
عندما قرّرت أنّ أكتب هذه السلسلة نزولاً عند طلب الدكتور جعجع من القواتيين معرفة تاريخ حزبهم، إخترت فاصلة مصابي الحرب تحت عنوان: “أصيبوا ولم يستشهدوا ليشهدوا للحقّ”، ومع التعمّق أكثر مع رفاق أصيبوا مراراً وعادوا إلى الجبهة تكراراً، لمست أنّ كل فاصلة هي رواية كاملة عن محاربين من أجل الحرية ذهبوا بكامل إرادتهم إلى الحرب مصطحبين معهم أخلاقهم والقيم الإنسانية التي تربّوا عليها في منازلهم ودرسوها في معاهدهم ومارسوها في حروبهم، ولم يفقدوا الرحمة خلال رحلة الدفاع عن الوجود…
قصّتنا اليوم تُبرز الفرق بين القاتل والمقاتل، عن ضابط من “القوات اللبنانية” وافق على كشف بعض مخزون الذاكرة ليصل إلى القراء وخاصة الأجيال الجديدة، كانت عملية إقناعه صعبة، فهو لا يبحث عن مجد ضائع ولا يلهث خلف شهرة زائفة يبنيها بنفسه لنفسه، وكان إتفاقنا أنّ أكتب روايته من دون أسماء ومن دون صوَر، وأنّ تحمل الرواية عبرة تختصر الروح النضالية الشريفة التي تمتّع بها المحاربون من أجل الوجود الحرّ…
أثناء الحرب حدث خرق للمناطق الشرقية وتمّت معالجته ونتيجة لذلك وقع بعض الأسرى بيدّ مقاتلي “القوات اللبنانية”، وردت مراجعات لأحد الضباط عن بعض الأسرى بأنهم من ذوي السيرة الحسنة وفاعلي خير في محيطهم مع المطالبة بإطلاق سراحهم، وبعد التأكد من المعلومات عنهم تمّ التعهّد لسعاة الخير أنّ يتمّ إطلاق سراحهم فور إتمام الإجراءات اللازمة، على أنّ يكونوا أول من يُطلَق سراحهم…
وبعد يومين حضر أحد سعاة الخير إلى الضابط المذكور ليبلغه عن إطلاق سراح أحد الأسرى من خارج اللائحة المذكورة بناء على تدخّل مرجع روحي؛ إتصل الضابط بآمر السجن الذي أكّد له الخبر، فما كان منه إلّا أنّ اتصل بالمسؤول عن السجون لتذكيره بالوعد فأُبلِغ بأنّ المسؤول في إجتماع مُغلق مع القيادة وقد مُنِعَت الإتصالات عن القاعة…
نظر الضابط إلى ساعته وكانت قد تجاوزت الخامسة موعد إقفال الزنزانات وانصراف الإداريين، فما كان منه إلّا أنّ توجّه إلى مكان الإجتماع ودخل القاعة رغم معارضة السكريتر، توقّف المجتمعون عن الكلام والتفتوا إليه، فبادر الضابط بإشارة وصوت خافت إلى طلب محادثة مسؤول السجون، إقترب المسؤول مستغرباً فقال له “لقد أطلق سراح فلان خلافاً للوعد الذي قطعناه بالإفراج عن الأسرى الآخرين قبل أي موقوف آخر”…
نظر إليه المسؤول قائلاً له “كرمال هيك عامل هالضجّة؟ تأخرنا اليوم وبكرا منعالج الموضوع” وحاول العودة إلى الإجتماع فبادره الضابط “هناك فرق بين الليلة وبكرا يساوي قيمة مصداقيتنا وإلتزامنا بكلمتنا ووعودنا”، عندها إلتفت المسؤول منهياً الكلام ” خلص، قلتلك بكرا، يعني بكرا…” فما كان من الضابط إلّا أنّ تمسّك بموقفه مجازفاً بنيله عقوبة مسلكية “قلتلك هلأ يعني هلأ…”.
إلتفت المسؤول ناحية الحكيم الذي كان يترأس الإجتماع، فأشار له الحكيم إلى الهاتف في الغرفة، فما كان من المسؤول إلّا الإتصال بإدارة السجن طالباً إطلاق سراح الأسرى فوراً، وهكذا كان وغادر الضابط الغرفة بخجل لأنّه للمرّة الأولى يعترض على قرار، وخاصة أنّ الأمر حصل في حضور الحكيم…
بعد أسبوع من الحادثة وصلت دعوة للضابط لحضور إجتماع عام مع الحكيم، وعند الموعد إنتظر خارجاً ليدخل بين مجموعة من الضباط متوجهاً إلى آخر القاعة كي يتحاشى النظر إلى الحكيم، بدأ اللقاء بكلمة لأحد كبار الضباط، فاستمهله الحكيم ليأخذ الكلام “اسمحولي بالأول إتناول موضوع من خارج الإجتماع ومن صلب القوات، لو قبلنا الظلم لكُنت أنا طبيباً وفلان مهندساً والآخر كاتباً أو حداد فرنجي… وما كنا مجتمعين هون هلأ، نحنا ثوّار وأصحاب قضيّة، قضيتنا إنسانية، مسيحية وأخلاقية، منرفض الذلّ والظلم إلنا ولغيرنا، هالمقدّمة، لأنّني أريد تهنئة الضابط “….” الذي ذهب إلى ما استطاعه لرفع الظلم وإحترام الكرامة، أطلب منكم أن تكونوا جميعاً مثله، وإلّا لا معنى لوجودنا!”.

فوجئ الضابط بهذه الإلتفاتة من الحكيم والتي كانت معاكسة لكل توقعاته؛ هذا الضابط أصيب خمس مرات كانت نتيجة إحداها قضبان فضّة في جسده، نزف من الدماء ما يروي عطش الأرض ولم ينزف من الروح ذرّة رحمة وكرامة وإباء؛ إلى الخاتمة التي أتركها للنَصّ الحَرفي للضابط متوجهاً إلى الجيل الجديد من القواتيين ليتلمسوا عمق تجربته وإيمانه :
إعرف من أنت: مثال الخالق، النور على المنارة…
إعرف أين أنت: على وقف أزلي، في أرض منذورة للأحرار منذ الخلق…
إعرف مهمّتك: أميناً على الإنسانيّة، حارسا “لمجد” لبنان…
إعلم أن: الصليب في القلب وليس على الصدر، أن الشجاعة في القرار وليس في التنفيذ، أن الرحمة في اليدّ وليست في القلب…
إعلم أن: دواء الخوف الإيمان، ودواء الجهل والعلم والتاريخ، ودواء التعاسة الرفاق الصالحون…
إعلم أن: لك ربّا واحدا تحبّه وتطيعه هو الله. ووسيلة وحيدة تحبّ بواسطتها إخوتك ورفاقك، هي “الرحمة”.
فالسعادة أن تسلّم بدورك الأمانة التي تسلّمتها بفخر وزنات مضاعفة ثمنها الدم، والعرق، والتضحية … والفرح.
إلى اللقاء في فاصلة اخرى.
