#adsense

هل انسحب بوتين من سوريا ليعود بعد الانتخابات الأميركية؟!

حجم الخط

في الذكرى الخامسة للثورة السورية (15 آذار 2011) أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انسحاباً جزئياً لقواته الموجودة في سوريا. ويبدو أنه تعمَّد إعلان تلك المفاجأة بحضور وزير الدفاع سيرغي شويغو، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، كشهادة إثبات على موافقة العسكريين والسياسيين على دعم قراره.

كان من الطبيعي أن يتعرض هذا القرار لجدل واسع، خصوصاً عندما أشار الى تحقيق الأهداف التي استنفر قواته الجوية والبحرية من أجلها. ووصف بوتين تلك الأهداف بأنها تحققت بواسطة قواته، وقوات النظام السوري، والقوات الوطنية السورية.
وكان واضحاً من تركيزه على إنجازات هذا الثلاثي أنه يريد إعطاء نظام بشار الأسد دوراً مهماً يمكن أن يملأ الفراغ في غياب القوات الروسية. علماً أن قواته انتقلت الى سوريا بغرض محاربة إرهاب “داعش”. ثم أثبتت الوقائع أن موسكو إستهدفت في حربها القضاء على قوات المعارضة المعتدلة بحيث تمنح بشار الأسد فرصة المشاركة في إملاء شروط تسوية النزاع. وقد استثمر وزير الخارجية وليد المعلم هذا الامتياز ليعلن أن الرئيس الأسد يمثل خطاً أحمر يستحيل تجريده من صلاحياته كافة. ويُستدَل من نصوص الاقتراح الذي قدمه في جنيف رئيس وفد الحكومة السورية بشار الجعفري، أن وضع الرئيس سيبقى على حاله من الثبات… وأن كل شيء حوله قابل للتعديل والتغيير.
ولكن هذا التغيير يتناقض مع طبيعة “القنبلة السياسية” التي ألقاها في سوق التداول سيرغي ريفكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، مطلع هذا الشهر.
قال: “إذا قرر السوريون أن تكون بلادهم دولة فيديرالية، فلا أحد يمكنه منع ذلك”. وتمنى في ختام اقتراحه أن تبادر الأطراف المشاركة في المباحثات الى مراجعة فكرة الفيديرالية. وفجأة انتشرت هذه الفكرة في المحافل الدولية كمشروع حلٍ يرضي روسيا والولايات المتحدة، ومختلف أطياف المعارضة السورية. وهي تعني، عملياً، تقسيم سوريا الى كانتونات على نمط سويسرا، وإقامة حكم فيديرالي مع مقاطعات تمارس الحكم الذاتي.
ومع أن واشنطن إدّعت بأنها تفضل سورية موحدة، إلا أنها لم تعترض في ظل غياب حل للأزمة السورية. ورأى المحللون في المغزى الفعلي للاقتراح الروسي أنه يحل مشكلة الأكراد والعلويين بحيث يسيطر كل فريق على مقاطعته الخاصة. وربما توقعت موسكو من وراء هذا المشروع الحصول على مقاطعة اللاذقية حيث تنتشر معسكراتها الجوية والبحرية.
وحقيقة الأمر أن الوجود العسكري الروسي تعرض لحملات مغرضة من قبل الدول الغربية التي وصفت حملته بأنها عاجزة عن تغيير موازين القوى في ميدان المعارك. وأعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما أن محاولة روسيا دعم بشار الأسد وإرساء دعائم سلام بواسطته… هذه المحاولة ستؤدي بالروس الى الغرق في مستنقع الفشل.
وعلى خلاف الرأي السائد في الغرب، يرى بوتين أن المسارين العسكري والسياسي يندرجان في سياق استراتيجية لا بد أن تختم الحرب خاتمة تحتكم الى شروطه. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، استخدمت القوات الروسية أنواعا عدة من الصواريخ لكي تثبت للمراقبين أن قوتها تضاهي القوة الاميركية. وهذا ما دفعها الى زيادة عدد المقاتلات والمروحيات والعتاد البري بمختلف أنواعه. كذلك زودت القوات السورية بمعدات حديثة تولى الجيش الروسي تشغيلها.
عدد القوات الروسية في سوريا لا يزيد على خمسة آلاف جندي، يتولون دعم القوات المحلية وقيادة 70 طائرة حربية ورفع الحواجز عن الطرق الرابطة بين المدن الكبرى. وبناء على تجربتها في حرب الشيشان، قامت هذه القوات بفك الحصار عن القواعد السورية، وضرب الميليشيات المعتدلة، واستعادة المدن والمناطق المحيطة بحلب.
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو رأى في حرب سوريا فرصة سانحة لتدريب الجنود، واختبار الأسلحة الجديدة بطريقة تغني عن المناورات السنوية، كما تغني عن استعراض السلاح في المعارض الدولية. وكانت الجزائر أول دولة أجنبية تشتري مقاتلات “سو- 34″، علماً أن التدخل في سوريا لم يكلف أكثر من طائرة حربية ومروحية.
