
أن يطلب رئيس حزب “القوات اللبنانية” من الجيل القواتي الجديد أنّ يتعرفوا على تاريخ الحزب فاصلة بفاصلة ليس تفصيلاً صغيراً في مسيرة نقول انّها مستمرّة منذ مئات السنوات نضالاً وتحديات تكبر حيناً وتخفت أحياناً، إلّا أنّ بقاءنا على هذه الأرض ليس صدفة ولم يكن من دون أثمان كبيرة دفعتها أجيال لتسلّم أجيال قادمة أمانة الحفاظ على لبنان. ننطلق من هنا لنروي بعض الفواصل والمفاصل التي رسمتها وعبرتها “القوات اللبنانية” في تاريخها الحديث لتكون عبرة لعشرات، بل مئات السنوات القادمة…

رفاق لكم أصيبوا ولم يستشهدوا فشهدوا للحق والتاريخ، ناضلوا حرباً ويستمر نضالهم سلماً، أجيال تُخبِر أجيالاً عن مقاومة الزمن الصعب كي يعتبروا منها أنّ حاضرنا ليس أصعب من ماضينا، وأنّ من واجه في الماضي يستطيع أنّ يواجه اليوم، أبناء القضيّة المقدّسة وحرّاسها يفتحون جراحهم ليخبروا عن قدسية أرواح الشهداء وندوب الجرحى وإعاقات الشهداء الأحياء، قواتيون ملتزمون يساهمون في تعريفكم على فاصلة من فواصل تاريخ الحزب…

نحن مدينون اليوم بوجودنا لمسيرة من التضحيات، دماء غالية سالت على الجبهات، دماء بريئة شريفة طاهرة عسكرية ومدنية دفعها المجتمع المقاوم ليحافظ على وجوده الحرّ وكرامة معتقداته وسيادة وطنه. لم تكن “القوات اللبنانية” عسكراً فقط آنذاك، لم ينزح الأهالي عن الجبهات بل حصّنوا منازلهم وصمدوا إلى جانب المقاتلين على الجبهات. شكّل الأهالي الدعم اللوجستي للمقاتلين، من تعبئة الرصاص في الأمشاط إلى عتالة صناديق القذائف إلى مرابض المدفعية، من إسعاف المصابين إلى تأمين الطعام، هذا هو المجتمع المقاوم الذي كان له الفضل في صمودنا تماماً كجهد مقاتلي “القوات اللبنانية” الأبطال.

في دردشة مع الرفيق فادي عازار، لا بدّ أنّ يجرفنا الحديث إلى الأحداث التي عاشها خلال حرب فُرِضَت علينا يوم تقاعست الدولة عن القيام بواجباتها وتقاعدت عن الدفاع عن اللبنانيين تاركة إياهم لمصيرهم الذي كان ليكون أسوداً لولا هؤلاء المقاتلين. أُصيب فادي أربع مرّات خلال مسيرته العسكرية وفي كل مرّة أكثر من رصاصة وشظيّة، وكان دائماً يعود إلى الجبهة بعد تعافيه، أسأله، ألم تكن تتردّد في العودة إلى القتال بعد الإصابات؟ يجيب: “شو هالحكي؟ غيري استشهد”، فهل من تضحية أعظم بالذات من أجل المجتمع؟ نعم، هناك تضحية أعظم قام بها فادي ورفيق له في يوم إختراق الأشرفية في 27 أيلول 1986، أُصيب فادي في يده اليمنى بالإضافة إلى شظايا في ظهره ورِجله جراء سقوط قذيفة قربهما وأُصيب رفيقه في كتفه الأيسر كما أصيبت فتاة في منزلها إصابة بليغة فما كان منهما إلّا أن حملاها كل منهما من الجهة السليمة وذهبوا جميعهم إلى المستشفى، أغمضت عيوني لفترة فتخيّلت المشهد كما لو أنّه من أحد الأفلام، أذكر هذه الحادثة للدلالة على تنشئة “القوات اللبنانية” وأخلاق مقاتليها…

تمتدّ الجلسة لتتجاوز وقتها بأوقات، ويستمر السرد، ولو شاء كل مقاتل أنّ يكتب عن تجربته لامتلأت الرفوف بأخبار بطولات لا تبتعد كثيراً عن الأساطير؛ للجيل الجديد يقول فادي إنّهم الخميرة الصالحة، نحن قمنا بواجبنا ومستمرّون، أنتم السهل الممتنع، “القوات اللبنانية” ليست حزباً، “القوات” ضمير، قد يكون نضالكم سهلاً نسبة إلى ايام الحرب ولكن مناعتكم لا تقلّ عن مناعتنا، إنتسبوا إلى فخر الأحزاب…

يُفترض أنّ اللقاء انتهى، يتدخّل أحد الحاضرين يقول والآن دوري أنّ أسألك، ما رأيك بالجيل الجديد وهل يستطيع المواجهة كما فعل فادي ورفاقه، أجبته: “أرجو صادقاً أن لا يتجرّعوا هذا الكأس وأنّ يبقى نضالهم سياسياً وسلمياً، ولكن لو لا سمح الله عادت الظروف نفسها فإنّهم سيقومون بالواجب بإحترافية وإلتزام ربما أكثر من الجيل السابق، لأنّ الجيل السابق حارب من دون أي تجربة سابقة، بينما الجيل الجديد سيجد نفسه محاطاً برجال متمرّسين وسيضع خبرته في تصرّفهم”. أسأل فادي: لو كُتِبَت عليك الخطى مجدداً؟ يجيب فادي تلقائياً: “نمشيها، يه!”.
كانوا شباناً في مقتبل العمر، منهم الطالب ومنهم العامل ومنهم ربّ عائلة، بدأت الحرب فكانوا أبطالاً وما زالوا.
إلى اللقاء في فاصلة أخرى!
