#adsense

نحن والقضية – بسام مهنا الولادة الثانية: تألمت.. انشلَّيت.. تحدّيت.. وصوت أمي لا يفارقني

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1551

الجزء الثاني والأخير:

وجاء تاريخ 13 نيسان 1990. “ينذكر وما ينعاد”.  لطالما سمع بسام مهنا هذه العبارة التي التصقت بذاك التاريخ الملعون.. لكن بالنسبة إليه كان تاريخ الخلاص او ربما فكر كذلك. ذاك اليوم انتظره طويلا لأنه أراد أن يتعرف إلى تلك القطعة المعدنية الملعونة التي حولته إلى إنسان مختلف معوق يتنقل على كرسي متحرك. كان يرفض ان يصدق ذلك حتى لحظة دخوله غرفة العمليات في إحدى مستشفيات إيطاليا.

وصدر الحكم النهائي على لسان الطبيب الجراح: “بسام انت انشليت وما بقا راح تمشي طول حياتك. وهيدي الشظية اللي حولت مسار حياتك”. لم ينطق بكلمة. حاول ان يصرخ، ان يعبّر عن حرقة ما، عن ألم كبير، عن غضب عن يأس عن استسلام عن وجع يفوق أضعاف أوجاع نوبات الكهرباء الهستيرية التي كانت تضرب قدميه. لكنه بقي صامتاً. وكأنه منذ لحظة صدور الحكم بات أمام واقع جديد. بسام ما قبل 9 شباط 1990 لن يعود كما بعد 15 نيسان 1990. فالثاني ولد من جديد لكن بطريقة مختلفة. وكان عليه ان يختار إما ان يتعايش ويتفاعل مع تلك الحياة الثانية الجديدة أو يستسلم وينتهي بطريقة ما. فقرر ان يتحدى. أكثر من مرة وقع على الأرض ونهض من جديد، أكثر من مرة غضب، ثار وتمنى لو… لكن إيمانه وحبه للحياة كانا كافيين لتحويل إعاقته إلى ضحكة…

وحده إيمانه بالقضية التي ارتوت بدماء شهداء كثر لم يتغير. وكما في حياته الأولى كذلك في الثانية: “القوات هيي حياتي”. قالها بسام مهنا قبل ان يقفل الخط مع لبنان. ذاك اللبنان الذي يعيش فيه بكل تناقضاته وإحباطاته وانتصاراته.

مجرد ان تسمعه يتكلم باللغة العربية تفكر انه لم يغادر وطنه لبنان منذ 26 عاماً وأن الإيطالية لغة بلده الثاني الذي احتضنه بعد نقله إليه معلقاً بين الحياة والإستسلام لليأس والموت هي لغة إضافية. الصور تكرج في مخيلته عند الحديث عن مرحلة انتقاله إلى الحياة الثانية، وغالباً ما تكون مرفقة بومضات صمت وغصة “من 26 سنة ما عدت فتحت هالصفحة. إنتو رجعتو خليتوني افتحا واحكي عن صمتي ووجعي وفرحي بإيماني بولادتي بالحياة التانية وإتأكد أنو القوات هيي روحي وحياتي اللي من خلالا بعيش علاقتي من جديد مع لبنان”.

ولا مرة ندم بسام مهنا على أي قرار اتخذه خلال مسيرته العسكرية ولا حتى في اللحظات التي كان يفترض عليه ان يختار بين إنقاذ من بقي حياً في ساحة المعركة او التضحية بالجميع حتى لا يقال لاحقاً إنه ضحى بالشهداء من أجل إنقاذ الجرحى والمصابين. حتى عندما أصيب في القليعات وهوى الى داخل الدبابة أعطى الأمر لرفيقيه بالخروج منها والإنسحاب من نقطة النار التي كانت تلتهم البشر والحجر.

عندما وصل بسام مع رفاقه الجرحى إلى مطار فينيز في إيطاليا شعر انها كانت أطول رحلة في حياته. من هناك تم توزيعهم على المستشفيات ونقل في سيارة إسعاف مجهزة مع رفيق آخر يدعى جوزف اسطفان كان أصيب بشكل بليغ في الجزء الأسفل من عموده الفقري أدت إلى شلل نصفي.

يروي بسام: “في مطار فينيز انتابني شعور غريب خصوصاً ان غالبية الشعب الإيطالي لا يتقن سوى لغته الأم وانا لا أتكلم إلا الإنكليزية إلى جانب لغتي الأم والفرنسية فكنا ملزمين في المرحلة الأولى التواصل بواسطة الإشارات. وهذا ما حصل معنا في اللحظات الأولى على وصولنا إلى إيطاليا عندما كنا في سيارة الإسعاف حيث شعرنا جوزف وانا بالعطش الشديد. عبثاً حاولنا إفهام السائق ومرافقه بأننا نريد أن نشرب لكن من دون جدوى فارتأينا التواصل معهما بلغة الإشارة. وكانت المرة الأولى التي أتذوق فيها طعم المياه الغازية “بس اليوم تعودت”.

يتابع بسام: “عندما وصلنا إلى مستشفى “مالتشيزين” (MALCESINE) لتأهيل المعوقين والمصابين بالشلل، كان في انتظارنا فريق طبي وشعرنا بالأمان نظراً للرعاية والإحتضان وبدأت مرحلة العلاج. لكن المشكلة الوحيدة التي واجهناها كانت استحالة التواصل إلى أن جاءت طبيبة تتقن اللغة الفرنسية فتوليت مهام الترجمة لجوزف لا سيما مع المعالجتين الفيزيائيتين اللتين بدأتا معنا مرحلة العلاج”.

لم يكن بسام وحده الذي كان يرفض ان يصدق أنه أصيب بشلل نصفي. فأهله ايضاً أرادوا ان يصدقوا قلبهم وليس ما سمعوه من الأطباء المعالجين في معهد بيت شباب. وعندما اتصل بهم للمرة الأولى من مركز العلاج في إيطاليا كانوا شبه مطمئنين بأن إبنهم سيعود إلى لبنان سيراً على الأقدام وليس على كرسي متحرك. المكالمة لم تستغرق أكثر من نصف دقيقة ويتذكر بسام: “صوت إمي بعدو بدينيي. سألتني كيفك يا إبني؟ شو عم بيقولوا الأطبا؟ أيمتى راح ترجع؟…الله يرحما كان قلبا عليي… بعرف إنو زعلا عليي كان كتير كبير وما قدرت كون حدا بوقت مرضا. وهيدي الشغلة الوحيدة اللي بتوجعني وبتحرقلي قلبي”.

روتين الأيام وغربتها رفعا من منسوب الوجع الذي كان يفتت جلد بسام بسبب العقر الذي ضرب في أنحاء مختلفة من جسمه وأدى إلى ارتفاع حرارته بشكل دائم. مع ذلك قرر بسام أن يقاوم ويحمل صليب الآلام ويمشي. لكن نوبات الكهرباء التي كانت تصيبه في قدميه أفقدته القدرة على التحمل: “كنت حس إنو أضلعي المكسرة راح تطلع من قفصي الصدري مع كل نوبة كهربا وأحياناً كانوا يجوا شخصين تا يجمدوني. بالأول ما فهمت شو كان عم بيصير معي بعدين فهمت طبياً انو إصابتي بالعمود الفقري ما تسببت بقطع الشرايين اللي بتوصل الكهربا على القدمين وبس تجي النوبة بتصير حركتن عشوائية وغير منضبطة”.

يصمت بسام… بعدك عالخط؟ نسأل. “بس إتذكر هيديك اللحظات وقدي كان الوجع كبير بغرق بصمتي لأنو ما في كلام ممكن يوصف ويختصر الألم اللي كنت عيشو. وبس تأكدو الأطبا أنو ما في مجال كمل مع هالوجع حطولي نربيج رفيع بالعمود الفقري لا يوصل المخدر على إجريي ويمنعن من الحركة العبثية والقفز العشوائي. ومع ذلك كانت تتكرر النوبات فاضطروا يحطوني على سرير مسيج حتى ما أوقع خصوصاً أثناء النوبة”. بين نوبة ونوبة كان يخضع بسام لجلسات علاج للعقر بواسطة أشعة اللايزر واستغرق الأمر فترة طويلة بسبب خطورتها.

الساعات كانت تمر ثقيلة. وحيداً كان هناك يصارع أفكاره ومصيره وحتى عقله الذي كان يرفض ان يصدق بأنه بات عاجزاً عن السير بشكل طبيعي. كان يريد ان يثبت لنفسه بأنه يمضي فترة علاج تنتهي بأن يقوم ويمشي على قدميه. سنة سنتان ثلاثة؟ كان مستعداً ان ينتظر أكثر. المهم ان ينهض ويمشي من جديد ولو اقتضى الأمر ان يتعلم ذلك من جديد تماماً كما الأطفال.

مع اقتراب نهاية شهر آذار بدأ الكلام عن اقتراب موعد إجراء العملية الجراحية التي انتظرها طويلاً. وفي 13 نيسان دخل غرفة العمليات في مستشفىBORGOtRENTO  في فيرونا التي نقل إليها في بداية الشهر. أراد ان يتعرف إلى تلك الشظية التي اخترقت عموده الفقري وحولته في لحظة إلى إنسان عاجز عن السير والوقوف على قدميه. لكن اللحظات التي تلتها كانت أكثر وجعاً. وللمرة الأولى شعر بسام بأنه أضعف من أن يتحمل كل هذه الأوجاع النفسية والجسدية “أبشع لحظة بترجعلي هيي وقت طلعت من غرفة العمليات وكان طبيب البنج عم يحاول يوعيني وانا ما عم بقدر إتنفس. ما بعرف شو صار معي. بس بتذكر صوت طبيب البنج هوي وعم يصرخ ويقول: “بسام لازم تتنفس… تنفس… هيدا المشهد ما بنساه.. بس وعيت من البنج رجعوا نوبات الكهربا وبشكل أقوى بكتير. ضلوعي تخزقت من الوجع. وكانت المرة الأولى اللي بتعرَّف فيا على المورفين. وكان اللقاء رائع لأنو كنت بهاللحظات نام وارتاح من الوجع وبس ينتهي مفعولو يرجع الوجع ونوبات الكهربا. وبلش صرِّخ للممرضات تا يلحقوني بالمورفين وكل الطابق يعرف انو بلشت نوبات الكهربا والوجع”.

في 15 نيسان 1990، بعد مرور 48 ساعة على العملية، زار الطبيب الجراح بسام في غرفته. عندما أطل من باب الغرفة شاهد في يده أنبوباً. فعاجله بالسؤال: “شو كان في بضهري”؟ فأجابه باللغة الإنكليزية “هذه هي الشظية التي اخترقت العمود الفقري. هل تريد ان ترميها او ان تحتفظ بها”؟ من دون ان يفكر أجاب بسام: “طبعاً لا. أريد ان أحتفظ بها”. ثوان وساد الصمت في الغرفة. أراد ان يسأل عن نتيجة العملية ويسمع شرحاً طبياً يطمئن عقله وقلبه. وفهم الطبيب الجراح سر هذا الصمت فبادره قائلاً: “هذه الشظية اخترقت العمود الفقري وأدت إلى إصابتك بشلل نصفي لمدى العمر”. ويضيف بسام: “بلحظتا ما حكيت شي. كأنو سكين اخترقت قلبي. كان صرلي شهرين ناطر هاللحظة. شهرين انا وعم بعطي الأوامر لإجريي تا يتحركو بس من دون نتيجة. وبس سمعت اللي قالو الطبيب الجراح ما بعرف إذا كان صمتي رضوخ لواقع كنت عم بهرب منو او  صدمة. المهم ما كان بدي صدق انو انا ابن 22 سنة ما عدت قادر إمشي. صرت فكر وإتساءل: معقول؟ الأطفال بيعلموهن عالمشي وبيمشوا وانا ما بقا قادر امشي كل عمري”…

كان وحيداً عندما تلقى بسام قرار الحكم النهائي بالشلل النصفي. لحظة يتمنى فيها مطلق اي إنسان ان تكون مجرد كذبة. مزحة. ومهما اختلفت التسميات الا ان التفسير الطبي تفوق على الصراع الذي عاشه بسام على مدى الشهرين تقريباً. كان يتمنى ربما لو كانت والدته إلى جانبه ليتكئ على كتفها ويبكي كما كان يفعل طفلاً. لكن المواجهة مع القدر باتت حتمية. ودخل حياة جديدة او قل إنه ولد من جديد على هذه الصورة. مقعد معوق إلى الأبد. وبدأت مسيرة الولادة الجديدة. وبدل ان يتعلم على المشي صار مفروضاً عليه ان يتعلم كيفية التنقل على كرسي متحرك وتلبية حاجاته بإستقلالية والإنتقال من الكرسي المتحرك إلى السرير بدلاً من ان ينزل عنه… حتى المساحة الجغرافية التي يفترض ان يعيش فيها يجب ان تكون أكبر..

نسأل: “هل تقبلت واقع حياتك الثانية ؟” ويجيب بسام: “إذا قلت إي بكون عم بكذب على حالي لأنو نوبات الغضب واليأس والإستسلام كانت تاخدني أوقات للجحيم وإرجع منو بإيمان وصلابة أكبر. في مرة كنت عم بمرق بمرحلة غضب وثورة مسكت الأنبوب اللي في الشظية ورميتو من الشباك. يمكن كان بدي إدفن كل الماضي. ودخلت بمواجهة مع واقع وخيارين: إما الإستسلام للواقع واليأس والتعاسة او تقبّل هالواقع الجديد اللي عم بعيشو من لحظة ما بفتح عيوني للحظة ما نام”.

وحدها الصلاة والعودة إلى جذور الإيمان كانا خشبة الخلاص التي استند إليها بسام ليمشي من جديد على كرسيه المتحرك. ولا ينكر فضل الأشخاص الذين أمنوا له الدعم والمساندة المعنوية.

بعد 11 شهراً ارتاح بسام من نوبات الحركة العشوائية في قدميه. وهل تمنيت لو بقيت النوبات لتشعر بهذه الحركة؟ يجيب: “إطلاقاً فالنوبة لم تكن مصدر إحساس لأنني كنت عاجزاً عن التحكم بحركة القدمين كنت بمثابة العبد المأمور والقابع تحت رحمة الوجع وحركات القدمين العشوائية”. وحتى اليوم لا تزال تتكرر تلك النوبات لا سيما عند نزوله عن كرسيه المتحرك وانتقاله إلى الكنبة او السرير “بس صارت كتير متواضعة بالكاد بيتحركو”.

في 31 كانون الثاني خرج بسام مهنا من المستشفى بعدما أمضى فيها قرابة العام. ومن حينه بات يكره تناول حبة دواء “كنت آخد شي 12 حبة دوا بالنهار على مدة 6 أشهر وهلق إذا ما بوصل لمرحلة كتير متقدمة ما بزور عيادة طبيب وبرفض آخد حبة دوا”. ويتذكر شعور الفرح الذي اجتاحه بعد حصوله على كرسيه المتحرك “متل اللي بيشتري أول سيارة بحياتو. بس وقت قعدت عليها كان الشعور مختلف. صرت شوف كل شي ع القاعد وطولت تا تعلمت بمركز إعادة التأهيل على كيفية التحرك وتأمين التوازن على الكرسي وقيادتها والعيش باستقلالية على كرسي متحرك”.

أكثر من مرة وقع بسام أثناء انتقاله من الكرسي المتحرك إلى الكنبة او السرير، وفي غالبية المرات كان يشعر بالضعف “تخايلي إنسان بطول 180 سنتم عم يلملم حالو تا يرجع يقعد على الكرسي المتحرك. وكل الإتكال صار على إيديي. وبمرات كتيرة كنت أشعر بالإحراج بس كنت إتخطى كل المحيط وإتكل على إيديي “. ولا تزال تلك الجملة التي كان يرددها المدربون في المركز على مسمعه تحفر في ذاكرته: “بسام إنت إنسان معوق ولازم تتأقلم مع حياتك الجديدة وإلا بتنهار”. وفي كل مرة كان يشعر بالضعف ويقترب من حافة اليأس كان يلملم شتات ذاته المبعثرة بين رفض هذا الواقع والقبول به و يلجأ إلى الصلاة التي كانت منقذه الوحيد في اوقات الشدة.

في إيطاليا التقى بسام بفيكتور طراد الذي زاره في المستشفى قبل ان يخضع للعملية المفصلية ويصدر الحكم الطبي عليه بالشلل النصفي. عدا ذلك كانت الأيام تمر بطيئة وثقيلة من دون ان يخترقها اي جديد يكسر فيها روتين الساعات التي كان يمضيها بين جدران مركز التأهيل للتعرف إلى نمط الحياة على كرسي متحرك. وحدها لورا المعالجة الفيزيائية التي تعرف إليها في المستشفى كسرت روتين الأيام وفتحت أمامه طاقة أمل على غد لم يدرك يوماً انه سيكون بداية لمشوار عمر طويل. “في البداية كانت العلاقة بين مريض وطبيبته لكنها تطورت مع الأيام وبدأت اتعلم منها اللغة الإيطالية كما لمست مدى اهتمامها الشخصي بي خصوصاً عندما كانت تعود إلى المركز بعد دوام العمل.

مع الوقت أدرك بسام أن العلاقة التي تجمعه بالطبيبة لورا تجاوزت مفهومها الطبيعي،  الى أن جاء اليوم الذي اعترفا فيه بحبهما. صحيح أنه كان يخشى من رد فعل أهلها بسبب وضعه الصحي وظروفه، لكنه قرر أن يتابع رحلة التحدي وساعده في ذلك إصرار لورا على تجاوز كل العقبات. وذات يوم فوجئ بسام بزيارة أهل لورا في المستشفى، ويروي: “كان ذلك في فصل الصيف وكنت لا أزال في مركز التأهيل. في البداية لم يتقبلوا الفكرة وهذا طبيعي علماً ان لورا تحفظت في البداية عن الإجابة على السؤال عندما طرحته عليها في اليوم التالي. لكن العطف الذي لاقيته من قبلهم خصوصاً بعد خروجي من المستشفى واستقبالهم لي في منزلهم كسر كل الحواجز بيننا. وفي 25 آب من العام 1991 تزوج بسام ولورا في إيطاليا وكانت المرة الأولى التي يلتقي فيها بوالديه منذ وصوله إلى إيطاليا” كان اللقاء مؤثراً على رغم فرحة المناسبة. صحيح ان والدي لم يعبّر كما العادة إلا بصمته. لكن عيني والدتي فضحتا المستور من أحزان وغصة. تلك الغصة التي حملتها إلى مثواها الأخير في 25 كانون الأول 2006 بعد صراع مرير مع مرض السرطان”.

قرار المجيء إلى لبنان لقضاء شهر العسل لم يكن اعتباطياً في روزنامة عمر بسام. فاللاوعي عنده كان يحثه دائماً على مواجهة تلك اللحظة التي أدخلته حياة ثانية لكن بصورة مختلفة عن الآخرين. ويروي: “أول زيارة كانت إلى محبسة القديس شربل لإيفاء نذر لوالدتي. بعدها توجهت مع شقيقي فادي وشقيقتي وزوجها وبعض الرفاق إلى منطقة القليعات. وهناك كانت المحطة الأكثر واقعية في حياتي منذ إصابتي. أذكر أنني بقيت صامتاً طيلة الوقت. كنت أتأمل المكان، الكوع حيث كانت دبابتي الحرش المواجهة… واستعدت مشهد الضباب الذي كان يكسو المكان ذاك الفجر علماً ان شمس آب كانت حارقة. لكنني شعرت بالبرد”…

في طريق العودة بقي بسام صامتاً. حاول شقيقه ورفاقه ان يتلمسوا انطباعاً ما. رد فعل ما. لكن الصمت بقي عنوان تلك الزيارة وما تلتها حيث كان يقصد منطقة القليعات في كل مرة كان يزور فيها لبنان “كنت حس إنو في مغناطيس بيشدني لهونيك. بعدين فهمت إنو كنت إرجع تا عيش اللحظة وإثبت لنفسي إنو في حساب بعدو ما خلص”. واستمرت هذه العلاقة مع اللحظة حتى العام 2000. بعدين ما عدت طلعت ع القليعات”.

الزيارة الأولى إلى لبنان لم تقتصر فقط على إيفاء نذورات ومواجهة اللحظة في القليعات. على الروزنامة كان هناك موعد وهو الأهم. اللقاء مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في غدراس. ويروي بسام: “طلعت لفوق انا ولورا وأهلي. كان اللقاء عاطفي ومؤثر، خصوصاً مع ستريدا اللي بتربطنا فيا علاقة قوية بلشت بعد إصابتي مباشرة،  بس كان في كتير من العنفوان والصلابة والإيمان بالقضية اللي صارت جزء من حياتي”.

في إيطاليا واجه بسام صعوبات لإيجاد وظيفة. 5 أعوام أمضاها عاطلاً عن العمل فكان يشغل نفسه في أمور الأعمال المنزلية “كنت إشتغل كل شي. حتى الكنس والتمسيح وبفتخر بهالمرحلة لأنو كانت بمثابة التحدي وإثبات الذات”. وفي كانون الثاني من العام 1997 تقدم بطلب إلى إحدى الشركات الألمانية المتخصصة في تصنيع محولات اليخوت. وقبل أن يتلقى الجواب المعتاد “أخذنا علم وخبر منرد عليك خبر بعد أسبوع”  بادرهم قائلاً: “أنا معوق بس قادر قوم بالمهمات كاملة. جربوني واعطوني فرصة شهر او أسبوع”… وتحولت مهلة التجربة إلى وظيفة ثابتة بعدما أثبت كفاءته في مكتب اللوجستي واستمر فيها مدة 6 أعوام انتقل بعدها إلى شركة متخصصة في تصنيع أبواب عازلة ضد الحريق وتولى فيها مسؤولية كل الأمور اللوجستية. ويقول بسام “أعترف ان الله كان ولا يزال رفيقي الدائم لكن ملائكته الحاضرة دائماً على الأرض كانت بمثابة السند والدعم المعنوي لا سيما ريناتا وماري لو في إيطاليا بالإضافة إلى رفاق لبنانيين”. هذا الدعم ساعده على تخطي كل الحواجز فانتسب الى فريق كرة السلة الإيطالي للمعوقين وشارك في ألعاب ودورات لمدة 9 أعوام.

نعمة الأبوة التي حرم منها بسام بسبب الإصابة بقي مصراً عليها. أراد ان تكتمل العائلة فكان القرار الذي اتخذه مع لورا باحتضان ولدين من مؤسسة S.O.S في إيطاليا. عن هذه التجربة يقول: “عندما وصل جوليو إلى البيت كان عمره 6 أعوام. شعرنا لورا وانا ان الحياة الزوجية والعائلية أخذت منحى مختلفا. وفي تموز عام 2015 وصلت جينيفرا (6 أعوام) فأدخلت الفرح والحياة الى البيت خصوصاً انها تتميز بشخصية مرحة وديناميكية لا توصف. ومع ان شروط الحضانة تحدد مدة بقاء الأولاد في البيت العائلي حتى عمر 18 عاماً إلا أن لورا وبسام يتعاملان مع ولديهما وكأنهما باقيان معهما مدى العمر. نسأل: هل أخبرتهما عن سبب إعاقتك؟ يجيب بسام: “طبعاً أخبرتهما أنني أصبت خلال الحرب في لبنان وكنت أنتمي إلى حزب “القوات اللبنانية”…”

ثمة أسئلة كثيرة تجول في رأس جوليو وجينيفرا لكن بسام لا يتردد في الإجابة على أي منها “أوقات انا وآخدهن عالمدرسة بحس إنو في عجقة أفكار براسي بس في علاقة سحرية بتربطني فيهن. وبكرا بتركو لربنا…”

حسرة لا بل غصة وحيدة يحملها بسام في قلبه وستبقى حتى آخر لحظة من عمره “بس ماتت إمي ما قدرت إجي ع لبنان وإحضر الدفن بسبب الطقس العاصف خصوصاً إنو مراسم الدفن كانت بالعاقورة وما قدرنا نحجز على أول طيارة لأنو كان موسم أعياد. ما بيكفي إنو ما رافقتا بمراحل مرضا كمان ما ودعتا بس هيي دايماً معي وبصلواتي. إمي ملاكي الحارس”.

تلك اللحظة المفصلية التي عاشها بسام ذاك التاسع من شباط 1990 فعلت فيه الكثير. ثمة من يقول أن التغيير طبيعي لكن في حياة المناضل والمقاوم بسام مهنا تغير كل شيء بعد صدور الحكم بالشلل النصفي. قبل صدوره كان يكمل حياته لحظة بلحظة على أمل ان يعود ويقف ذات يوم على قدميه. إلى ان كان صدر القرار الذي ولد معه من جديد لكن على كرسي متحرك. يعترف بسام إنها المرة الأولى التي يروي فيها شهادة حياته كمقاتل لكن الإنسان المناضل الذي يعيش في ثناياه لم يفارقه لحظة. حتى علاقته بالقضية وبالوطن الذي دفع ثمنه نصف جسده لم تتغير. لكنه يحزن كثيرا عندما يفكر ان الوطن الذي استشهد فيه رفاق كثر بات يعوم على ارتال النفايات”.

وماذا عن “القوات اللبنانية”؟ يصمت ويضحك. فتتخايل ابتسامة الأمل التي لم تفارق ثغره يوماً وكانت بمثابة الدافع الأساس لحركته ونضاله ويقول: “القوات حياتي. حتى بعد الإصابة والإعاقة ما تغير شي. بشكر ربي إنو بعدني عايش بالوقت اللي استشهد فيه رفاق كتار من أجل القضية”.

انتهى الحديث لكن قرار بسام بالتحدي مستمر ولو على كرسي متحرك.

إطار:

سقط سهوا في الحلقة الأولى من شهادة حياة بسام مهنا انه تم سحب جثماني الشهيدين شربل شليطا وسبع بدران من الدبابة التي اندلعت فيها النيران في حالات وتم تسليمهما الى ذويهما. والصحيح ان بسام ورفيقيه أنقذا  ملقم الدبابة والسائق فقط بسبب استحالة نقل الشهيدين. فاقتضى التصويب أمانة للتاريخ واحتراما لذكرى الشهيدين بدران وشليطا.

(إنتهى)

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

نحن والقضية – بسام مهنا: معركة النار… الدني برمت فيي بس ما كانت آخر الدني

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل