
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1550
لم تكن حركة 14 آذار مرتبطة بتاريخ بل بنهج سياسي حدوده التخلص من إحتلال النظام السوري والعبور نحو الدولة. كان مثل هذا التفكير في العام 1998 يشبه الحلم المستحيل ومجرد السير به ضربًا من الجنون. ولكن عندما ضرب الجنون في أكثر من مكان مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري بات تحقيق الحلم ممكناً وصار 14 آذار. بعد 11 عاماً على ذلك اليوم بات السؤال هل من الممكن العودة إلى 14 آذار؟ ومتى يكون 14 آذار الثاني؟ وهل يجب أن يكون العبور إلى مثل هذا اليوم بعد حفلة جنون؟
كان من المفترض أن تكون حكومة الرئيس تمام سلام حكومة 14 آذار لأنها قامت على أنقاض حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. فالرئيس سلام من 14 آذار وتسميته جاءت من لقاء 14 آذار في بيت الوسط وبعد اجتماعه مع الرئيس سعد الحريري في السعودية. ولكن المفارقة أن هذه الحكومة لم تستطع أن تحكم ولم تكن تحمل نهج 14 آذار وانتهت إلى ما يشبه ما انتهت إليه حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وهي اليوم كأنها تعيش آخر أيامها وهي باقية لسبب يتعلق بتعذر انتخاب رئيس للجمهورية. بعد 11 عاماً ليست 14 آذار في زمن 14 آذار.
في العام 1998 كان يتأكد تثبيت عهد الوصاية مع انتخاب العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية. ذلك العام جرت الإنتخابات البلدية وعلى رغم أن “القوات اللبنانية” كانت محلولة وقيد الملاحقة وقائدها سمير جعجع في السجن حققت نتائج كبيرة في معظم المناطق والبلدات المسيحية أدت إلى رد فعل من أجهزة عهد الوصاية ترجمتها بحملة اعتقالات. في تلك الإنتخابات لم يتوان الرئيس رفيق الحريري عن التنسيق مع الوزير فؤاد بطرس ليكون مجلس بلدية بيروت مناصفة بين المسيحيين والمسلمين وليضم إليه ممثلا عن “القوات اللبنانية” هو الوزير السابق جو سركيس. ذلك العام أيضاً لم يتوان النائب وليد جنبلاط عن إعطاء حديث إلى مجلة “المسيرة” ليعلن فيه خروجه من الخندق الذي كان فيه وليقول إن السياسة تحتاج إلى مغامرة مضيفاً أنه يعرف ما معنى أن يتحدث إلى “المسيرة” في تلك المرحلة موجهاً خارج المقابلة انتقادات لاذعة إلى النظام السوري خصوصًا في مسألة التمثيل المسيحي ومحاولة فرض أوصياء بالقوة على المسيحيين. تلك كانت من إشارات بداية 14 آذار. بعد ثمانية أعوام من بدء تطبيق الطائف السوري وفرض عهد الوصاية بدا وكأن لبنان لم يعد يستطيع أن يتحمل. النتائج الأولى لتلك التجربة كانت إبعاد الرئيس رفيق الحريري عن الحكم والإتيان بالرئيس سليم الحص رئيساً للحكومة ليكتمل عهد تركيب سلطة عهد الوصاية أمنيًا وعسكرياً وسياسياً.
في العام 2000 تجددت المواجهة. خاض الحريري وجنبلاط معركة الإنتخابات النيابية على أساس ما عرف بقانون غازي كنعان وحققا انتصاراً فرض عودة الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد السقوط المدوي لحكومة الرئيس سليم الحص وانهيار تجربة مصادرة القرار اللبناني بالكامل. تلاقى هذا الإنجاز مع وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد وانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان ونداء المطارنة الموارنة المطالب بسحب الجيش السوري وولادة لقاء قرنة شهوان وأحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة الأميركية وتنصيب بشار الأسد رئيسًا للجمهورية في سوريا خلفا لوالده.
من هذه التجربة كانت تولد 14 آذار. بدأت لقاءات البريستول تستولد معارضة تحت خطر تهديدات عهد الوصاية وبات واضحاً أن لبنان منقسم بين فريقين: الفريق الذي سيصبح لاحقاً 8 آذار والفريق الذي سيكون 14 آذار. وكان الصراع واضحاً حول ثلاث مستويات من السلطة: رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة. وبدا واضحاً أيضاً أنه على رغم أن ذلك العهد يمسك بالأجهزة الأمنية وبالمعارضين وبرئاسة الجمهورية وبالأكثرية النيابية وبالتشكيلة الحكومية كان خائفاً على نفسه.
في خضم تلك المعركة تم إبعاد الرئيس رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة في العام 2004. كان تم فرض التمديد بالقوة للرئيس إميل لحود على رغم صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الذي طالب بإجراء الإنتخابات الرئاسية وبسحب الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح “حزب الله”. وكان الرئيس رفيق الحريري سمع مباشرة من الرئيس السوري بشار الأسد بأنه سيهدم لبنان على رأسه ورأس وليد جنبلاط. عندما توجه الرئيس الحريري إلى قصر بعبدا ليقدم كتاب اعتذاره عن عدم تشكيل الحكومة “مستودعاً لبنان الوطن الحبيب بين يدي الله” كان يخرج من رئاسة الحكومة ولكنه يعلن في المقابل استمراره في الواجهة والمواجهة. وكان نظام الوصاية يستبدل خيار الحص بخيار الرئيس عمر كرامي على رأس حكومة أمنية كل رموزها من 8 آذار. كان هذا التغيير متلازمًا مع اتخاذ القرار باغتيال الرئيس رفيق الحريري وكانت المؤشرات بدأت مع محاولة اغتيال النائب مروان حماده أول تشرين الأول 2004. كانت انتخابات العام 2005 النيابية على الأبواب وكان الحريري أشهر مع وليد جنبلاط رفضهما للودائع السورية المفروضة على لوائحهما وأنهما في تحالف مع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ولقاء قرنة شهوان. اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 كان محاولة لاغتيال 14 آذار قبل أن تولد ولمنع تكوين أكثرية نيابية معارضة للإحتلال السوري تفرض عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة.
بدل أن تنتهي عملية الإغتيال بضبضة تحالف 14 آذار، تكرس هذا التحالف في 14 آذار. بدا واضحاً أن أكثرية الشعب اللبناني مع انتفاضة استقلال 2005 وليست مع خيار 8 آذار “شكراً سوريا” ولا مع خيار مقاومة “حزب الله” ومصادرته لقرار الدولة. نتيجة ذلك اليوم خرج الجيش السوري من لبنان. ولكن نظام الوصاية لم يستسلم وأعلن استمرار الحرب بمتابعة الإغتيالات وبمحاولة إعادة تسمية الرئيس عمر كرامي رئيساً للحكومة بعدما أجبر على الإستقالة في 28 شباط تحت ضغط الشارع. ولكن الشارع فرض مرحلة انتقالية مع نجيب ميقاتي على رأس حكومة انتخابات. هذه الإنتخابات أعطت الأكثرية النيابية لـ14 آذار وفرضت تسمية فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة. مشهد قادة 14 آذار في 14 آذار 2006 في ساحة الشهداء كان معبراً عن انتصار كبير انضم إليه سمير جعجع بعد خروجه من المعتقل ولكن المعركة كانت أكبر من تلك الصورة ومن كل ذلك الكلام الذي قيل في المناسبة.
حصلت حرب تموز 2006. حوصر السنيورة في السراي واتهم مع 14 آذار بالخيانة. بدأت حرب المحكمة الدولية. انتهى عهد إميل لحود. بدأ الفراغ في قصر بعبدا. وبقيت الحكومة على رغم استقالة الوزراء الشيعة مع وزير مسيحي. كانت هذه المواجهة استمراراً لزخم 14 آذار. لذلك اختار “حزب الله” الإنقلاب العسكري في 7 أيار 2008 من أجل فرض العودة إلى ما قبل 14 آذار إلى عهد الوصاية وإسقاط محاولة استعادة الجمهورية.
