ماري خوري قومي خربشي ع وج الدني حكايتك…

“حبيت انو ما تمرق هالمرحلة من دون ما تتأرّخ، الفكرة كانت براسي من زمان وراحت الايام بس بقيت الفكرة، وقلت ليش لاء يا بنت حرب الجبل لازم تتدوّن كرمال أهل ضيعتي وكرمال لـ صار معي”، وما حصل مع ماري خوري أكبر من أن يختصر في كتاب، أعظم من أن يحكى عنه رواية، أهم من ان يقال فيه هذه حكاية مناضلة من لبنان، لا، هذه درب صليب من درب صليب يسوع، محفوف بالالم والخطر وذروة الايمان، وصلت الحكاية الى الموت المحتم وعند الفاصل ما بين الحياة والموت، عادت ماري باعجوبة الى الحياة لتمشي جلجلتها الطويلة ولتصل الى آخر خط المعاناة منتصرة.

“تُبعث ماري مع ذكرياتها لتتذوق الحلاوة والمرارة فتعيش نشيد الحياة وتبحث عن خلاصة الوجود. تقطف الكواكب ترقص على حافة القمر الذي يطلع خلف جبل الباروك المكان الاحب الى قلبها تجمع الكون داخلها وتشكر الله على معجزة الحياة وسر الوجود” قال طوني ضاهر كاتب “شظايا ورورد” الذي يروي سيرة من حياة ماري خوري. ربما كثر لا يعرفون بعد عمن نتحدث، نتحدث عن تلك الصبية، ابنة الجبل المناضلة في “القوات اللبنانية” التي استُهدفت برصاصة مباشرة في رقبتها وهي في ربيعها الثامنة عشرة العام 1983 في اشرس المعارك التي اجتاحت لبنان وكلّفت المقاومة غير الشهداء، التهجير والتشرد.

يخبر الكتاب تفاصيل اصابة ماري التي استهدفها مسلح بشكل مباشر بعد ملاحقتها لانها كانت في سلاح الاشارة، واطلق الرصاصة على رقبتها مباشرة ما ادى لاصابتها بشلل كامل في اليدين والساقين، وبعد معاناة طويلة في المستشفيات أصبحت ماري من بين معوقي بيت شباب، لكن لحظة، فاصلة لا بد منها، هذه امرأة لم تعرف يوماً معنى الاعاقة، تقبلت وضعها الصحي المفروض عليها ورفضت أن تنصاع، هذه ليست معاندة لمشيئة القدر ولا مكابرة، هذه امرأة اتقنت المقاومة، جعلت من الحياة انشودة حياة، قالت لا للتراجع للاستسلام، انا ابنة المسيح بالقيامة، انا ابنة الحياة في النضال. ” كنت بدي كون مهندسة بس الحياة هندستلي غير طريق وانا تحايلت عليها واخترت لحالي طريق تاني يوصلني على انتصاراتي الشخصية” تقول، انتصارها الكبير انها آمنت بنفسها وقررت أن تكون رسامة!

كيف تكون امرأة رسامة ويديها في شلل كامل؟! “بالاول وبعد خضوعي لتمارين أكيد صعبة، صرت ارسم خربشات، زعلت من حالي وعلى حالي لان الرسمات مش مكتملة، ركض ليي الاب جورج كرباج وقلي بدي علّق خربشاتك بمعرض لان الايدين لـ عملت هالخربشات قادرة تعمل احسن بعد، شجعني ونفخ في روح الشجاعة تـ كفّي بحلمي وهيك صار، وبلّشت درجة درجة نقطة نقطة ودرست بالمعهد وتخرجت بعد تلات سنين، تعذبت كتير بس يسوع كان على طول معي ومرافقني”، وهكذا صارت ترسم بالاكواريل خربشاتها اللذيذة الممتعة الالوان التي صارت تُعلق في المعارض ويقولون “رايحن ع معرض ماري خوري”، وها هي تجلس الى عيون الناس وتوقّع النسخة الاولى من كتابها حكايتها.

في الكتاب الصغير تجربة كبيرة، فيها الكثير من تفاصيل تلك الفتاة التي تحولت بين ليلة واخرى الى مقاتلة من نوع آخر، لا تملك ماري سوى سلاحها الابيض لتواجه عدوها اللدود اليأس، سلاحها التفاؤل والايمان “الحياة مشوار او زيارة زغيرة ولازم نثبّت وجودنا المهم الارادة والايمان، ارمي حالك بين ايدين يسوع وما في شي الا ما بينحل، بس شوف الناس معجبة برسوماتي بعرف انو يسوع كان عم يرسم معي كل لوحة واني عملت شي مهم بحياتي بيفرّحني وانو الحياة حلوة”. كيف تكون الحياة حلوة مع امرأة بحال مماثلة مصابة بشلل رباعي؟ كيف تصف الحلا ومن أي منظار؟ بثقة غالية بالنفس وبربّها تجيب “ما في شي ما بينحل المهم نعطي معنى لوجودنا، انا مرقت بتجربة كتير قاسية، ويللي صار معنا بالجبل حرب طائفية عنيفة لكن انا تصالحت مع حالي ومع الاخرين وهالكتاب حتى وصّل رسالة للناس، كتابي هو دعوة للمصالحة والتسامح والحوار، انا مش حاقدة على حدن على الاطلاق الحرب ما بتوصل فينا لمطرح انا ضد الحقد ورغم كل شي سامحت وانتصرت على جرحي الداخلي وعلى اصابتي”.

الكتاب الذي يروي تفاصيل حياة ماري الى حين اصابتها وانتقالها الى معهد بيت شباب ونضالها المرير مع الاصابة، يدخل في تفاصيل صغيرة تصف حالها النفسية عند كل محطة او حادثة، وفي كل محطة يسبقها يسوع، منذ البداية وهي مسلمة بأمرها، ومع ذلك عاشت لحظات خوف لا توصف يعجز الرجال عن مواجهتها وتخطت كل ذلك بالايمان، ويختم الكتاب بكلمات مؤثرة لها فيها الكثير من العنفوان الذي لم تخسره لحظة خصوصاً وهي تواجه المسلّح الذي اطلق عليها رصاصة الاعاقة، ورغم الوهن الجسدي والخوف الكبير تقول: “انا كلمة منتصرة لانني كلمة مؤيدة لتعاليم الله، في دمائي التي روت أرضي يعيش الف مقاوم ومقاوم … لقد رقصوا حول جثتي ونفخت الملائكة من جديد الحياة  في داخلي لاستعادة حق الحياة من أجل الحياة. النصر ارتسم وانتصر على الالم، اجتزت كل تلك الطرقات الطويلة وانا انير الكون واضيء الوجود، وعندما تكمّشت يدي بيد الله آمنت بما انا عليه فانتصرت”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل