
إنه “أسبوع الآلام”. زمن روحي مكثّف. في أيام قليلة يعيش المسيحي أهم سرّ في إيمانه، لا بل أعمق سرّ عرفته البشرية: صلب المسيح – الإله وقيامته. وهو يأتي في ختام الصوم الكبير. على مدى أربعين يوماً، يصوم المؤمن ويمارس أعمال التقشّف ليس بهدف “جلد” ذاته، إنما للعودة إلى الذات لاكتشاف الله الكامن فيها. يقوم بأعمال الصدقة والإحسان بهدف اكتشاف الله في “الآخر” الذي مات يسوع وقام من أجله. كل “آخر”. لم يميّز يسوع بين مؤمن وغير مؤمن، لا بل أعطى أهمية أكبر لحضوره مع الثاني. كان واضحاً بأن “قريبه” هو من يعمل مشيئة أبيه الذي في السماوات. ومشيئته هي مساعدة الفقير، وزيارة المريض، ومواساة الحزين، وإطعام الجائع… هذه هي الأعمال التي تجعل الإنسان قريباً من الله لا بل تجعله مثل الله!
غريب المسيح في تعليمه. ثورَوي في ألوهته. قبله كانت الألوهة بعيدة عن الإنسان وفوق إدراكه. يخافها. لا يجرؤ على ذكر اسمها. لا يحق له أن يتخيّل كينونتها كي لا يؤنسنها، فيدنّسها. أما معه فقد أصبح “الله معنا”. عاش بيننا ومثلنا. جاع وأكل، عطش وشرب، تعب ونام، حزن وبكى، إحتاج وبكى…
قبل يسوع كانت الألوهة قوّية، كلّية القدرة ومن يجرؤ على مسّها يحترق بنارها. تُنزل ألسنة من نار على أعدائها… أما معه فأصبحت “ضعيفة”. نعم عاش يسوع ضعف الإنسان. شعر بالوحدة. طلب من رفاقه الرسل أن يسهروا معه كي “يتونّس” بحضورهم في تلك الليلة على “جبل الزيتون”. خاف. تردّد. بكى. صرخ بوجه أبيه. كاد أن يتراجع عن مشروعه. ولكنه لم يفعل. فاعتقل. وعُذّب. وجُلد. وصُلب. ومات. بدا يسوع لوهلة “مشروع إله” فاشلاً. هذا ما استنتجه الرسل بعد مماته. لذلك تفرّقوا. واختبأوا. حتى بطرس الأكثر جرأة وحماسة بينهم نكره ولاذ بالفرار كرفاقه…
مظهر الضعف هذا سيتبدّد سريعاً. يسوع لن يبقى في عداد الأموات. سيقوم من القبر. وسيظهر للرسل وسيتأكد توما بوضع إصبعه. وسيتشجّعون للانطلاق في إعلان البشارة، الدين الجديد الذي يُختصر تعليمه بكلمة واحدة: المحبّة.
كل هذه الأحداث جرت هنا. في منطقتنا. بالقرب منا. ففي مدن فلسطين وقراها عاش يسوع. بشّر في الجليل. تفيأ تحت اشجار الزيتون في بساتينها… زار بحيرة طبرية وأكل من سمَكِها. وفي القدس جرى الحدث الذي غيّر البشرية. منها انطلقت البشارة الجديدة: المحبّة، أي قبول الآخر. قبوله كما هو. قبوله باختلافه في تقاليده وعاداته ومعتقداته وشعائره ولغته… لأن ما يجمع البشر أهم بكثير من كل هذه. إنها الإنسانية التي صارها الله ومات فيها ومن أجلها. ولكن للأسف، ما يحدث في “منطقة يسوع” اليوم يختلف كثيراً عما أراده منذ ألفي عام!
