سرقة “14 آذار”

 

عشيّة ذكراها الحادية عشرة، تتجاذب “14 آذار” حالتان متعاكستان:

–  من فوق، مواقف والتزامات و”تحالفات” متناقضة، على خلفيّة تقديرات وقراءات موضعيّة تكتيكيّة.

–  ومن تحت، إرادة “أهل ثورة الأرز” المتشبّثة أكثر من أيّ عام مضى بأسس انطلاقتها وأهدافها، والناقمة على تشتّت قياداتها.

وكأنّ المعادلة باتت: خلاف فوق في التكتيك، اتفاق تحت في الاستراتيجيا.

للمرّة الأُولى، يحدث هذا التناقض بين “السياسة الواقعيّة” التي تنتهجها القيادات، والمواقف المبدئيّة التي تلتزمها قواعد “انتفاضة الاستقلال”.

والمشكلة التي باعدت بين القيادات محسومة: قضيّة الرئاسة الأُولى، وليس أيّ شيء آخر، بما في ذلك ملفّا الحكومة الراهنة وقانون الانتخاب وسائر الخلافات الفرعيّة القابلة للنقاش الهادىء والمعالجة.

هذا لا يعني أنّ الرئاسة تندرج في إطار التكتيك وليس الاستراتيجيا.

ولكن، ما يؤكّد أنّ الخلاف محصور في بند الرئاسة وذيول ترشيحاته، هو تطابق مواقف جناحَي، أو أجنحة 14 آذار، في القضايا المحوريّة، كمسألة سلاح “حزب الله”، وتورّطه في حروب المنطقة، وتصنيفه إرهابيّاً، وأولويّة علاقات لبنان مع العرب، خصوصاً السعوديّة ودول الخليج، فضلاً عن التزام القرارت الدوليّة.

في هذه القضايا، لا “حائط عمار” بين سعد الحريري ومرشّحه سليمان فرنجيّة، ولا بين سمير جعجع ومرشّحه ميشال عون. فالمرشِّحان في واد والمرشّحان في واد آخر، كخطّين متوازيين لا يلتقيان، ولو بإذن ربّ هنا أو هناك. وقد استمرّ مرشّح في التزام “تكامله الوجودي” مع نصرالله، والثاني اعتباره “سيّد الكلّ”.

واتّضح بالملموس أنّ الترشيحّين يدوران في حلقة مفرغة رسمها حليفهما “حزب الله”، وورقة أحرقت أُخرى، والفراغ يتمدّد، والمؤسّسات تزداد تعطيلاً وانهياراً.

وقد التقى طرفا 14 آذار، الحريري وجعجع، على حقيقة لعلّهما يُدركانها كلٌّ من موقعه، هي أنّ انتخاب الرئيس سيكون حكماً هذا الربيع. جعجع سبق إليها منذ 3 أسابيع، وأكّدها الحريري منذ يومين.

وإذا أسندنا تفاؤلهما إلى معرفتهما ببلوغ الترشيحين الحائط المسدود، خارج بوانتجات الأرقام الباردة أو الساخنة، نصل إلى استنتاج بأنّ الكرسي الرئاسي تنتظر اسماً من غير مرشّحي التحدّي.

 وهذا هو الاتجاه الغالب الآن لدى طابخي الملفّ الرئاسي وتسويات المنطقة في لبنان والإقليم والعالم.

ولذلك، يجب أن ننتظر مواقف سياسيّة تصعيديّة ممّن احترقت ورقتهم الأخيرة، قد تبلغ حدّ الحالة الشمشونيّة في محاولة جديدة لهدم الهيكل السياسي اللبناني على رؤوس الجميع.

فحين يبلغ اليأس سنّه السياسي، وتبلغ الحشرة حدّ انهيار الحلم المزمن بالرئاسة، وحدّ التخبّط في الأزمة الداخليّة للعائلة والحزب، وحدّ الفشل في تقديم أيّ جديد للمسيحيّين في زمن “وحدتهم”، يصبح أيّ موقف متهوّر منتظراً، بما في ذلك إحياء فكرة التقسيم تحت عنوان الفيدراليّة، بعدما سقطت كلّ الأوراق الفارغة الأُخرى مثل انتخاب الرئيس من الشعب أو مجلس نوّاب مُبكر، وكان آخر “الإبداعات” المرتجلة انتخاب النوّاب في صندوق جانبي مع انتخاب البلديّات!

ولا شكّ في أنّ الذهاب بعيداً في هذه المحاولة “الانقلابيّة” سيُحرج أكثر من طرف في صفّ الحلفاء السابقين أو اللاحقين، وسيكون من خارج السياق العام، أقلّه الآن، في لبنان والمنطقة.

وليس سهلاً السير بلا ضوابط ولا بوصلة في العتمة التي تقود من جديد إلى نفق جرّبه المسيحيّون مراراً ودفعوا ثمنه غالياً، منذ 40 عاماً إلى الآن، تحت الشعار القاتل “حلف الأقليّات”. وقد كانوا “موحّدين” حينذاك أكثر من اليوم!

وأسوأ ما في هذا “الانقلاب” المتوقّع قريباً، هو أنّه يستظلّ مناسبة “14 آذار” التي انقلب عليها قبل 11 عاماً، في محاولة سافرة لسرقتها بحجّة السبق إليها قبل 27 عاماً تحت مسمّى “حرب التحرير”.

وهذا يقتضي حالة تنبّه واستنفار قصوى لدى قيادات “14 آذار” وكادراتها وقواعدها، كي تكون هناك فرصة لإعادة تركيزها على أسسها الثابتة، وتكون الانتخابات الرئاسيّة التي فرّقت، حافزاً للتضامن من جديد وتوحيد الموقف في “انتخابات نيسان”!

وعلى قاعدة “ربّ ضارّةٍ نافعة”، يكون التصعيد السياسي من خارج السياق العاقل، دافعاً لجلسة عصف فكري تُنتج مخارج وحلولاً من شأنها إنقاذ لبنان من المنحدر الأخير الذي يدفعونه إليه.

فحذارِ التمترس وراء المواقف الجامدة في الترشيحات.

وحذارِ الانزلاق في المشاريع القاتلة للبنان وأقليّاته، ولو تحت يافطة التحالف المسيحي.

وحذارِ سرقة “14 آذار” بشهدائها ورؤيتها الوطنيّة الصافية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل