#adsense

نعمة الامومة على جلجلة وطن… مشوار نسرين وشربل

حجم الخط

كانت إبنة التاسعة عشرة عروساً مفعمة بالحب والاحلام بغد تبنيه سوياً مع عريسها، وكانت لها نعمة الامومة بعد أقل من عام، ولكن ما هي إلا أشهر خمسة حتى أضحت تلك الفتاة الطرية العود أرملة شهيد وأماً لطفل رضيع.

وبعد ثمانية عشر عاماً، ها هو شربل جورج ديب يشهد للمرة الاولى عبر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني لتلك الصبية نسرين الام والشقيقة والصديقة، سطور وفاء لوفائها. وعبرها تحية إجلال من موقع “القوات” لك إمرأة رفضت أن تحوّل قساوة الحياة نعمة الامومة الى نقمة، فقاومت وتحدت وثابرت وحملت صليبها وإنتصرت على الصعاب التي حوّلت سنوات شبابها جلجلة، فكانت تستحق عن جدارة صيحة “أمي”.

 

19  حزيران 1998، ذاك الجمعة كان الجمعة العظيمة حيث إنضم جورج الى الشهيد الاول الرب يسوع بعد إنفجار إستهدفه ورفيقه نعمة زيادة في زمن بيلاطوس النظام الامني اللبناني – السوري. ذاك جمعة فرّق جسدياً جورج ونسرين ولكن ما جمعه الله لا يفرقه لا إنسان ولا حتى سفاح مهما علا جبروته. ومن يومها بدأت نسرين صفحة جديدة من هذا العمر، بعدما شلّع رحيل حبيبها أجمل صفحات ربيعها وحرمها من التلذذ بإمومتها ككل إمرأة، فيصبح الطفل شعلة تلهب الحياة الزوجية فرحاً وسعادة.

صدمة لا يستوعبها عقل، فقدت جورج وأضحت في هذا السن المبكر مسؤولة عن طفل الاشهر الخمسة وهي ربة المنزل التي لا تعمل وتوقفت عن دراستها بسبب زواجها المبكر وحبلها، أضف الى ذاك الجو الضاغط في ظل التوقيفات التي طاولت جميع أفراد الاسرة والتحقيقات في وزارة الدفاع، وأضحى المنزل حيث كانت تعيش وما زالت مع أهل جورج محاصراً وكل زائر وحتى متصل عبر الهاتف مشروع موقوف في وزارة الدفاع.

قبلت نسرين التحدي بأن تعيش الامومة بملئها ولا تنهار، وتستمد من طفلها القوة لتحمل صليبها وتتغلب على الالم الذي يعتصرها. ويخبر شربل أن أقدم صورة مطبوعة في ذاكرته لأمه، حين كان يسترق النظر سراً وهو طفل فيراها في ساعات الليل الطوال تصلي وعيناها تنبض دموعاً لا تنضب ويغزوها الاحمرار، وهي التي كانت تحرص دوماً أن تظهر أمامه قوية متماسكة مبتسمة. ومن أجل شربل، قررت أن تعود الى الدراسة رغم ثقل همومها، فإنطلقت في دراستها الموسيقية ونالت الاجازة بعد 8 سنوات من التعب، وأصبحت اليوم إستاذة غناء حديث وسولفيج في الكونسرفتوار الوطني وفي اكثر من مدرسة وتحيي حفلات هامة. وطيلة هذه السنوات الثماني لم تنجح بكسب وظيفة، مَن في ذاك الزمن يتجرأ على تأمين عمل لها، في الاساس “القوات” كانوا كالبرص منبوذين، وكيف بأرملة شهيد سقط في تلك الحقبة.  ويخبر شربل: ” ليلة تخريجها ذهبنا سوياً الى الكنيسة وصلت بوجع، وكان أن قبلت في أول وظيفة تقدمت لها في اليوم التالي. واليوم أظن أن الرب هو من دبر كل شيء، فربما لو توفر لها العمل لما اكملت دراستها واصبحت اليوم إمرأة ناجحة”.

حتى عمر الثامنة، كانت الرواية أن جورج توفي في حادث سير، ولكن في ذاك العام أصر شربل على معرفة الحقيقة، فباحت نسرين بسرها “والدك شهيد قتل في إنفجار”… كما من ساعات وساعات على مدى سنوات، كانت نسرين تتخوف من كيفية مقاربة لحظة الحقيقة تلك… كيف لأمّ أن تشرح لوحيدها؟ كيف تتصرف كي لا ينعكس ذلك أزمات وسوداوية في شخصيته؟

وفي عمر السادسة عشرة، كانت المصارحة والمصالحة مع الذات بالنسبة الى شربل، “كانت لا تحب أن تخبرني عن تفاصيل وفاة والدي، ولا حتى عن تفاصيل حبهما وزواجهما، كانت تخبرني عن جورج الشهم والشجاع وكريم النفس، ولكن اي تفاصيل عن ذاك الجمعة المشؤوم أو ما أحاط به لم تبح بها. الا انه بالصدفة عثرت على “كيس” في عمر الستة عشر سنة مليء بصورة أبي وعرسهما وأيامهما الجميلة… وكانت جلسة مصارحة بين أم وإبنها وجلسة مصالحة مع الذات بالنسبة لي. ارتحت. كانت نقطة تحوّل بعلاقتي مع أمي ومع ذاتي، صارت علاقتنا أنضج واعمق”، ويتابع شربل: “صرت حسّ إنو لازم كون سندها وسند بيت جدي، هي يللي كانت تحرم حالها من إشيا كتيرة حتى ما تنقّص عني شي رغم الظروف المادية الصعبة يلي مرقنا فيا يوم لي كانت بلا شغل. كانت تحط بقلبها، كرمال ما أشعر بشي”.

“كنت غار عليها من كل الناس حتى من أهلها، غار عليها من الهوا اذا كان معها وانا مش معها. واليوم تحررت من أنانيتي كإبن، وامي عندها حياتها وبعدها صبية، وبتستاهل تعيشها بفرح وسعادة، أخدت معي شي خمس سنين تا وصلت لهون”، يقول شربل.

“نسرين أم صارمة وكتير Strict، ممنوع الغلط معها. قبل كنا نضل نتشارع، إضهر مع رفقاتي، وتقضيها تلفون ورا التاني، تا تطمّن عني وأنا إنزعج أنو صرت شب. اليوم صرت إفهمها. “من سنتين عملت مشكل دفاعاً عن النفس ورحت عَ المغفر. بعدها قالتلي، شربل يا عمري دخيلك بدي ياك تكون متل بيك وترفع راسو بكل خطوة بتمشيها، بعاد عن المشاكل، واليوم عم بشتغل تا سيطر انا ع ردات فعلي وبيضلها وجها ووج بيي. هني جزء من طموحي وحلم البكرا وحافز لإمشي لقدّام بدراستي”.

 

نسرين الام، نجحت بلعب دور الاب، يقول شربل، من دون أن تحل مكانه أو تغيّبه عن شخصيتي، “زرعت فيّي صورة بيّي وشهامتو ورجولتو وطيبتو”.

نسرين الام، أضحت الابنة الخامسة لجديه لوالده، وهما يعيشان معهما يقول شربل، “وهذا التماسك العائلي ساعدني جداً”.

نسرين الام، هي معلمة في مدرسة “الحكمة” – الجديدة،  “ليس فقط من أجل المدخول المادي المهم، ولكن أتصور كي أبقى تحت نظرها حتى في مدرستي”، يقول شربل.

نسرين الام، هي اليوم صديقة شربل يبوح لها بغرامياته ويستشيرها في مشاكله العاطفية.

نسرين الام، هي رفيقة يرافقها في سهراتها مع اصحابها ويرقصان سوياً ويمرحان.

نسرين الام، هي الـ Boss، فشربل من عمر 8 سنوات بدأ يرافقها في حفلاتها الموسيقية، وحين تقود الجوقة يفهم ملاحظاتها من نظراتها. والغناء والعزف اصبحا لغة خاصة بينهما يتحوران بها في المنزل، ويلجأ اليها شربل ليخلق جواً من المرح بينهما. فهو في عمر الثانية عشرة كتب واعدّ لها أغنية  rap، ويضيف: ” كتير بعمل فيا ضروبة ومنتسلا سوى، واكتر شي بحبّ جبلها ورود، لانو هي متلها كلا حياة وبتلبقلها”.

 

“الصلاة كانت سلاح امي والكنيسة هي ملجأها بشكل مستمر اذا كانت حزينة او مبسوطة، واكتر شي تحبّ خميس الاسرار يمكن لانو عاشت هي كمان الصلب بحياتها واجتاحها الحزن متل العدرا. ومش بس عوّدتني ع الصلاة اليومية وعلى المشاركة بقداس الاحد، ولكن زرعت فيّي روح الخدمة. من انا وزغير كنا نروح سوى ع نشاطات جمعية “رسالة حياة” mission de vie، نرتل ونغني ونهتمّ بالعجزة”.

مشوار نسرين وشربل بما فيه من وجع وحزن ودموع مجبولة بالصلاة والرجاء ورفض الخنوع، صورة إنسانية مشرقة عن إمرأة إستحقت بجدارة مشاركة الله بالخلق ولقب الام المقاومة… لها ولكل الامهات ربيع الحب والفرح والعطاء.

https://www.lebanese-forces.com/2015/08/26/georges-dib/

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل