#adsense

ساعة التخلّي عن الأسد

حجم الخط

 

عندما كان الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله يتحدث عن انتصار موعود جديد في سوريا في مناسبتين متتاليتين في شباط الماضي لم يكن يقرأ في التطورات الإستراتيجية في المنطقة بقدر ما كان يقرأ في ما يتمنى حصوله. تلك القراءة التي أراد إعطاءها بعدا استراتيجيًا لم تكن إلا بناءً على التقدم العسكري الذي كان يحصل على بعض الجبهات في سوريا تحت غطاء التدخل الروسي العنيف. كان نصرالله يبني استراتيجيته في لبنان على أساس هزيمة المعارضة في سوريا ولكن كما قلب التدخل الروسي المعادلة بدد الإنسحاب الروسي السريع من المعركة أوهام النصر وأظهر أن نصرالله خارج الصورة تماما وأن عليه مع النظام السوري أن يعيدوا حساباتهم تماما كما أعادوها عندما قرر بشار الأسد سحب جيشه من لبنان في 5 آذار 2005.

عندما نزل السيد حسن نصرالله في 8 آذار 2005 إلى ساحة رياض الصلح لإعلان الشكر لسوريا كان أصبح عاجزًا عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكنه كان يعلن حربًا جديدة عنوانها تولي دور الوصاية السورية على لبنان ومنع انتصار التيار الإستقلالي الذي توجته ردة الفعل على اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط من ذلك العام. لم يكن اختيار تاريخ 8 آذار صدفة ربما. ففي مثل ذلك اليوم من العام 1963 وصل نظام البعث إلى الحكم في سوريا بعد انقلاب عسكري ومن خلاله وصل حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970 ليتسلمها من بعده ابنه بشار في العام 2000.

انتفاضة 14 آذار 2005 في لبنان كانت ردة فعل شعبية ثورية ضد نظام الإحتلال السوري وعهد الوصاية وضد وصاية “حزب الله”. ولذلك كان على “حزب الله” أن يعلن الحرب بكل الوسائل على هذه الإنتفاضة.

في العام 2011 عندما اندلعت الثورة في سوريا في 15 آذار لم يكن ثمة رابط بين التاريخين وإن كان هناك تشابه بين الثورتين. التزامن بين يومي 14 و15 آذار لم يكن إلا مصادفة ولكن طريقة مواجهتهما كانت موحدة بين النظام السوري وبين “حزب الله” اللذين أرادا أن يكون النظام في لبنان واحدًا موحدًا مع النظام في سوريا.

احتاج النظام السوري إلى ستة أشهر من أجل أن يستدرج المعارضة إلى الشارع والتسلح لتبدأ الحرب تغزو سوريا منطقة منطقة. لم تكن انتفاضة الشعبين السوري واللبناني واحدة ولكن استراتيجية التصدي لهما كانت واحدة. وقد سبق “حزب الله” النظام السوري في طريقة التعامل مع انتفاضة الإستقلال عندما نفذ انقلاب 7 أيار 2008 تحت عنوان أن “السلاح يحمي السلاح” وقد كشف بذلك مسبقاً الطريقة التي سيتعاطى بها النظام السوري لاحقاً مع أي محاولة لانتقال ربيع بيروت إلى دمشق على قاعدة أن كل الوسائل ستكون متاحة لمنع التغيير.

لم يكن من السهل أبدا أن تنتصر ثورة 14 آذار اللبنانية على وصاية “حزب الله”. ولم يكن من السهل أبدًا أن تنتصر ثورة 15 آذار السورية على وصاية نظام الأسد. مواجهة المصير المشترك حتمت على “حزب الله” أن يذهب إلى القتال في سوريا لمنع انهيار النظام ولكن على رغم ذلك كاد هذا النظام ينهار في منتصف العام الماضي. ولم يكن أمام إيران والأسد إلا الإستنجاد بالصديق الروسي. عندما اتخذ قيصر روسيا فلاديمير بوتين في 30 أيلول 2015 قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا كان يلبي طلب الإستغاثة ولكن بشروطه هو. وعندما استقبل الأسد على عجل ليل الثلاثاء 20 تشرين الأول الماضي كانت الصورة معبرة جدًا. كان اللقاء يتم وكأنه استدعاء للأسد المغلوب على أمره. كان الأسد وحيدًا في تلك القاعة الفسيحة من الكرملين وكان البروتوكول شكليًا. بدا وكأن بوتين وحده يتحدث ويملي على الأسد الضعيف والمغلوب على أمره شروطه ولم يكن بمقدور الأسد إلا أن يقبل بما يعرضه عليه ويطلبه منه الرئيس الروسي لجهة استعداد موسكو لتقديم المساعدة في التسوية السياسية للأزمة السورية، والتأكيد على إجراء اتصالات مع قوى دولية أخرى لبحث التوصّل إلى حلّ سياسي بالتزامن مع مكافحة الإرهاب من أجل التوصّل إلى تسوية طويلة الأمد على أساس عملية سياسية تتمّ بمشاركة كل القوى السياسية الدينية والعرقية.

على هذا الأساس بدأت العمليات العسكرية الروسية ولكن الحسابات بقيت مختلفة بين موسكو ودمشق وإيران و”حزب الله”. منذ البداية بدأ الحديث عن اختلافات عميقة في النظرة إلى مستقبل سوريا ولكن المعركة العسكرية كانت هي الخطر الداهم أولاً لإنقاذ النظام من الإنهيار. كان النظام نفذ خطة الإنسحاب العسكري التدرجي إلى المناطق التي يعتبرها آمنة ويمكنه الدفاع عنها وجاء التدخل الروسي ليعيد التوازن العسكري على الأرض. أرادت موسكو أن تفتح الطريق إلى مؤتمر للتسوية بينما أراد الأسد تحقيق انتصار شامل. ولكن موسكو التي عملت من الأساس بالتنسيق مع واشنطن لم تكن في هذا الوارد على الإطلاق لأن هدفها كان إنقاذ الدولة وليس النظام.

عندما حددت موسكو وواشنطن وقفاً لإطلاق النار في 28 شباط الماضي لم يتوان الأسد عن توجيه الدعوة إلى انتخابات برلمانية في 13 نيسان. وعندما كانت تتم تهيئة استئناف جلسات الحوار في جنيف 3 كان النظام يعلن أن الأسد خط أحمر وبينما كان مساعد وزير خارجية موسكو سيرغي ريابكوف يعلن إمكانية تطبيق الفدرالية في سوريا كان وزير خارجية النظام وليد المعلم يعلن في المقابل أن لا أحد يمكنه أن يقرر مصير سوريا ولا مصير رئيسها.

يوم الأحد 13 آذار اتصل بوتين بالأسد. لم يرد أن يتسدعيه هذه المرة إلى موسكو. قال له ما يريد قوله عبر الهاتف. أبلغه أنه سيبدأ بسحب القوات الروسية من سوريا وأن عليه أن يتدبر أمره بعد اليوم وحيدًا من دون أن يقول له مباشرة أنه لم يحترم ما تعهد به أمامه في الكرملين في 20 تشرين الأول. أسقط الأمر بيد الأسد ولم يستطع أن يرد أو يستوضح أو يستدرك.

نزل القرار الروسي كالصاعقة على تحالف الأسد وإيران و”حزب الله”. حتى تلك الساعة كان هذا المحور يعتقد أن النصر قريب وإذا به يدرك أن الهزيمة وشيكة. لم يكن هذا المحور يرغب بوقف التقدم العسكري على محاور حلب وإدلب ودرعا وتدمر. ولكن القرار العسكري كان بيد بوتين. كانت وحدات ما تبقى من جيش النظام و”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني متحصنة في جبهات اعتبرت أنها ثابتة فأتى التدخل الروسي ليخرجها إلى مناطق واسعة ليس في استطاعتها أن تدافع عنها تمامًا كما كان وضعها قبل أن تطبق خيار الإنكفاء بحسب “الخطة ب”. وبالتالي جعلها مكشوفة مرة جديدة أمام المعارضة، والفارق هذه المرة أن أية مساعدة روسية للإنقاذ لن تكون متاحة. لذلك أصبح النظام اليوم أمام خطرين: خطر الإنهيار العسكري أمام المعارضة وخطر الإنهيار أمامها في المفاوضات والقبول بالسقف الذي يحدده الروس والأميركيون وبالتالي الدخول في مسار يعني القبول بالتنازل عن السلطة بالسياسة أو بالقوة. وإذا كان هناك تفاهم روسي ـ أميركي على تجميد أي رد فعل عسكرية فورية من المعارضة وعلى عدم السماح في هذه المرحلة بحصول تدخل عسكري سعودي وتركي فإن هذا الإلتزام قد يتبدل.

عندما دخل اتفاق وقف النار حيز التنفيذ استراحت الجبهات العسكرية مما سمح لـ”حزب الله” أن يخفف من حجم قواته التي تقاتل في سوريا ويعيد بعضها إلى لبنان من أجل التبديل أو الإستراحة ولكن يبدو أن الحزب تفاجأ بالقرار الروسي وكأنه كان خارج السياق العام للتطورات تمامًا وبات عليه أن يعيد حساباته بشكل كامل وأن يتسعجل إعادة إرسال المزيد من قواته إلى الجبهات السورية في معركة ستكون مكلفة أكثر. وهذا ما يحتم عليه أيضًا إعادة التفكير بخياراته اللبنانية خصوصًا ما يتعلق منها برئاسة الجمهورية. وإذا كان تصور واهمًا أن النصر كان بات قريبًا في سوريا فلعله يدرك اليوم أن الهزيمة قد تكون أقرب وأن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظاً جدًا وأن فلاديمير بوتين لن يكون مستعدًا مرة ثانية لاستقبال الجنرال قاسم سليماني من أجل تلبية مطلب إنقاذ النظام. ولذلك عليه أن يدرك أيضًا أن حربه ضد ثورة الأرز لن تكون رابحة على المدى الطويل وأن مصير 8 آذار في لبنان يرتبط بمصير 8 آذار في سوريا وأن 14 آذار 2005 اللبناني الثاني لن يكون بعيدًا وأنه مهما بلغ فائض القوة لديه فلن يستطيع أن يتحكم بلبنان ولا أن يحكمه وأن هذا الفائض قد لا يكفيه للإستمرار في خوض معركة الدفاع عن نفسه وعن النظام السوري في سوريا وفي لبنان وأن الكلمة الأخيرة ستكون لمن يصمد ولمن يرفض الإستسلام والخضوع ولمن يعرف كيف يدير المواجهة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل