تتدخل القوات المسلحة الروسية في الحرب السورية، ثم تنسحب أو ينسحب القسم الأكبر منها، لكن أحداً من المتدخلين الآخرين («حزب الله»، في ما يعنينا لبنانياً) لا يرى حاجة لإعادة النظر في تورطه الذي ترفضه غالبية الشعب اللبناني، فضلاً عن الشعب السوري.
لماذا؟، لأن الحزب لم يتدخل في سوريا دفاعاً عن النظام فيها فقط، كما اعترف بعد لأي، ولا التزاماً بما يسميه «جبهة المقاومة والممانعة» بقيادة معلمه وولي أمره الإيراني، ولا كذلك حماية لظهره بوصفه «حزب مقاومة» من أجل لبنان، إنما إضافة الى ذلك كله، وربما حتى قبله، لأنه ذهب أساساً للقتال في سوريا فيما عيونه على الداخل اللبناني.
والحال أن حروب «حزب الله» المتعددة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، في لبنان من جهة أولى، وفي البحرين واليمن والسعودية والإمارات والكويت وباقي بلدان الخليج من جهة ثانية، تكفي للتدليل على هذه الحقيقة… وإلا لماذا، على سبيل المثال لا الحصر، يمنع الحزب انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان منذ عامين تقريباً، كما يعطل عمل الحكومة ومجلس النواب ومؤسسات الدولة، لحساب ما بات معروفاً في الداخل والخارج على السواء باسم «دويلة» الحزب؟.
وليس مبالغاً به، أنه يحمل معنى خاصاً في هذا المجال حرص الحزب في مناسبات سياسية معينة، وأجهزة إعلامه بمناسبة ومن دون مناسبة، على القول إن الحزب بات «قوة إقليمية» يعتدّ بها ويحسب حسابها، ليس من قبل دول المنطقة وحدها إنما على صعيد دول العالم أيضاً.
لكن لم يعد خافياً في الوقت نفسه، أن حروب الحزب هذه كلها تصطدم بالجدار، كما تشهد إخفاقات وتراجعات على أكثر من مستوى، فضلاً عن الحصار الذي يزداد ضيقاً من حول الحزب وأعماله هنا وهناك في العالم عموماً وفي العالم العربي بشكل خاص.
في لبنان، أولاً، بات القاصي والداني يعرفان الآن أن حرب الحزب من أجل مرشحه للرئاسة أصبحت من نوع الحرب الدونكيشوتية التي لا أمل فيها، ولا حتى شبهة أمل، لأسباب يدركها الحزب ولا ينكرها مرشحه العماد ميشال عون. ومع أن «أسلحة» هذه الحرب طيلة العامين السابقين، من تعطيل كل من الحكومة ومجلس النواب، لم تفد في شيء إلا أنها أدت الى جمود قاتل في البلاد، سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، فلم يغيّر الحزب موقفه قيد أنملة…لا في ما يتعلق باسم المرشح ولا في ما يتعلق بالتزام نص الدستور وروحه (فضلاً عن وثيقة الوفاق الوطني) لجهة تأمين نصاب جلسات المجلس النيابي والقبول بانتخاب من ينال الأكثرية من أصوات النواب.
وإذا كان لدى الحزب وأتباعه ما يختبئون خلفه، بدعوى عدم وجود نص يُلزم النواب بحضور جلسات المجلس النيابي بما فيها المكرسة لانتخاب الرئيس، فلم يعد موضع شك رفض فئات واسعة من الرأي العام وحتى «قرفها« من هذه الذريعة، بينما اقتصاد البلاد والمستوى المعيشي للسكان وصل الى ما هو عليه من تدهور.
كذلك هي الحال بالنسبة لدور الحزب في سوريا، إذ لم تأتِ القوات الروسية اليها إلا بعد أن تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن قتاله وزميلاته الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية (جنباً الى جنب مع الحرس الثوري الإيراني) لم يفشل فقط في دعم النظام السوري ومساعدته على الصمود، بل لم يتمكن حتى من الحيلولة دون بلوغه هاوية السقوط الحتمي في خلال أيام.
وعملياً، لم يكن ترحيب الحزب المبالغ فيه بما سماه إعلامه يومها «عاصفة السوخوي»، إلا اعترافاً منه بهذا الفشل، وإن كان عمد الى وضعه، تارة في سياق الجبهة الواسعة لمقاومة الولايات المتحدة، وتارة أخرى تحت عنوان التحالف الاستراتيجي بين روسيا وسوريا وإيران ومجموعة دول البريكس.
أما على المستوى العربي، وبخاصة في منطقة الخليج، فلا حاجة للقول إن الحصار الذي تم فرضه على الحزب (وكل من يموله أو يؤيده) بعد افتضاح دوره وشبكاته التخريبية في بلدان المنطقة، لم يعد جائزاً تجاهله أو التقليل من شأنه بالرغم من المكابرة المصطنعة التي حاول الرد بها على إجراءات هذه البلدان بحقه، وأهمها من دون ريب وضعه وكل من يدعمه أو يبرر أعماله على لائحة الإرهاب.
هي حروب متعددة ومتنوعة، يخوضها الحزب وولي أمره الإيراني في أكثر من موقع ومكان، لكن مع إخفاقات وخسائر على الجبهات كلها في الوقت ذاته.
مع ذلك، فالحزب وأتباعه والمستفيدون منه الموعودون بالنصر في النهاية (طالما خاطبهم أمينه العام بقوله «وعدتكم بالنصر دائماً، وأعدكم به مجدداً«)، لا يردون على ما يحدث الآن إلا بالبروباغندا التي اعتادوا عليها في السابق. فلم تنسحب القوات الروسية، يرددون في أجهزة إعلامهم.. وإذاً، فلا يزال باب النصر مفتوحا أمامهم. عدد قليل من المقاتلات عاد الى قواعده، لكن «القيصر» كما يسمونه أكد أنها ستعود الى سوريا في خلال ساعات فقط إذا كانت هناك حاجة لذلك. وأكثر، إن «القيصر» الصغير (بشار الأسد) بات اليوم في وضع أقوى مما كان عليه في أي وقت سابق.
لا يريد الحزب، ولا أتباعه والمستفيدون منه طبعاً، الاعتراف بالواقع أن في سوريا أو في لبنان أو في أي مكان آخر. قد يُقال هذا شأنهم، لكن ماذا عن لبنان الدولة (من دون رئيس ومجلس نواب ومجلس وزراء) ولبنان الشعب الذي يتدنى مستوى عيشه الى ما دون الفقر، ولبنان العربي الذي يكاد يصبح أشبه بالمصاب بالجذام… حتى لا نتحدث عن أشياء أخرى؟.