فلسطين، التي ولد فيها يسوع وعاش، تدمّرها الحروب منذ أكثر من نصف قرن. أحفاد الأولاد الذين لعب معهم في الناصرة وبيت لحم هُجّروا من قراهم. تشرّدوا في العالم. أصبحوا بلا وطن. بلا أرض. بلا منزل. يحتفظون فقط بالمفاتيح الكبيرة العتيقة. يتفقّدونها من وقت لآخر. يتذكّرون. الذكريات تغذّي أملهم بالعودة. يشهرونها من وقت لآخر ليؤكّدوا تصميمهم على العودة. والذين هجّروهم هم أحفاد الذين تجسّد المسيح من أجلهم. “أهل بيته”. أولئك الذين لم يقبلوه، وتآمروا عليه، فصلبوه وقتلوه ثم غفر لهم، وقبِلهم. ولكنهم لم يتعلّموا منه قبول الآخر. تمسّكوا بـ “حرف” الكتاب الذي وعدهم بـ “أرض الميعاد”. وما زالوا يَقتلون ويُقتلون من أجلها!
الفلسطيني الذي تهجّر من بيته استقبله آبائي وأجدادي وأهل بلدي. ولكنه لم يحترم أصول الضيافة في فترة من الفترات. حاول الاستيلاء على أرضي. استباحها. هجّرني هو الآخر من بيتي. نغّص العيش الهانئ على أهل بلدي. ألى أن حدث ما حدث. وقاتلنا بعضنا البعض. وقتلنا بعضنا الآخر. من ثمّ تحوّلت الحرب إلى قتال بين أبناء الوطن الواحد. تدخّل فيه الجار الطامع والآخر الحاقد. جلجلة المسيح كانت أربع عشرة مرحلة. أما الحرب عندنا فاستمرّت خمسة عشر عاماً. خلالها كان لبنان وشعبه معلّقين على “خشبة” صلاحيات المنتسبين إلى الأديان والطوائف ومصالح الدول! وها هو اليوم أسيرها من جديد. وربما يعلّق من جديد على “الخشبة”.
في سوريا، على الطرف الآخر من بحيرة طبرية حيث عاش يسوع، تدور الحروب منذ خمس سنوات. أما العذاب والتعذيب ورفض الآخر فيسود منذ ما يقارب الخمسة عقود. قبول الآخر يعني شراكته ومشاركته في كل شيء. في الإدارة والحكم والتدبير… وهذا يفترض الحرية. لم يتعلّم “الشوام” من حادثة “ارتداد بولس” على طريق مدينتهم وتوقّفه بعدها عن اضطهاد المختلف عنه. أكملوا في طريقه القديم. راحوا “يكفّرون” بعضهم البعض سياسياً في المرحلة الماضية. وها هم اليوم يكفّر بعضهم البعض الآخر المختلف في الدين والمذهب والعرق والسياسة… في حرب قتلت ما يقارب النصف مليون، وهجّرت أحد عشر مليوناً… ويعلّقون بلدهم على “خشبة” نوع نظام الحكم ومصالح الدول ونفوذها!
في مصر، حيث هُرّب يسوع من خطر هيرودس، أيضاً تكفير ورفض للآخر. تكفير لأبناء الدين الواحد ورفض للآخر المختلف في الدين!…
في العراق واليمن وليبيا… اللائحة تطول والحروب تستمر… وأحفاد “المجوس” الذين أتوا في الماضي ليسجدوا للإله الطفل ويقدّموا له الهدايا، جاؤوا هذه المرّة حاملين معهم السلاح طمعاً بالنفوذ…
وهكذا يستمر الشرق ، أرض المسيح ومهد الديانات السماوية، معلّقاً على “خشبة” التكفير الديني ومصالح الحكام والدول. وها هي بعض التنظيمات التكفيرية توسّع “دار الحرب” لتشمل الغرب الأوروبي الذي استضاف ويستضيف “الآخر المختلف”. ويستفيد من هذا الوضع المأزوم اصحاب الطروحات المتطرّفة والشعبوية في العالم بخاصة اولئك الذين يخوضون المعارك الانتخابية. ما ينذر بتنامي الأصوليات الدينية التي تحارب باسم الله. والله منها براء.