
كتب أمجد إسكندر في “المسيرة” – العدد 1550
من اللحظة الأولى نجح التقليديون المسيحيون في وضع عون وجعجع في موضع الدفاع عن اتفاقهما، في وقت كان يملك الشخصان والحزبان كل مقومات الهجوم وإطاحة كل الحواجز على دربهما. المسألة ليست مسألة “ديكتاتورية” الأكثرية، أو عدم اعتبار للآخرين. الوجود السياسي لأي طرف مسيحي، هو أصلاً حق وليس مِنَّةً من أحد. المسألة أن “مصالحة معراب”، الخارجة عن السياق التقليدي للإصطفاف الناشئ منذ عشرة سنوات، تتعامل بطريقة تقليدية جداً مع الأحداث والأحزاب والملفات الشائكة. تكاد “مصالحة معراب” تدخل في دائرة الاستنزاف. فعون وجعجع يواجهان التقليديين المتضررين من اتفاقهما، على أرض هؤلاء التقليديين. والماضي المسيحي عَلَّمَنا أن كل حزب مسيحي غير تقليدي، انجَرَّ الى ملعب التقليديين ليدافع عن مواقفه، انتهت اللعبة لمصلحة التقليديين. في لبنان اختيار ساحة المعركة أهم من أسلحة المعركة.
حتى الآن، إعلامياً على الأقل، الزعيمان المسيحيان مُستَوقَفان عند جدل أرقام نسبة شعبيتهما، ونظريات أسباب دعم ترشيح عون.
استنزاف “مصالحة معراب” في ملفات غير جوهرية سيُفقِدُها “المومنتوم”. والرأي العام المسيحي يريد توظيف هذا “المومنتوم” في مسائل أبعد من ملف النفايات وتعيين موظف مسيحي والتباري في هجاء حكومة فاشلة. حتى في الاستحقاقات الآتية، يجب أن لا يكون مقصد القوات والعونيين من الإتفاق، الأهداف الإنتخابية فقط. لا في الرئاسة ولا البلديات ولا النيابة. حتى في الإنتخابات، كلما تأخرت مواعيدها، خَفَّ “المومنتوم” وكَبُرَ رقمُ “الخسارة في الأرباح المتوَقَّعَة”!
المطلوب من هذا “المومنتوم” أن ينكب على مسألة النظام بكامله. الرأي العام المسيحي يشعر بإنعدام أي بارقة أمل تلوح بالأفق ولو بعد عشرة سنوات. يعيش في الوهم، ويعيش في الخيال، من يعتقد أن شيئاً ما سيتغير نحو الأفضل ولو بعد عشرين سنة. هذا النظام لا يوَلِّدُ إلا الحيطان المسدودة. يكفي أن نراجع ما انتهت اليه فرصة 14 اذار العام 2005، لنعرف أن حتى هذه الفرصة، غير المسبوقة في تاريخ لبنان، انتهت الى ذكرى لا مفاعيل سياسية عميقة لها.
كيف سيواجه القواتيون والعونيون الرأي العام إذا كانت المشاكل بعد عشرة سنوات هي نفسها، والنقمة هي ذاتها؟ ستنقلب النقمة على حزبَي “مصالحة معراب”. وسيأتي من يقول “لماذا نلوم التقليديين؟”
سيصمد المسيحيون عشرة وعشرين سنة، إذا طرح عون وجعجع مشروعاً وطنياً تاريخياً غير تقليدي.
ولكن أن يموت المسيحيون بالتقسيط، وباليأس، وبالاستنزاف، في ظل اتفاق تاريخي بين عون وجعجع فهذا إعلان هزيمة تاريخية للمسيحيين.
في هذا المعنى، الخلاف السابق بين عون وجعجع سيبدو وكأنه كان رحمة، أمام فشلهما بعد اتفاقهما!
شيء من الروح التقليدية لا تزال تعيش في ثنايا هذا الاتفاق، بدليل أن الزعيمين لا يعتبران أن هناك حركة نشأت واسمها “18 كانون”، أسوة بما يُسمَّى “حركة 8 اذار” و “حركة 14 اذار”!
إذا ارتضينا أن نترك الأمور على ما هي عليه، يجب أن لا نستهجن مواقف التقليديين، أحزاباً وشخصيات، من كل خطوة يُقْدِمُ عليها عون وجعجع. ويجب أن لا نتفاجأ من أن التقليد سينجح في نهاية المطاف من تفريغ “مصالحة معراب” من الآمال المرجوة.