على أساس تسوية الدوحة انتخب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وعاد فؤاد السنيورة إلى رئاسة الحكومة بعدما سماه 68 نائباً فقط، على أساس أن تكون فترة رئاسته لتقطيع المرحلة وانتخابات العام 2009. هذه الإنتخابات أعطت 14 آذار الأكثرية النيابية. كانتخابات العام 2000 كان من المفترض أن يكون دخول النائب سعد الحريري إلى السراي كعودة الرئيس رفيق الحريري إليها. في 27 حزيران 2009 تم تكليفه بعدما سماه 86 نائباً. بعد شهرين ونصف قدم تشكيلته الحكومية فرفضها “حزب الله”. في 10 أيلول اعتذر. اعتذاره كان شبيهاً باعتذار الرئيس رفيق الحريري بعد التمديد للرئيس إميل لحود. مرة ثانية أعيدت تسميته ولكن بـ73 صوتا فقط. الرئيس رفيق الحريري عندما اعتذر كان يعترض على مثل هذه التخريجة في الإستشارات النيابية من خلال تجيير الأصوات لرئيس الجمهورية. على رغم ذلك مشى الرئيس سعد الحريري في التشكيل من أجل تقطيع المرحلة وكانت حكومة الشراكة الوطنية التي أعطي فيها “حزب الله” و8 آذار الثلث المعطل.
لم تستطع هذه الحكومة أن تحكم. عمل “حزب الله” كان يتركز على قاعدة ثابتة: “إذا لم نكن نمسك بكامل السلطة فعلينا أن نمنع غيرنا من أن يمسك بها”. على هذا الأساس كان الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري في 12 كانون الثاني 2011 باستقالة 11 وزيراً منها.
محاولة فرض تسمية الرئيس عمر كرامي خلفاً له كانت كمحاولة إعادة تكليفه برئاسة الحكومة في ربيع 2005. خيار “حزب الله” تسمية الرئيس نجيب ميقاتي كان كخيار فرض حكومة عمر كرامي في أواخر العام 2004 بعد اعتذار الرئيس رفيق الحريري. قبل الرئيس ميقاتي المهمة بعدما تم تأمين خروج النائب وليد جنبلاط من 14 آذار. 68 نائباً سموه مقابل 60 سموا الرئيس سعد الحريري. لم يغب أي نائب عن التسمية ولكن المسألة لم تكن مجرد تعداد للأصوات بقدر ما كانت خرقاً للإصطفافات الطائفية ومحاولة لفرض ممثل للسنة في رئاسة الحكومة لا توافق عليه الأغلبية السنية. كتجربة حكومة الرئيس سليم الحص بين العام 1998 والعام 2000 انتهت تجربة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في 22 آذار 2013. باتت الحكومة عبئاً على “حزب الله” الذي شكلها. وكان رفض التمديد للواء أشرف ريفي في قيادة قوى الأمن الداخلي أحد الأسباب التي أدت إلى الإستقالة ومن المفارقات أن ريفي استقال من حكومة الرئيس سلام بعد رفض إحالة قضية تفجيرات سماحةالمملوك إلى المجلس العدلي.
في 14 آذار 2016 تبدو 14 آذار متخلفة عن 14 آذار. ذلك اليوم رفع بعض الشباب يافطة كبيرة مكتوب عليها شعار معبّر “خلصت خلصت قصتنا”. طبعاً كان المقصود بتلك القصة قصة الإحتلال السوري وأن لبنان تخلص منها. ولكن في الواقع كان من المفترض أن القصة بدأت في ذلك اليوم ولكن ليس لتنتهي إلى فشل. 14 آذار اليوم لا تحتاج إلى تنازلات بل إلى عصب ما قبل 14 آذار. عصب رفيق الحريري وأعصابه عندما استمر في المواجهة مع وليد جنبلاط وهو مدرك أنه قد يكون شهيداً. عصب “القوات اللبنانية” التي لم تخرج يوماً من المواجهة ولم تتنازل ولم تتراجع لا قبل 14 آذار ولا بعده. إلى عصب شارع 14 آذار الذي لم ينهزم ولم يعلن تخليه عن رفضه لدويلة “حزب الله” ولمنعه انتخاب رئيس للجمهورية ولحؤوله دون قيام السلطة الفعلية والعبور إلى الجمهورية. وإذا بقي العصب لا تفتقر القضية إلى سبل جديدة للمواجهة. لذلك وبينما ينهار النظام في سوريا لا تجوز العودة الى التسليم بولاية “حزب الله” في لبنان حتى لا تكون 14 آذار شيئاً من الماضي بل تجديدًا للأمل بقيام الدولة.