#adsense

على مرمى التكفير الإيراني!

حجم الخط

في الوقت الذي تشن إيران (وحرسها الثوري وحزبها الإلهي) حرباَ ضروساً على “التكفيريين” في سوريا واليمن والعراق وصولاً إلى لبنان، يبرز خبر فاقع يكرّس جديتها وأصالتها وأصوليتها المناهضة للتكفير: “أحيت 40 وسيلة اعلامية إهدار دم الكاتب البريطاني (من أصل هندي) سليمان رشدي صاحب “الآيات الشيطانية” وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية “فارس” ان مكافأة قتل رشدي ارتفعت من 3،5 ملايين دولار إلى 3،9 ملايين دولار بزيادة 600 ألف” والمعروف أن عمر هذه الفتوى المديدة يكاد يكون من عمر الثورة الإيرانية التي “خطفها” من أصحابها الامام الخميني . واليوم “التاريخي” المقدس الذي أصدر فيه الخميني تلك الفتوى هو الرابع من شهر شباط 1989 من خلال راديو طهران الذي قال فيه “انه يجب اعدام سلمان رشدي باعتبار ان ما كتبه هو اساءة للإسلام وفيه تجديف في المقدسات ومس بالرموز الإسلامية وصولاً ربما إلى الخميني نفسه. والمعروف ان هذه اللعبة أصابت حتى مترجمي الكتاب الذين تعرضوا لمحاولات اغتيال ونذكر كلاً من المترجم الإيطالي الذي اصيب بطعنات سكاكين والتركي وحتى الناشر النرويجي الذي أصيب بثلاث رصاصات في ظهره ونجا وقتل في هذه الموجة التكفيرية المترجم الياباني هيتوشي ايغاراشي… وبعد رحيل الخميني صرحت إيران عام 2006 أن فتوى اهدار دم رشدي “لا تزال نافذة” ولا يستطيع سحبها سوى صاحبها الذي توفاه الله… والوفاء بالوفاء.

ومن فصول هذه الحكاية “التكفيرية” انه أكثر من 20 محاولة جرت لقتل رشدي منها “عام 1989” ومنها بكتاب مفخخ حاول تمريره احد عناصر “حزب الله” وهو مصطفى مازح. المحاولة فشلت لأن الكتاب انفجر بشكل مبكر وقتل حامله ودمر طابقين من فندق بادينغتون في بريطانيا “ وفي عام 2005 جدّد خامنئي فتوى قتل رشدي بتهمة “الردة” (باعتباره مسلماً خرج على الاسلام). وفي عام 2007 أعلن رجل الدين الإيراني أحمد خاتمي ان الفتوى التكفيرية “لا تزال سارية” مؤكداً “انها غير قابلة للتعديل” وفي عام 1982 وعد الرئيس خامنئي بإلغاء الفتوى لتحسين العلاقة ببريطانيا. وفي عام 2015 قاطعت إيران معرض فرانكفورت الدولي للكتاب بسبب تكريم صاحب “الآيات الشيطانية”… وأخيراً وقبل أيام وفي عام 2016 رفعت جائزة قتل الكاتب البريطاني من 500 ألف دولار إلى 600 ألف على ان يدفع 30 ألفاً منها “الحرس الثوري” (رائع!).

 

[ لماذا؟

ما كنّا توقفنا عند هذا “التجديد الالهي” وتمسك النظام بالفتوى وبرفع سعر رأس رشدي لردته وتكفيريته لولا ان نظام الخميني… موصولاً بخامنئي لا يرفع اليوم شعار “مكافحة الارهاب” أو “مواجهة التكفيريين” وهنا لا بد من توضيح وجهة نظرنا في ما ورد في رواية رشدي التي تنتمي أصلاً إلى النوع الخيالي والترميزي والاحالة على التاريخ الاسلامي. فالكتاب بعدما قرأناه وجدنا انه فنياً من اضعف كتبه باعتبار ان رشدي من كبار كتاب القرن العشرين وروائييه خصوصاً في تحفته “أطفال منتصف الليل”. ووجدنا ان هذه الجهود التي بذلها “لتوضيح” بعض الأمور المتعلقة بالقرآن، وبآياته والملائكة والنبي والفساد والمسلّمات في مراحل الاسلام الأولى، غير “مفيدة” ولا تهمني شخصياً.. حتى الأفلام والروايات والمسرحيات التي تعرضت للمسيح مثلاً، وهي عديدة، وقلبت صورته وحياته رأساً على عقب لم تجذبني… (واليهود الهوليوديون لعبوا دوراً كبيراً في تشويه صورة المسيح”) ذلك ان مثل هذه المسائل “الدينية” لا تعالج بطريقة جرح مشاعر مليارات الناس المؤمنين. واظن ان سلمان رشدي مثلاً (وهذا ما قلت عندما سئلت عن رأيي بروايته) ان في العالم من البؤس والذل والقهر والظلم والفقر والأمراض ما يكفي لكي يوجه رشدي اهتمامه إليها. فالانسان هو جوهر الكتابة بقيمه المادية وروحه وحريته. بل انني عندما رحت أقرأ الرواية قررت مرات ان أتوقف بسبب ضعفها وبنيتها المهتزة وترادفاتها ووهن ايقاعها وتعثر سياقاتها. وأظن انه لولا فتوى الخميني هذه … لمرت الرواية في المكتبات “مرور الكرام”! بلا ضجة ولا تبجيل وبلا اقبال عليها. هذه الرواية كتبها رشدي.. وروجتها “الفتوى” التكفيرية. لكن لو تابعنا مراحل هذه الفتوى وردود فعلها وأشكال العنف التي رافقت “تنفيذها” واصرار “الملالي” على استمرار سريانها بإهدار دم صاحبها لم تكن الرد المطلوب. فالعنف المادي الرمزي، التكفيري، الذي اصاب رشدي والتهديدات (ومحاولة حزب الله التكفيري بقتله) ليست سوى ردود لا تليق لا بالإسلام ولا بتاريخه المضيء ولا برموزه ولا بفقهائه العظام ولا حتى بتلك اللحظات الفلسفية والفكرية والعلمية العالية التي حققتها الدولة الاسلامية حيث كانت بغداد العباسية “باريس” العالم بانفتاحها ومساحات الحرية المتوفرة للمجتمعات العربية وغير العربية، وذلك الشغف بالمعرفة والتفاعل بكل الانجازات العصرية.

 

[ نفي الموروث

ونظن أن اللجوء إلى التكفير (كما التخوين ايضاً) كأنه نفي لكل هذا الموروث “الديني” و”الثقافي” الجدالي والنقاشي والتأويلي. بل كأنما اختزل الخميني (وهو أول رواد التكفير الحديث بعد الاخوان المسلمين في القرن العشرين)، الإسلام كله برؤيته الأحادية، أو بقراءاته الواحدية، وتناسى انه ظهرت في الإسلام وعبر العصور العربية الذهبية، مدارس عدة فقهية وتفسيرية وتحليلية ونقدية وهذا دليل على الفن الذي يختزنه هذا الدين. لكن الخميني لم يبدأ بممارسة التكفير مع رشدي، بل سبق ان مارسه مع حلفائه الذين سبقوه في تحريك الثورة ضد الشاه، وخصوصاً، حزب توده، ومجاهدي خلق، والليبراليين والديموقراطيين والقوميين: استخدم مع حلفائه اللغتين التخوين بوصفهم عملاء للغرب، والتكفير بوصفهم علمانيين أو منحرفين عن الدين؛ وقتل منهم الألوف ونفى أو هجَّر عشرات الألوف.

إذاً التكفير يكمن في جوهر الخمينية، وهذا الإرث بالذات هو ما تمسك به خلفاؤه وخصوصاً خامنئي، لترهيب المعارضة المتنامية و”الثورة الخضراء” التي عالجتها السلطة بالتكفير والتخوين وقتلت الكثير من المتظاهرين السلميين. أو ليس هذا ما تعرض له بعض مؤسسي الجمهورية الاسلامية كرفسنجاني وكرّوبي والموسوي وقبلهم منتظري؟ إذاً سلاح التكفير التخوين موجه لقمع الداخل، بقدر ما هو موجه إلى الخارج: ولهذا اذا كان من يافطة ممكن ان تعلق على هذا النظام الاستبدادي الرجعي فتتكون من كلمتين “تكفيري تخويني”!

 

[ محاربة التكفيريين

لكن ما يدهش ان هذا النظام ذا القشرة المذهبية والجوهر الفارسي، يخوض اليوم حربه “الجهادية” في سوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين تحت يافطة “مكافحة الإرهاب” (وهو ارهابي حتى عظمه) ومواجهة “التكفيريين”… أف! والأدهش ان هذا النظام (وأطفال انابيبه من “حزب الله” اللبناني والحوثيين) وفي خضم “حروبه” ضد التكفيريين (ويقصد كل الاسلام السنة في العالم وهي معادلة تم الاتفاق عليها مع اسرائيل وبوش الابن ونظام الأسد!) يعلن تجديد الفتوى التكفيرية بقتل رشدي ورفع جائزتها! غريب! هكذا بلا حرج ولا خجل وهذا طبيعي لنظام قائم أصلاً على الازدواجية أي ما هو باطني، باطني وما هو ظاهري ظاهري! وهما لا يجتمعان إلا بإذنه تعالى!

 

[ بين التكفير والتخوين

لكن ما يثير العجب عند هذا النظام، انه جمع عبارتي التكفير (الديني) والتخوين (العلماني) في صوغ واحد؛ فالتكفير يعني التخوين وكذلك التخوين يعني التكفير والتكفير لمن يراه النظام “خرج” على الإسلام والتخوين لمن عادى “الشعب” ذلك. ان المرشد الحالي يحمل “الدورين” الصولجان السماوي القدسي والميزان الشعبي “الاستبدادي” وهذا ما عجز عنه ستالين وهتلر وماوتسي تونغ وبول بوت… الذين اكتفوا بنغمة “خيانة الشعب” فما أغنى لباب هذا النظام الذي، إلى منحاه التكفيري (غير الاجتهادي) يحارب العالم العربي والاسلامي بتخوينه كله. وهذا هو حسن نصرالله يهجو العرب والمسلمين بأنهم “تنابل” فاشلون… وقد لا يتورع عن تكفيرهم ذات يوم، وسبقته “فتاوى بتكفير” السنة”… وبتخوين العرب وفي الحالين هناك “القتل” اللامع في أسلحتهم وحرسهم الثوري وحزبهم الأثير… يريدون ان يدمروا كل ما هو إسلامي (سنّي) وعربي في هذه المنطقة من الأفراد إلى الشعوب، فإلى الدول، فإلى التاريخ، فإلى الجغرافيا… كل ذلك، تحت يافطة ان هؤلاء العرب، (النكرات بالنسبة إلى الفرس) لا يستحقون سوى الزوال والإبادة كالحشرات (فهم خارج التاريخ والحضارات حفاة عراة أكلة جراد وسكان صحارى) كما قال أحد قياديي الفرس. وهل يمكن أن ننسى في هذا الخضم ما مارسه حزب إيران على اللبنانيين على امتداد العشرين عاماً الأخيرة، من ارهاب واغتيال وتدمير وتخريب من الدولة إلى الاقتصاد إلى الوشائج الوطنية عبر كانتونه الانعزالي. وآخر ما لجأ اليه “الحزب التكفيري” المحلي تخوين الزميل علي الأمين واتهامه بالتعامل مع اسرائيل (وهل الحزب ضد اسرائيل في لبنان) (نتذكر فايز كرم والتنسيق الثلاثي الروسي الاسرائيلي الايراني في سوريا!) وليس كل ذلك (التكفير التخوين سوى آخر ادوات الارهاب التي تبقت للحزب بعد سقوطه في شوارع سوريا… وتصدع بيئته وتنامي المعارضة اللبنانية ضد سلاحه وجنونه وعمالته).

وهنا نشير إلى ان منابر الحزب التكفيري التخويني في لبنان لم تذكر تجديد فتاوى قتل سلمان رشدي لا في مناره “المظلمة” ولا على لسان مرتزقته. وهذا دليل على التناقض الذي يعانيه: فكيف يتوقف حزب يحارب التكفيريين (العرب طبعاً) ويضحي من أجل هذه “الجهادية” الوف الشبان الشيعة في سوريا وهو ينتسب روحاً وفكراً ومالاً إلى النظام التكفيري! انها المعادلة الهزلية الدموية: التكفيريون هم الذين يتصدرون محاربة التكفيريين وها هو شبح سلمان رشدي يحوم فوق رؤوسهم المعدنية ليؤكد المدى الشيزوفراني والفصامي والمرضي الذي بلغه الملالي… وعملاؤهم في لبنان!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل