق بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” في ما هو أبعد من رئاسة الجمهورية. لعل استحقاق انتخابات الرابطة المارونية هو البرهان الأول على أهمية تفاهم معراب وإعلان النوايا. من الواضح أن هذا التفاهم سيؤدي إلى توافق في انتخابات الرابطة على ضوء عدم رغبة أي طرف آخر على إظهار نفسه في مواجهته على عكس ما يقال عن أن “القوات” و”التيار” لا يمثلان الأغلبية المسيحية.
هذا التفاهم سيترجم أيضاً في الإنتخابات البلدية. فـ”التيار” و”القوات” يعملان على أساس أن هذه الإنتخابات حاصلة وبحسب استطلاعات الرأي التي تجريها أطراف ومؤسسات دراسات مستقلة فإن “القوات” و”التيار” سيتمكنان من دون عناء كبير من إيصال نحو 400 مجلس بلدي في نحو 460 بلدة مسيحية بينما سيكون لهما رأي وحصة في البلديات الأخرى الكبيرة والصغيرة منها. وما ينسحب على الإنتخابات البلدية يصل إلى الإنتخابات النيابية في أي وقت تحصل. ومن هذا المنطلق يحسب الآخرون خطورة مسألة تخطي تفاهم الدكتور جعجع والعماد ميشال عون وتجاوز هذا التفاهم المسيحي الكبير ويقرأون منذ اليوم أن هذا التجاوز لن يكون ممكنا لا في الإنتخابات الرئاسية ولا في ما سيأتي بعدها. حتى لو وافق “حزب الله” مثلاً على انتخاب سليمان فرنجية لن تكون المسألة سهلة إذا أراد “التيار” و”القوات” الإعتراض على هذا الترشيح الذي لا يمكن أن يغطيه أي طرف مسيحي آخر. وحتى لو تم تمرير مثل هذا الإستحقاق فإن أي رئيس للجمهورية لن يستطيع أن يحكم من دون الأكثرية المسيحية الشرعية والشعبية وأي رئيس للحكومة لن يستطيع أن يشكل حكومة من دون أن تكون الحصة المسيحية الأبرز لهذه الثنائية وإلا تكون هناك عودة كاملة لعملية مصادرة القرار المسيحي التي حاول النظام السوري فرضها على المسيحيين من خلال ضرب القيادات الأساسية ومحاولة تكبير حجم بعض السياسيين الذين اختاروا التعامل مع هذا النظام على حساب الحقوق المسيحية من دون أن يتمكنوا على رغم كل الدعم السوري من زيادة شعبيتهم.
لذلك لا يمكن البناء على أن 72 نائبا حضروا جلسة 2 آذار. هذا الرقم لا يزيد على مسألة التعطيل شيئاً ولن تتغيّر المعادلة في جلسة 23 آذار إلا إذا أعاد الكثيرون النظر في مواقفهم.
من هنا لا يفيد الرئيس سعد الحريري أن يعلن أنه متمسك أكثر من أي وقت بترشيح النائب سليمان فرنجية لأن اختراق الحاجز الرئاسي يتطلب ربما التفكير بالعودة إلى خيار ترشيح العماد عون.
ولا يفيد “حزب الله” أن يستمر في تأييده السلبي للعماد عون بل عليه أن ينتقل إلى مرحلة التأييد الإيجابي وإثبات أنه يريد فعلاً أن تحصل الإنتخابات الرئاسية وأن يكون العماد عون رئيساً ولذلك عليه أن يقوم بخطوات عملية تصب في هذا الإتجاه.
ولا يفيد النائب سليمان فرنجية أن يبقى مرشحاً خارج الأكثرية المسيحية التي وحدها تؤمن الميثاقية والنصاب الدستوري بغض النظر عن عدد النواب الذين يحضرون إلى المجلس. وليس على النائب فرنجية أن يبحث منذ اليوم عن تحالفات انتخابية في كسروان وفي غيرها بحثاً عن أمل ضائع في تثبيت عملية الحضور على الساحة المسيحية. فإذا كان هذا الحضور ممراً إلى الشرعية الشعبية والدستورية فمن الأجدى أن يعود إلى دائرة القرار المسيحي وإلى البحث عن الطريقة الأفضل لعودة المسيحيين إلى دائرة القرار وليس إلى فرض ممثلين عن المسيحيين بقرارات غيرهم. وهذه المبدئية تبدأ من الإنتخابات البلدية وتمر بالإنتخابات النيابية وفقا لقانون انتخابات يؤمن صحة التمثيل المسيحي وصولا إلى رئاسة الجمهورية التي يجب أن تكون مسألة مسيحية أولا كما رئاسة الحكومة بالنسبة إلى السنة ورئاسة مجلس النواب بالنسبة إلى الشيعة وزعامة النائب وليد جنبلاط بالنسبة إلى الدروز ومن دون أن يعني ذلك أنها مسألة وطنية. فحتى تكون الرئاسة مسألة وطنية من الأولى أن يكون لها بُعدها المسيحي من أجل أن ينتظم عمل المؤسسات ومن أجل أن يكون الرئيس حاكماً وحكماً لا محكوماً ومعينا.
ولذلك إذا لم تحصل تغييرات أساسية في مواقف هذه الأطراف فإن الطريق إلى الرئاسة ستبقى مقفلة في ضوء صعوبة الجواب على سؤال أساسي: ماذا يرد “حزب الله” من تعطيل الإنتخابات ومتى يمكن أن يفرج عنها؟ وأي رد فعل سيقدم عليه العماد ميشال عون بعد الكلام عن موقف كبير بعد جلسة 2 آذار فهل آن الأوان للمواقف الكبيرة التي تصب في اتجاه ما تم التفاهم عليه في معراب؟