#adsense

جوهر السلطة في المسيحية

حجم الخط

 

السياسة هي فن إدارة المجتمع والمدينة، وأجد أن البحث فيها لا يبدأ من تقنياتها ورجالاتها وإطاراتها بل يبدأ من المفاهيم، وعلى رأسها، مفهوم السلطة أو مبدأ السيادة وجوهرها وأصلها، ليصل إلى مناقشة لمن أعطيت وكيفيّة ممارستها. للبعض السلطة هي وسيلة الحاكم لممارسة النفوذ بالقهر أم بالرضا على الرعية، لكن التعريف الإيجابي للسلطة هو انها تلك القدرة على تقرير أمر ما بشأن الجماعة وخيرها.

في الكتاب المقدس نرى الله يخلق الإنسان على صورته ومثاله كائناً سيداً سلّطه على الأرض وما فيها وذلك بفعل إرادة واعية وحكيمة منه. إذاً الله افتعل السياسة في المجتمع البشري الَّذي صمّمه وخلقه ليكون مجتمعا سياسيا لإنسان سياسيّ يمارس السِّياسة أو قُلْ التحكّم والسيادة والرّبوبيَّة على الخليقة. بهذا تكون السِّياسة من هبات نعمة الله للإنسان في الأرض ليتدبّر شؤونه فيها. ونخلُص أيضا إلى الاستنتاج إنّ الإنسان ليس الملك الأصيل، وكل ما عنده من سلطة مستقًى من الله صاحب السلطان المطلق، وبها يتسلّط على الأرض ومواردها ويسوس العائلة البشرية تحت سيادة الله. لذا تبقى سيادة الإنسان محدودة وغير مُطلقة وتستند إلى سيادة الله لتقوم بأفعالها.

اللافت في موضوع منح الله للسلطة للإنسان أنه أعطاها لآدم وحواء معاً. وهذه كانت بداية المجتمع البشري الَّتي تحكم على الإنسان أن يكون كائنًا اجتماعيًّا يمارس السلطة التشاركية، فآدم لا يقدر أن يعيش وحده، ولا يقدر أن يهتمّ بالأرض وبمواردها ويُنتج في معزل عن غيره. فهو في حاجة إلى تبادل الخدمات والأعمال والتعاون مع الآخرين في تدبير شؤون الأرض من اجل الخير العام.

واستمرّ انتقال هذا التكليف السلطوي المعطى من الله عبر الأجيال مع تنوّع أشكال الممارسة السلطوية. فالبشر يحتاجون إلى السلطة إذ لا يستقرّ مجتمع من دون حكم وحكّام. أمّا التبشير بزوال السلطة لصالح مجتمع مثالي فهو ضرب من ضروب الأحلام الطوباوية التي لا تتحقّق بل تفتح الباب للفوضى والخراب والجنون. والاتكال على سلطة جائرة أو مجنونة أو غبية أو شريرة أو ضعيفة يقود للنتيجة عينها، وبالتالي لا مناص من سلطة رشيدة تدبّر الشأن العام في الجماعة الإنسانية.

وبظنّي أنّ البحث في مفهوم السيادة هو بحث روحي صافٍ. فمفهوم السيادة نابع من شخص الله السيّد. ففي الذات الإلهية تكمن السلطة والمجد والقوة، حتى إن اللاهوتيين الباحثين في جوهر الذات الإلهية يصلون للاستنتاج أن سيادة الله هي الموضوع الأساس في اللاهوت كلّه. وهنا في البحث في سيادة الله نرى الخالق يقول فيكون، ويضبط الكلّ بكلمة قدرته، ويمسك التاريخ ومجرياته بكاملها فهو الألف والياء، البداية والنهاية.

ولفهم موضوع السلطة والسيادة قد يفيدنا ان نراجع المحادثة بين يسوع وبيلاطس عندما سأله “أما تُكلّمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلِبَك وسلطانًا أن أُطلقَكَ؟” عندذاك، وأمام مفهوم خاطئ للسلطة، وجَدَ يسوع نفسه مُضطرًّا إلى أن يُعلّم بيلاطس، الآتي من روما التشريع والعسكر والقيصر المؤلَّه، أنّ هناك سلطة أعلى منه وهبته هذا السلطان، وأن سلطته محدودة أمام سلطان الله: “أجاب يسوع: لم يكن لك عليَّ سلطان البتّة، لو لم تكن قد أعطيت من فوق”. يسوع لم يناقش كيف أخذ بيلاطس ولا هيرودس ولا قيصر سلطتهم ولكنه اعترف أنهم أعطوا سلطة من فوق. هذا ليس تأييداً لهم كأصحاب سيادة مطلقة بل اعتراف بالسلطة الموجودة في مؤسّسات الحكم في الأرض أيّ كان شكلها.

ونحن اليوم لا نؤيد مفهوم احتكار السلطان في ملكيّة مُطلقة أو في دولة استبداديّة، بل نؤيد الحكومة المقيّدة والحكم المحدود. فالدَّولة المعاصرة تبنى سلطتها على أساس “التعاقد والتفويض” على ما يقول ناصيف نصّار، أو “الميثاق الاجتماعيّ” كما يُسمّيه كلّ من سقراط وجون لوك وجان جاك روسو. فممارسة السُّلطة وفرض القانون في الدَّولة الحديثة يستوجبان طاعة المواطنين الحاكم بإرادتهم الحرّة. وبالتالي الحاكم لن يكون أبدًا “السَّيِّد المُستبدّ” الَّذي يفرض القانون فرضا بل هو “الضامن” لحكم القانون و”الخادم” للشعب.

ونعود إلى الفيلسوف اللبناني نصّار، الَّذي يُعيد البحث إلى مناقشة حدود السُّلطة السياسيَّة حيث “لا سلطة مُطلقة إلّا للكائن المطلق. فكلّ سلطة في دنيا الإنسان سلطة نسبيّة ومحدودة” وتلتزم حرِّيَّة الأفراد وصون كراماتهم ومفهوم سيادة الشعب، على عكس الحكومات التوتاليتاريّة حيث تكمن السُّلطة (المطلقة) في الحكومة وليس في الشعب. التشديد على محدوديّة سلطة الدَّولة يفرض أيضًا محدوديّة سلطة الحاكم. فالحاكم لا يحقّ له أن يختزل سلطة الدَّولة بشخصه، ولا تتجاوز سلطته سلطة الدَّولة ولا تتماهى معها، ولا يحقّ له أن يحتكر النشاط السياسيّ لشعبه ولا أن يلغيه، كذلك لا يحقّ له أن ينتهك الحقوق الطبيعيّة والسياسيَّة للأفراد. وبناء عليه، لا يقدر المسيحيّ أن يقبل سلطة مُطلقة للحاكم وللحكومة وللدَّولة، ما دام يعترف بأن الله هو السَّيِّد المطلق في مملكة الناس، وهو لا يُجيّر سلطته المطلقة هذه لأحد.

والحكومة المحلية أو الوطنية ليست بلا محدوديّة سياسيَّة أيضًا، فهي هشّة أمام القوى السياسيَّة المكوّنة لها وأمام الأحزاب والقوى المعارضة مهما حاولت ضبطهم أو قمعهم. وهي محدودة أمام الضغوط السياسيَّة والاقتصاديَّة والعسكريّة الخارجيّة. ويبقى عنصر آخر يؤكّد محدوديّة سلطان الحاكم ألا وهو شخصه البشريّ المحدود إذ يقف في ظروف كثيرة عاجزًا عن تسيير الأمور أو التأثير أو حتّى معرفة أدنى الأسرار وأعتى المؤامرات الَّتي تُحاك ضدّه في الخارج والداخل. كلّ هذه تؤكّد أن الحكومات ليست مطلقة السُّلطات ولا يجوز لها أن تتصرّف على هذا الأساس.

وهذا ما أظهره اللاهوتي السكوتلندي صموئيل راذرفورد (1600-1661) في كتابه Lex Rex أي “القانون هو الملك” حيث نادى بحكومة مدنيَّة محدودة أو مُقيّدة تأخذ سلطتها مباشرة من الله وليس من أيّ طائفة دينيّة، وتُحَدّ بحدود الدستور والقانون الَّتي تُحدّد قواعد المحاسبة والمُساءلة. كذلك آمن راذرفورد بأن سلطة الشعب، وكذا سلطة البرلمان، أعلى من سلطة الحاكم، وفي حال أساء الحاكم الأمانة أو جنح واستبدّ ولم يعدل وحرم الناس السلام والخير أو فشل في ممارسة الحكم، يمكن الشعب أن يستردّ سلطته المفوّضة للحاكم عند الانتخابات. وقد نجحت فلسفة راذرفودر في تحديد عمل الإدارات والسياسات في بريطانيا وأميركا وأثّرت مباشرة في صوغ القوانين فيها.

وبالختام، أقول أنه وحتى في هذه السلطة المحدودة والمقيدة والتشاركية يبقى الناس بحاجة لنعمة من هو أقوى منهم يساندهم ويعينهم وينجح طرقهم. وهنا أحكي عن أمر عجيب غير متداول به في  قواميس العلوم السياسية ألا وهو أمر النعمة العامة التي لولاها لفشل كل مجتمع في إدارة نفسه. هكذا أفهم ما قاله الملك سليمان وعن خبرة طويلة في الحكم: “إن لم يبنِ الرب البيت، فباطلاً يتعب البناؤون. إن لم يحفظ الرب المدينة، فباطلاً يسهر الحارس.” نحن وحدنا لا نستطيع ان ندير أمورنا الشخصية فكيف بعد أمور مجتمع تعددي ومعقّد وبمشاكل متنوعة. نحن نحتاج بعضنا إلى بعض، ونحتاج إلى نعمة الله وإلى معونته في عيشتنا المشتركة وفي تشاركنا في السلطة وإدارة مجتمعنا في مواجهة أعاصير الحياة أو حتى لصنع نجاحاتنا.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل