#adsense

مأزق الميثاقية الوطنية

حجم الخط

عندما وضع المشرع الدستوري – دستور عامي 1927 وتعديلاته عام 1990 – لم يكن في باله ان يصل يوماً الاصطفاف السياسي والوطني الى حد ان تختصر احزاب وتيارات الطوائف والمذاهب في المشهد اللبناني، خصوصا لدى المسيحييين الذين كانوا على الدوام مثال التعددية الحزبية والزعاماتية .

الحقيقة ان كل من ينظر اليوم في مجال تفسير مفهوم الميثاقية تغيب عن باله عفواً او قصداً ان الميثاقية حالياً باتت مرتبطة ارتباطاً كاملاً بالقوة التمثيلية لتلك الاحزاب والتيارات بحيث لم يعد بالامكان لا بالمداورة ولا بالمناورة – تجاهلها او محاولة القفز فوقها – لتأمين مثياقيات من هناك او هناك لجلسة تشريع من هنا او انتخاب رئيس جمهورية من هناك .

ففي طبيعته كان الميثاق الوطني منذ بروزه تسوية طائفية مذهبية لتأمين مشاركة كل المكونات في الحكم والادارة وتسوية للعدول عن المطالبة الارثية بالحماية الاجنبية او بالالتحاق بوحدة قومية.

من هنا يمكن فهم خطورة غياب رئيس الجمهورية المسيحي الماروني عن ساحة الحياة الدستورية والسياسية والوطنية، لان في هذا الغياب ليس فقط تغييب لرأس الدولة وضابط ايقاعها، بل وبخاصة تغييب لمكون لبناني اساسي ميثاقي يؤدي ضربه يوميا الى ضرب مجمل التوازنات التي لطالما تحكمت بالصيغة اللبنانية للحكم وادارة شؤون البلاد والعباد.

عندما يشير الدستور في مقدمته الى ان “لا شرعية لسلطة تناقض العيش المشترك”، فانما يعني الشرعية المنبثقة عن توافق العائلات الروحية في قسمها الاكبر عددياً وتمثيلياً على السلطة وممارستها لا اللجوء الى “البدل عن ضائع” – فلا يمكن باي شكل من الاشكال الاستناد بالتالي ومع احترامنا الكامل لادوارها الوطنية  ووجودها – الى اقليات طائفية او مذهبية تتراوح نسبها باحسن الاحوال ما بين 10 و25 % من الصفة التمثيلية لاي طائفة او مذهب وبخاصة لدى المسيحيين للقول بتأمين ميثاقية جلسة انتخاب رئيس جمهورية – فكما لا يمكن للسنة تجاوز زعامة الرئيس سعد الحريري و”تيار المستقبل”  الذي هو الرقم الصعب والمحوري داخل الطائفة السنية، ولا تجاوز النائب وليد جنبلاط وحزبه وتكتله النيابي داخل الطائفة الدرزية، ولا الرئيس نبيه بري وحركته و”حزب الله” داخل الطائفة الشيعية، فمن باب اولى ان لا يمكن تجاوز تربع الثنائي المسيحي القواتي – العوني على عرش الزعامة المسيحية وبالطبع من الاعتراف بأحجام باقي الافرقاء داخل البيت المسيحي.

من هنا يجب ان يكف البعض عن “التذاكي” على المفهوم الحقيقي للميثاقية والعودة الى اساسها ومتطلباتها والتزاماتها، فان يحق للبنانيين مسلمين ومسيحيين انتخاب رئيس للجمهورية لا يعني ان يحق للبنانيين اختيار المرشحين المسيحيين للرئاسة الاولى،  تماما كما لا يحق للبنانيين مسلمين ومسيحيين اختيار من يترشح عن الطائفة السنية لرئاسة الحكومة او عن الطائفة الشيعية لرئاسة مجلس النواب – فالترشيح حكر على الطائفة اما الانتخاب فحق للجميع في الخيار بين من تختاره الطائفة للمنصب المنوط بها دستورياً وميثاقياً – حتى اشعار اخر – وهذه حدود اللعبة بكل بساطة – الى ان يزول النظام الطائفي وندخل عصر العلمنة الشاملة ويصبح لبنان دولة مدنية …

فبدل التلهي بتفسيرات واهية عقيمة وجانحة للميثاقية، فليشرع من بيدهم السلطة وحق المبادرة الى تطبيق احكام المادة (95) من الدستور في انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، علّى في تلك الخطوة ما يضع اللبنة الاولى على طريق الخروج من ميثاقية متعرجة. فالديمقراطية التوافقية لم تكن يوماً الا مرادفاً لميثاقية مهددة بالزوال والسقوط ما سبب ولا يزال ازمة شرعية نظام سياسي في ظل تعددية مذهبية وطائفية اوصلتنا الى تخلي البعض عن الصيغة التوافقية للنظام اللبناني تلك الصيغة التي تجسد تغلب ايديولوجية واحدة على حساب باقي الايديولوجيات المذهبية – لحساب الولاء للطائفة – ما خلق ولا يزال مناخاً من عدم الثقة بين المكونات الطائفية خصوصاً في ظل الدمج بين القوى السياسية وتمثيليتها الطائفية والمذهبية بحيث نرى اليوم ان طائفة معينة تكاد تهيمن اكثر من سواها على النظام السياسي ومفاصل الدولة لتلبية رغباتها ومطالبها مقابل. وقد اطلق عليها عالم الاجتماع السياسي ماكس فيبر مسمى “الشرعية التقليدية” بالمقارنة مع ما يسميها “الشرعية العقلانية” التي تنهل سلطة القانون والشرعية الدستورية تعبيراً عن ارادة المواطنين العامة بدل ارادة الطوائف والمذاهب .

فالميثاقية في مأزق ذو وجهين: مأزق التفسير ومأزق التكييف مع المعادلات الشاذة المتحكمة حالياً بالمشهد الوطني في ظل حالة الاهتراء المؤسساتية التي تعيشها الدولة. وفي كلتا الحالتين لا مناص من العودة الى النص الدستوري والى القناعة بأن الدولة ملك الجميع لا احتكار فيها وان لكل طائفة ومذهب من يمثلهما وعلى الجميع التعامل مع الحقائق حتى اشعار اخر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل