#adsense

من اجل قيام الدولة الوطنية

حجم الخط

في زمن بذوغ فجر إعلان الفدراليات والدول الناشئة في المنطقة، واذا اردنا التفكير بمستقبلنا ومستقبل احفادنا في ضؤ التجارب السياسية والوطنية التي مررنا بها ولا نزال، فلا بد أن نطرح على سلم اولوياتنا كيفية اعادة بناء كيان “دولتي” وطني لبناني، بعد كل هذه التفككات والنتؤات والتمزقات والتشوهات التي عانت منها التركيبة اللبنانية على مر السنوات والتي لا تزال تعاني منها حتى اللحظة، لدرجة سقوط معالم الدولة المؤسساتية السيدة والمستقلة كافة، وقد اصبح اللبنانيون يربطون مصيرهم بمصائر شعوب ومعادلات المنطقة، وكأن لبنان بات تابعاً جغرافياً وسياسياً للاخرين، فتحولت تعدديته الحضارية والفكرية والسياسية من نعمة الى نقمة… فانقسام وتشتت…

الدولة فكراً وتكويناً باتت المنكوبة الاولى، فبقدر ما يفترض بها ان تكون تعبير عن الارادة العامة للمجتمع كما يقول جان جاك روسو، باتت في وضعنا الحالي تعبير عن ” لا ارادة ” مجتمعية في قيامها لدى قسم من اللبنانيين.

وبقدر ما هي تجسيد لسعي روح العقل نحو غاية واحدة هي الحرية، كما يقول هيجل، اذا بقسم من اللبنانيين يسعون الى اخضاع حريتهم لاارادة الغير، وتكييف حريتهم مع متطلبات مصالح الغير، ما افقد حرية اللبنانين والوطن كافة مقومات النهوض السيد والمستقل.

بعيداً عن البحث في الاشكال العلمية الشهيرة حول السؤال الكبير المطروح في الفسلفة السياسية السوسيولوجية، عن دور الدولة كإطار طبيعي لأي مجتمع، او كاداة سيطرة فريق على المجتمع الانساني، الا ان ثمة ثوابت يجب ان يعيها كل اللبنانيين لضمان استمرار الكيان ” الدولتي ” ولضمان الاحتفاظ باللبنان التي منها يمكن اعادة بناء دولة قوية قادرة وحديثة:

اولاً: يجب التصدي بكل صراحة للسؤال الاساسي “هل نريد لبنان الدولة تعبيراً عن ارادة اجتماعية تكون التعددية فيها عامل توحيد لا عامل انقسام وتفتيت وتشرذم”؟ فالدولة لا تقوم ان لم تكن تعبيراً عن رغبة اجتماعية عامة محسوسة لدى كافة المواطنين الذين يعيشون ضمن حدودها، تعبيراً عن رغبة في العيش في امن وامان بعيداً عن الاعتداءات والتعديات الخارجية والداخلية .

وبالتالي لا يمكن بناء مفهوم للدولة التي نريد، مرتكزاً على تعبير ارادة جزئية ومصالح واقسام معينة من المواطنين فيما القسم الآخر خاضع واضعف من القسم المقابل، حيث لا امن ولا امان عندها لاحد، وان كان من ضرورة لسيطرة ما، فلتكن لسيطرة السلطة التي تنبثق عن اجماع ملزم ومشروع لا عن قوة غاشمة قاهرة مرتهنة لما وراء الحدود الوطنية للدولة .

ثانياً: من ناحية علم الاجتماع السياسي، ان المجتمعات التي توجد فيها دولة تكون منقسمة الى طبقات اجتماعية، هي مجتمعات تغيب عنها المساواة في القوة كما في الثروة بين الجماعات المكونة لها، ما يؤدي الى التوتر والصراعات، وهذا ما اختبرناه ولا نزال في لبنان بشتى الاوجه والصور. لذا فالاشكالية المطروحة هي في كيفية التوفيق بين تعدديتنا السياسية والحضارية وبين وحدة كينونة الدولة، بحيث لا قوة تكون الا القوة الجامعة المشروعة، ولا سلطة تكون الا السلطة الجامعة المشروعة، وهي الوظائف التي تمليها الدولة الضامنة للتعددية الموحدة لا التعددية الانفصالية والتقسمية والاستعلائية او الاستكبارية لفريق على آخر.

ثالثاً: نحن اليوم في النموذج اللبناني امام نوعين من المجتمعات، تعددي وطبقي. يقول عالم الاجتماع “فيرنيفال” عن تلك المجتمعات انها “تختلف في الثقافة والدين ولا تحتك ببعضها ولا تملك ثقافة واحدة ولا روابط قومية بينها …”، وان كانت التجربة اللبنانية التاريخية اثبتت عبر عقود نجاحها في تخطي عقبات تلك الاختلافات الا ان استمرار التبعية للدين على حساب المواطنة والمفاضلة بين الانتماء المناطقي والانتماء الوطني،  بقيت سمات مرضية في مجتمعنا اللبناني، وان كان الدستور نص على لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه وان النائب ممثل الامة … الا ان ارض الواقع دلت ولا تزال على ممارسة عكسية لا بل متطرفة لا بل فئوية عندما نمس الدين والثقافة والمنطقة والانتماء الضيق كما يقول العالم  ” باريتو”.

المطلوب الانتقال من مجتمعات متباينة المصالح كما يقول عالم الاجتماع ” سميث ” الى مجتمعات موحدة المصالح، خصوصاً في ظل تعددية ثقافية ودينية وهيكلية (نسبة للتفاوت بين فئة واخرى بقربها من النظام السياسي).

لننتقل من مفهوم الصلة غير المباشرة بين المواطن والسلطة الى مفهوم الصلة المباشرة التي ترتب حقوق للمواطنين وواجباتهم حسب معايير المواطنة لا مقاييس الانتماء الى جماعة عرقية او دينية او ثقافية متميزة عن الآخرين، ضمن المساحة الدولية الواحدة.

حذارنا التلاعب بعد اليوم بالصيغة اللبنانية الانصهارية، لاننا دخلنا في مرحلة ستشهد فيها المنطقة تحولات جغرافية واستراتيجية وديمغرافية صادمة، هذا اذا اردنا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل