عراقيو لبنان يحلمون بمعاملتهم كالسوريين

وكأنهم يقبعون في محطة قطار لن يأتي، أم على الأقل ستطول المدّة قبل مجيئه. هم ليسوا أبناء سوريا لكنّهم ينتظرون أن تُحلّ أزمتها، فيعود القليل من التركيز على أوضاعهم لا سيّما وأن همومهم قد وضعت على الرّف، كما يقولون. حطّوا رحالهم في لبنان كمحطة ينتقلون منها إلى حياة جديدة، آمنة وهادئة. فرّوا من عراقهم على أثر الاضطهاد الذي طاردهم في قراهم وبيوتهم فشرّدهم وفرّق عائلاتهم. يعوّل البعض منهم على دينهم المسيحي كتأشيرة مميزة تسهّل انتقالهم إلى الغرب. لكنّ في الغالب لا يطابق حساب الحقل حصاد البيدر، فيمكثون في البلد الصغير بانتظار أن تشملهم كوتا الدول الأجنبية. هذا ما يروونه عن أيامهم الصعبة في لبنان، عن حياة من دون أفق، عن تعليم وعمل من دون أمل، عن أيام رمادية تمرّ ثقيلة وطويلة بانتظار أن تشرق الشمس من جديد.

هم لاجئون عراقيون يعيشون على إيقاع المساعدات التي تؤمنها لهم «المفوضية العليا للاجئين» والكنائس والجمعيات التي ينتمون إلى طوائفها. هم عراقيون تمزّقهم يومياً وعود التوطين في بلدان ثالثة من جهة، والخطاب الأزلي بضرورة التمسّك بأرضهم وبشرقهم من جهة ثانية. ولكن عن أي أرض وأي شرق يسألون. يقول جريس توما «قسّموا عراقنا وشرّدونا واضطهدونا فكيف يمكن أن نفكّر بالعودة إلى حيث النار والجحيم». هو مثل غيره كثيرين، لم يعد الخطاب الديني المسيحي يدغدغ مشاعره لدرجة ثنيه عن التفكير في الهجرة إلى بلد غربي. يقول: «لا يمكن لعائلة أن تكبر وتنمو على وتيرة المساعدات الإنسانية، التي تأتي يوماً وتغيب أياماً». هو يطرق جميع الأبواب التي يمكن أن تُفتح على بلد جديد، حتى أنه فكّر في الهجرة غير الشرعية.

لم يجرؤ أي من العراقيين أن يفصح عن اسمه الحقيقي للتحدّث عن أوضاعهم في لبنان. بعضهم استعار من الأسماء ما يمكن أن يقيه أي زلّة قد تدخله في ما لا يحمد عقباه، وبعضهم أراد إخفاءها لأنه لا يشبه نفسه في لبنان، أو على الأقل لا يرى في صورته الإنسان الذي يودّ أن يكونه في العراق أو في أي بلد آمن آخر. لهذا يمسح عزيز وجهه بيديه بحركة سريعة ويقول: «حين انظر إلى المرآة أشعر أن وجهي قد تبدّل، ليست المسألة موضوع سنّ وتجاعيد، بل نفس تتكسّر كل يوم. إبنتي ما عادت ترتاد الجامعة، وكان قد بقي لها سنة على التخرّج في الحقوق. هربنا من العراق إلى سوريا وبعدها إلى لبنان منذ سنة، وكنّا ندرك من الأهل والأصدقاء أن مكوثنا فيه قد يطول. وها هو قد طال بالنسبة لي لأنني ما كنت أحسب يوماً أن أعلّق حياة أولادي ولو ليوم واحد». يرتاد أبناء عزيز الثلاثة الصغار المدرسة في لبنان، وقد ساعدته في ذلك الكنيسة و «هم سعيدون، ولكن ماذا بعد المدرسة، وماذا لو لن يتمّ قبولنا في بلد آخر؟»، يسأل.

حين أتى إلى لبنان كان عزيز مثقلاً بهمّ لمّ شمل العائلة من جديد، وعنى بهذا شقيقيه وعائلاتهما ووالدتهم. بعد شهرين لحقه شقيقه الأصغر، المهندس تامر، ومن حسن حظّه تمّ قبول ملفّه للهجرة إلى أستراليا منذ أيام. يظنّ عزيز أن شهادة أخيه سرّعت في قبوله، ويعلّلها بـ «هجرة الأدمغة». فشل لمّ الشمل الذي حلم به، ولو أنه فرح لأخيه، لكن ما زال نصف العائلة الآخر في العراق يعاني من الاضطهاد والخوف.

في لبنان عائلات عراقية عديدة تنتظر «قطار» الهجرة، عقلها في الاغتراب وقلبها في العراق، حيث ما زال يعيش أفراد من العائلة. أما هنا في لبنان فالحياة متوقفّة، أو بتعبير «متسامح» متبدّلة. فهنا يعمل ثلاثة مهندسين في النجارة، ومدرّسة في معمل للحياكة، وربّة المنزل التي كانت مكتفية في تنظيف المكاتب… وجميعهم في خطر كما عبّر منذ نحو الشهرين مطران الكلدان ميشال قصارجي خلال مؤتمر صحافي، أراده لحثّ الدولة اللبنانية والمفوضية وفاعلي الخير على النظر إلى اللاجئين العراقيين في لبنان. وقد ناشد يومها مراكز القرار «معاملة المهجّر العراقي، على الأقل، كما يعامل المهجَّر السوري».

هكذا يبدو أقصى طموح العراقي في لبنان أن يعامَل معاملة اللاجئ السوري. والمقصود بذلك أن يحتضن من قبل «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين»، كما من قبل الدولة اللبنانية. فهم أيضاً يعانون من الجوع ومن إيجارات الغرف المرتفعة ومن العمل بالأسود ومن ضيق أفق الحياة، «فإذا كان لسوريا بعض من الأمل فإن العراق قد تفكّك وانتهى»، يقول المهندس يوسف.

يروي هذا الشاب أنه تمّ قبول نصف عائلته للهجرة إلى الولايات المتحدة، لكن رُفض طلب النصف الآخر، فوقع في حيرة «أيطلب اللجوء إلى بلد آخر أم ينتهز الفرصة ويهاجر وشقيقه وشقيقته فيبقى أهله وشقيق وشقيقة آخرين في لبنان». يرى يوسف في الموضوع مشكلة ومأزقاً أبدياً، لأن العائلة سوف تنفصل عن بعضها وسيعاني نصفها من الذل والحرمان، لأنه سيكون على من بقي من إخوته الاهتمام بأهله والعيش رهن ظروف البلد وظروف الجمعيات المساعدة.

يعتبر الشاب أن الكنيسة والجمعيات المهتمة بالشأن العراقي تقوم بعمل جبّار لمساعدة العراقيين في ظلّ أزمة اللجوء السورية وما يُحكى عن تعب المانحين. لكنّه كما داليدا الشابة التي تعمل في إحدى المدارس، يؤكد أن الكنيسة والجمعيات لا تضغطان بالجهد المطلوب لإعادة توطين العراقيين. هما يتفهّمان أنه لا يمكن للسلطة الدينية ان تتبنى خطاب الهجرة وتطالب بها، «لكن ما عدنا نقوى على المقاومة لا في العراق ولا في لبنان. وإذا كانت الكنيسة تريد بيعة لتبقى راسخة في هذه الأرض فعليها أن تضغط لتحسين أوضاعنا مع الجهات المختصة» تقول داليدا. وتلفت انها تحلم اليوم أن يُعامل اللاجئ العراقي كما يعامل اللاجئ السوري سواء من قبل الحكومة اللبنانية أم من قبل الدول المانحة والأمم المتحدة.

وقائع وأرقام

يهتمّ الأب دنحا توما يوسف بالعراقيين الكلدان، يتابع شؤونهم بين العراق ولبنان. يروي قصص الاضطهاد في سهل نينوى والموصل ويشير إلى أن الخوف كبير وعارم. يقول إن عدد العراقيين في لبنان وصل إلى 50 ألف عراقي من بينهم 15 ألف كلداني. ويؤكد أن الأرقام تتبدل وتتفاوت وفق حركة النزوح من العراق والهجرة إلى بلدان أخرى، وأنهم يصلون في الغالب إلى لبنان عبر مطار بيروت من خلال تأشيرة سائح. ويذكر أنه تمّ توطين نحو 50 عائلة عراقية في سلوفاكيا عن طريق كنيسة الموصل، كما احتضنت فرنسا عدداً مشابها من العائلات مباشرة من العراق. وهو لم يخف التواصل مع سفارات مختلفة مثل استراليا وكندا لاحتضان العراقيين، وقد «وعدت استراليا باستضافة 12 ألف عراقي من لبنان والأردن وتركيا، تبيّن في ما بعد أن بينهم سوريين»، كما يقول.

في المقابل لفتت مصادر مطلعة، أن أستراليا قد رفعت من نسبة استضافتها للعراقيين وأن الدول الأوروبية بدأت تحذو حذوها، خصوصاً مع ارتفاع النقمة على احتضانها للاجئين سوريين.

يعتبر رئيس الرابطة السريانية أن العراقيين في لبنان «أيتام» وأن لا أحد يهتمّ بهم لا الدولة اللبنانية ولا أي دولة أخرى. ويلفت إلى أن ميزانية الرابطة لا تتعدّى المئتي ألف دولار في السنة وهي تعيل نحو 3 آلاف عراقي من أصل 15 ألف في لبنان.

ويشير افرام أن غالبيتهم مسجّلون لدى مفوضية اللاجئين، مؤكداً أن الرابطة تعمل دائماً على تسوية أوضاعهم القانونية لجهة الإقامات وغيرها. ويقول: «لا يمكننا تشجيع العراقيين على ترك أرضهم، لكن الواقع يفرض عليهم التفكير الدائم بالهجرة، وها هم 60 إلى 70 في المئة من مسيحيي العراق قد تركوه».

16889 لاجئاً عراقياً

يشير اللاجئون العراقيون إلى أنهم ينتظرون شهوراً طويلة قبل أن يتمّ تسجيلهم في «المفوضية العليا لشؤون اللاجئين». وهذا ربما ما يعلّل تفاوت الأرقام بالنسبة لأعدادهم في لبنان بين جهة وأخرى.

من جهته، يؤكد المكتب الإعلامي للمفوضية أن هناك 16889 لاجئاً عراقياً مسجلا لديها، وهم يشكلون ثاني أكبر جنسية للاجئين في لبنان (غير الفلسطينيين) و84 في المئة من مجموع اللاجئين غير السوريين المسجلين لديها. وقد شهد منتصف العام 2014 حتى نهايته توافداً كبيراً للعراقيين، بسبب الأحداث في بلدهم، فكان يصل إلى لبنان نحو 1200 عراقي كل شهر. وهي وتيرة انخفضت إلى نحو 380 عراقياً في الشهر في العام 2015.

وبلغت، وفق المكتب، الحصّة المخصصة لإعادة توطين العراقيين في بلدان ثالثة 1300 شخص في العام 2015، وهي الحصّة التي تحددها بلدان إعادة التوطين نفسها. علما أنه بين عامي 2007 و2015 غادر أكثر من 12 ألف و300 عراقي إلى بلدان ثالثة.

وتؤكد المفوضية أن العراقيين المسجلين لديها يستفيدون من برامجها المختلفة ومنها برنامج الغذاء، والتعليم والرعاية الصحّية الأولية والثانوية.

المصدر:
السفير

خبر عاجل