(1).jpg)
قبل خمسين يوما من احد القيامة او الأحد الكبير كان يتحول المشهد في معهد بشير الجميل – غوسطا إلى آخر مفعم بروحانية الدير والتقاليد المتبعة كنسيا في زمن الصوم. فالمذكرة الإدارية التي كانت تصل من هيئة الأركان في المجلس الحربي إلى قيادة المعهد تقضي بتعليق كل الدروس القتالية والسياسية والفكرية باستثناء الرياضية منها. والباقي يتحول إلى فصول من مشهدية زمن الصوم والرياضات الروحية وصولا إلى أسبوع الآلام. وبين رتبة خميس الغسل وجناز السيد المسيح يوم الجمعة العظيمة وصولا إلى لحظة قرع الأجراس معلنة قيامته من بين الأموات كان التلامذة الضباط يدخلون في عالم روحاني وهم إن كانوا يفتقدونه اليوم فإنهم لا يزالون يعيشون في تفاصيله.
ثلاثة أيام لا تزال مطبوعة في ذاكرة الضباط الذين تخرجوا من ذاك المعهد ممن التزموا إيمانيا بقضيتهم. ومن سجلات تلك الأيام يستعيد التلميذ الضابط دورة سابعة ومختار الأشرفية اليوم سيمون خوري مسيرة جلجلة وآلام وفرح حقيقي بالقيامة التي عاشها ولا يزال مع رفاق له وإن فرقتهم الجغرافيا. لكن في الإيمان والتاريخ الإلتزام باق.
(1).jpg)
“تألم ومات وقبر وقام في اليوم الثالث”. في كل مرة يردد سيمون خوري هذه الجملة مع كل ” فعل إيمان” يعود إلى تلك الأيام التي عاشها مع رفاق دورته السابعة على مدى عامين قبل ان يتخرج من معهد غوسطا. “كنا نفرح مع اقتراب زمن الصوم لأننا كنا نعيش روحانيته داخل جماعة وفي إطار جغرافي يمهد لأن نكون اقرب إلى الصفاء الروحاني”. وفي كل زمن صوم يسعى لأن يستعيد جزءا من روحانية الحياة داخل ذاك الدير والدخول إليه من جديد مع افراد عائلته التي تعيش معه تفاصيل الإيمان بالإلتزام.
الخامسة والنصف فجرا كان يقرع الجرس في اقبية المعهد معلنا ساعة الإستيقاظ. وفي تمام السادسة تبدأ الرياضة الصباحية التي حرصت هيئة الأركان على عدم إلغائها للحفاظ على اللياقة البدنية ولمدة ساعة واحدة، ينتقل بعدها التلاميذ الضباط إلى قاعة الإجتماعات حيث كان يعقد اجتماع تحضيري لبرنامج اليوم تليه الترويقة لمن يحمل عذرا صحيا يحول دون تمكنه من ممارسة الصوم. ومع التئام عقارب الساعة على الثامنة يتحضر الجميع للدخول إلى القاعة المخصصة للرياضات الروحية في كنيسة المعهد أو في أرجاء الطبيعة التي كانت تساعد في إضفاء جو من الروحانية. “أحيانا كان يجي راهب من ارساليات اجنبية او محلية واحيانا كان يكون في اكتر من رجل دين ونبلش الرياضة الروحية بقراءة نص من الإنجيل المقدس ونناقش او نتأمل بفكرة محددة من الإنجيل”.
(1).jpg)
المواضيع التي كانت تطرح من الإنجيل كانت تتمحور حول حياة المقاومة وتلامس عمق الصراع والجدلية القائمة في داخل كل مقاوم مسيحي مؤمن: “بتذكر إنو اكتر المواضيع اللي كانت تأخذ حيز كبير من الجدل هيي اللي كانت تتناول مسألة الدفاع عن الوجود كمسيحي مؤمن. كنا نطرح أسئلة عديدة منها: لماذا يجب ان ادافع عن مسيحيتي؟ ما هو دوري وهل يفترض كمسيحي ملتزم ان اقف متفرجا في حال التعرض لأي هجوم حتى لا اتسبب في مقتل أي انسان”؟ ويضيف سيمون: “كنا نعيش صراعا وجوديا نحن الذين تربينا على التمسك بالأرض والمقاومة حتى الإستشهاد لنبقى ونستمر… والسؤال الأهم الذي كنا نطرحه على المرشد الروحي “هل أتحول إلى إنسان خاطئ في المفهوم المسيحي ومجرم في حال القتل دفاعا عن النفس والأرض والوجود؟”.
الأسئلة الوجودية كانت محور الجدل في ساعات الرياضات الروحية لكن الجواب لم يتوضح بالنسبة إلى سيمون خوري، وربما كثيرين غيرنا إلا بعد أعوام على تخرجهم ضباطا لا بل بعد خروجهم من دائرة الحياة العسكرية وليس الإلتزام بالقضية. “بس شفت شو صار بمسيحيي العراق وسوريا من تهجير وإحراق الكنائس وسبي النساء والإعتداء على الفتيات وصل الجواب واقتنعت بإنو الخط اللي اخترتو بالمقاومة تا دافع عن أرضي وشعبي وكنائسي ليبقى المسيحي بهالشرق هوي الخيار المسيحي الصحيح”.
(1).jpg)
الرياضات الروحية التي كانت تنظمها القيادة في المعهد لم تقتصر على جغرافية معهد غوسطا. “أحيانا كنا نتوجه إلى أديرة أخرى وهناك يكون اللقاء مع مرشد روحي وتأملات في قراءات من الإنجيل وتحضير مواضيع جديدة ليصار إلى مناقشتها في اليوم التالي. ومع انتهاء دوام الرياضة الروحية كان يدخل الطلاب في جلسة استراحة تمتد من الواحدة ظهرا حتى الثالثة تليها رياضة بدنية لمدة ساعتين. وعند الساعة الخامسة يعود تلاميذ الضباط إلى عالم الرياضة الروحية التي كانت تنتهي بقداس المساء وعشاء صيامي وجلسة مقتصرة تتخللها نقاشات في مضمون التأملات الروحية التي عاشها التلاميذ في فترات الرياضات الروحية واستخلاص العبرة منها. وفي بعض الأحيان كان يتم استبدال الرياضة البدنية بأعمال زراعية تساهم في توطيد علاقة التلاميذ مع الطبيعة بالإضافة إلى اعمال تأهيل وترميم و”تكحيل” حجارة الدير وتقشيرها حفاظا على قيمته التراثية”.
زياحات الصليب كل ليلة جمعة كان لها طابعها الروحي الخاص في معهد غوسطا خصوصا عندما كانت تقام الرتبة داخل المعهد فيسير الطلاب في درب الصليب على طريق المعهد الداخلية وكانت تقسم المراحل على مقر قيادة المعهد ومنامة تلاميذ الضباط ومبنى البنات وكان يرأس الرتبة الأب يعقوب بدوي في غالبية الأحيان. وأحيانا كان يخرج التلاميذ لإقامة الرتبة في كنائس أخرى. “في هذه الرتبة كنا ندخل في عمق أسرار هذا الزمن ونتزود بالإيمان تماما كما العذارى اللواتي دعاهم يسوع المسيح “إلى تعبئة قناديلهن بالزيت إلى حين مجيء العريس لتكون مضاءة فيدخلن معه إلى العرس”. هناك وفي هذا الزمن تحديدا كنا نملأ قناديلنا بالزيت في انتظار العريس. ووصل لكن على صهوة جواد مكلل بالحروب والإضطهادات. وتمكنا من المواجهة والصمود لأن قناديلنا كانت مضاءة بزيت الإيمان. فناضلنا وصمدنا وبقينا على التزامنا”.
(1).jpg)
مائدة زمن الصوم في معهد غوسطا كانت صيامية بامتياز ولا استثناءات فيها إلا في حال المرض او وجود أي عائق صحي يفرض على التلميذ الضابط عدم الإلتزام بها وكانت تتميز بتنوعها وتواضعها ونسكيتها. ويروي خوري ان التلاميذ في غالبيتهم كانوا يرفضون الخروج عن لائحة طعام الصوم في أيام الأعياد التي تحلل فيها الكنيسة تناول اللحوم او عدم الإلتزام بالصوم. “كنا نعيش الزمن بإيمان وصلوات وخلوات روحية. يا للأسف، اليوم عم نفتقد كل هالمشهد على رغم التزامنا بإيمانا داخل بيوتنا. بس فوق كان في إطار جغرافي وعسكري مجبول بالإيمان الصادق وما كان في أي مؤثرات خارجية صادمة كما الحال اليوم”.
إنه احد الشعانين. والزياحات التي كانت تقام على دروب المعهد اشبه بطرق أورشليم “كنا نقيم زياحات الشعانين مع افراد عائلاتنا الذين كانوا يتوجهون إلى المعهد مع الصباح الباكر. كان هناك شعور غريب في ذاك اليوم وكنا نفرح كوننا نقيم الزياح داخل المعهد وكان الجميع يشارك التلاميذ وحرس المعهد والعاملين فيه وصولا إلى ضباط القيادة. ونطوف في ارجاء المعهد حاملين اغصان الزيتون والشموع ونردد مع الكاهن هوشعنا في العلى… ويضيف خوري “أكثر فترة صمت وصلاة وعبادة كانت بالفترة اللي مضّيتها بمعهد غوسطا. لأنو كنا صادقين مع انفسنا ومتعمقين بمفهوم الإلتزام بالإيمان والقضية. وأول ما طلعت ع المجتمع المدني حسيت بغربة لدرجة إنو أكتر من مرة سمعت كلام مفادو إذا بدك تكمل هيك طلاع قعود بشي دير. هلقد كان في طهارة روحية وصدق بالإيمان وشفافية والتصاق مع ربنا فوق. وكلو بسبب الرياضات الروحية اللي كنا نشارك فيا وندخل من خلالها لحقيقة وجودنا المسيحي على الأرض”.
(2).jpg)
التعمق في معاني الآلام كان يحوّل مشهدية الأسبوع الأخير من زمن الصوم إلى فرح داخلي. ففي هذا الأسبوع كان يقيم تلاميذ ضباط المعهد رتبة الآلام في خارجه وكل ليلة كانوا يقصدون كنيسة او ديرًا للصلاة والتأمل الذي يقربهم اكثر من مسيحيتهم وإيمانهم بالقضية” بالمعهد اكتشفت إنو أسبوع الآلام هوي اكثر الأيام فرحا لأنو نهايتو بتتجلى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات وفي اهم واعظم من هالحدث الكوني؟ والأهم إنو كنا نشعر إنو صرنا اقرب للوصول إلى ملكوت الله ولمجد القيامة”…ومع اقتراب موعد خميس الغسل كان التلاميذ يتحضرون للإحتفال بالرتبة مع الأب يعقوب بدوي الذي كان يقيم الذبيحة الإلهية ويغسل اقدام التلاميذ ويقبلها “كنا نلمس عظمة يسوع وتواضعه بغسله اقدام تلاميذه وفي كل سنة استعيد ذكرياتي فوق وأرويها لإبني لكي يستخلص منها العبرة التي حملتها معي وهي ان أكون انسانا متواضعا ومتسامحا… ومن أنا ليأتي يسوع ويقبل قدمي؟ من هنا أطرح على نفسي السؤال في كل ليلة خميس غسل: “أنا مين”؟ اما فوق في معهد غوسطا فكنت أطرح بالإضافة إلى هذا السؤال سؤالاً ثانيًا: “أنا شو عم بعمل هون؟ كيف بدي كون متسامح مع نفسي والآخرين وانا عم بحمل بارودة وقوِّس”. لكن الجواب وصل: “أنا لست بقاتل. أنا مقاتل. أنا لم أحمل السلاح عبثا أو لأقتل بطريقة عشوائية. إنما لأدافع عن ارضي واهلي ووجودي …ومع الأيام ترسخت هذه القناعة لدي بعدما صرت أرى الأمور من دائرة الإنسان المدني الملتزم بقضية “القوات”. أدركت أننا لم نلوث ايادينا بأعمال قذرة لأننا لم نتعلم ذلك في مرحلة التدريبات العسكرية في معهد غوسطا إنما تشربنا كيف نصلي ونصوم ونحب. والحب هو الرحمة بعينها”.
التحضيرات ليوم الجمعة العظيمة ورتبة دفن السيد المسيح كان يبدأها التلاميذ الضباط مع الفجر بالتعاون والتنسيق مع الكاهن الذي كان يحضر إلى المعهد باكرا وأحيانا كان يتولى أكثر من كاهن إحياء رتبة الجمعة العظيمة ومنهم من إرساليات أجنبية. ومنذ ساعات الصباح تبدأ القداديس والصلوات في كنيسة المعهد وعندما تلتحم عقارب الساعة على الثالثة تبدأ الرتبة فيحمل الضباط الأعلى رتبة او الذين يحضرون إلى المعهد، النعش. وأحيانا كان يتولى المهمة طلاب الجامعات والتلاميذ الذين كانوا يحضرون إلى المعهد للمشاركة بالرياضات الروحية. 13 مرحلة يتوقف عندها الضباط والتلاميذ يصلون ويرتلون: “أنا الأم الحزينة واحبيبي يا شعبي وصحبي. ويكملون السير على الطريق الترابية وصولا نحو بزمار. وبعد دفن السيد المسيح في قبر يتم تجهيزه للمناسبة في معهد غوسطا يعود كل منهم ليتحضر روحيا لسبت النور.
ويسترجع سيمون بعضا من ذكريات يوم الجمعة العظيمة في معهد غوسطا حيث كانوا يسيرون على الطريق الترابية بمشاركة الأهالي وكانوا يشعرون بفرح داخلي لأن مجد القيامة آت ولأن المسيح لم يمت على الصليب إلا من اجل ان ندخل معه يوم الفرح بالقيامة.
يوم سبت النور كان أهالي التلاميذ المناوبين يشاركون أولادهم في رتبة القداس وكل ام كانت تصل إلى الدير محملة بمعمول العيد الذي كانت تفوح رائحته من بوابة المعهد وصولا إلى المطبخ واطباق الطعام المحضرة بالدجاج والأرز والفستق والجوز واللحم المشوي والمعجنات… باستثناء المشروبات الروحية التي كانت ممنوعة في المعهد فاستبدلت بقناني المرطبات . ولا ينسى الأهل حتما بيض العيد حيث كانت تدور المبارزة بين الرفاق والأهل ومع كل فقشة بيضة “المسيح قام حقا قام”. أما الحدث الأهم الذي كان يتجلى في معهد غوسطا في احد القيامة فهو إصدار عفو عام عن كل الحجوزات والعقوبات “بس على حظي العاطل ولا مرة ساقبني حجوزات بفترة العيد. تصوري بس تجوز خيي كنت عم بقضي عقوبة بالسجن وقد ما كان النظام صارم ما سمحلي الضابط روح احضر عرسو بس الله سهلنا العملية ورحت حضرت العرس ورجعت ع… السجن “.
_(1).jpg)
مع انتهاء زمن الصوم كانت تعود دورة الحياة العسكرية في المعهد إلى وتيرتها. والأهم من ذلك طبق المعكرونة بالحليب الذي كان يحضر إلى طاولة العشاء كل ليلة “من وقت ما تخرجت ما عدت اقدر أتصور المعكرونة بحليب” يقول سيمون خوري مختار الأشرفية اليوم. لكن الزوادة التي حملها وكل الضباط الذين تخرجوا في الدورات التي سبقت دورته وتلت كانت حتما اهم واكثر عمقا ومضمونا من ذكرى ذاك الطبق: “تجربة الصوم بالمعهد علمتني انو نحنا مش هواة حرب أنما محترفي سلام. ولأننا كذلك كان المطلوب ان نكون مؤمنين بالتزامنا العسكري وقضيتنا. فترة الصوم كانت بمثابة زوادة نقتات من زيتها طيلة السنة ونستعد بعدها لنملأ قناديلنا من جديد بالزيت لنكون مهيئين لاستقبال العريس والدخول إلى العرس بالقناديل المضاءة. وهكذا تم. ولو لم نتزود بهذا الإيمان ونملأ قناديلنا بالزيت لكنا اليوم إما مرتزقة أو مشردين في اصقاع الأرض”. ولد المسيح هللويا.
(1).jpg)