قبل شهرين تقريباً، اتصلت موسكو بواشنطن للاتفاق معها على خطط جدية للسلام في سوريا. واعتبر الاميركيون أن بوتين يبحث عن مخرج سياسي بعد إخفاقه في الحملة العسكرية. ثم جاءت الأحداث لتثبت أن الرئيس الروسي كان يسعى الى تغيير موقف إدارة اوباما من الأسد، وذلك من طريق تقريب وجهات النظر بين الدولتين.
ونتج عن تلك الاتصالات هدنة ناقصة، أعقبها إنعقاد مؤتمر جنيف في شباط الماضي. وقد فشل في تحقيق الهدف المنشود بسبب رفض المعارضة الدخول في الشأن السياسي قبل وقف القصف على المدنيين، وإيصال المساعدات الانسانية الى المناطق المحاصرة.
وقد دعمت أحزاب المعارضة موقفها الرافض بإصدار بيان ذكرت فيه أن عدد القتلى خلال السنوات الخمس الماضية بلغ 270 ألف نسمة، في حين وصل التهجير المتواصل الى أكثر من 13 مليون شخص. إضافة الى هذه الأرقام، فان البيان ذكر أيضاً أن سجون النظام ما زالت تضم مئتي ألف معتقل. كذلك دمرت الحرب 177 مستشفى، والقطاع الصناعي كاملا في حلب وحماه وحمص ودمشق.
يقول المراسلون في جنيف إن المباحثات لن تحل الأزمة السورية ما دامت الأطراف الفاعلة لم تحضر الجلسات، واكتفت بارسال ممثلين لا يملكون سلطة القرار. لهذا السبب رفض بشار الأسد فكرة التنحي عن الحكم، واكتفى بتمثيل إئتلاف يضم روسيا وايران و”حزب الله” وفلول جيشه.
قبل فترة قصيرة أعلن بشار الأسد أنه يريد إستعادة سوريا كلها. وكان كلامه في حينه موجهاً الى حلفائه الروس الذين طرحوا فكرة الفيديرالية. والثابت أنهم مستمرون في دعم هذه التوصية السياسية، لأن تحرير الأرض في نظرهم لا يعني السيطرة عليها. وهذا ما حدث في مدينة حلب ومحيطها.
ويرى الاوروبيون أن روسيا أيدت مفاوضات جنيف وأعلنت انسحابها العسكري بشكل غير كامل، لكي تتجنب مصير الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. لذلك أيدت الحل السياسي لأنه السبيل اليتيم أمام طموحاتها ومكاسبها في سوريا.
ويأمل بوتين من وراء كل هذا بتشتيت الثوار الذين وحدوا صفوفهم في الرياض. كما يأمل أيضاً في السيطرة على المدن الكبرى، وترك الشطر الشرقي من البلاد في قبضة “داعش”، كفخ لاستدراج اميركا الى بؤر التوتر.
يقول المحلل السياسي مايكل كوفمن إن استخدام القوة في سوريا ليس أكثر من جسر يستعمله الرئيس فلاديمير بوتين لجني مكاسب سياسية. خصوصاً إذا أثبتت موسكو أنها قادرة على إنقاذ بشار الأسد من براثن خصومه… ومن هزيمة محكمة. ومثل هذا التحول سيشجع عدداً كبيراً من حكام الشرق الأوسط، والديكتاتوريين، على اللجوء الى موسكو بهدف إنقاذ سيطرتهم وهيمنتهم.
ويتوقع بوتين أن تصبح موسكو حائط الشكوى والمبكى لكل الحكام الذين خيَّب الرئيس الاميركي آمالهم بحجة الحفاظ على الديموقراطية المزيفة. في حين ترجّح أعمال بوتين كفة الاستقرار على كفة الديموقراطية التي أنتجت المرشح الجمهوري دونالد ترامب. من هنا تتعاظم حاجة اوباما الى تحقيق نصر على تنظيم “داعش” يعيد لواشنطن شيئاً من هيبة القوة التي فقدتها خلال حكم اوباما.
بقي السؤال المتعلق بمستقبل بشار الأسد، وما إذا كانت موسكو قادرة على حماية نظامه بالرغم من الارتكابات التي يفتعلها كل يوم. يشير المحلل الروسي بوريس سوكولوف الى وجود فترة زمنية تُقدَّر بستة أشهر يستخدمها بوتين لتقطيع الوقت الضائع قبل انتخاب الرئيس الاميركي الجديد. خصوصاً أن المؤشرات والاستفتاءات لا تدل على أفق واضح في هذا المجال. ويُستدَل من الكلمات التي يلقيها الجمهوريون والديموقراطيون أن كل المرشحين متفقون على عدم القبول بالشروط الروسية من أجل تسوية النزاع في سوريا.
من هنا ترى واشنطن أن الانسحاب الجزئي الذي أعلنه الرئيس بوتين ليس أكثر من محاولة إعلامية لحفظ ماء الوجه، والإدعاء بأن روسيا حققت أهدافها في تثبيت حكم الأسد… قبل أن تنسحب. ويرى عدد من المعلقين أن بوتين سيضطر الى العودة، إذا كان فعلاً يريد المحافظة على نظام بشار الأسد، وحفظه من السقوط!

المصدر:
الحياة

خبر عاجل