إذهب عني… فأنا لا أعرفك!!

مع أن اليوم هو ذكرى صلب وموت سيدنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، إلا أننا، وبعكس كل المناسبات الحزينة التي أحيت ذكراها الشعوب على مرّ التاريخ وحتى اليوم، نحتفل بهذه الذكرى بكل فرح وإيمان ورجاء، مطمئنين في أعماق نفوسنا الى أن هناك مَن مات لأجلنا من كثرة محبته لنا، ليخلصنا من الخطيئة، ويمنحنا الحياة الأبدية.

هذا الحب العظيم الذي دفع بخالق الكون أن يفدي العالم بموته على الصليب بعد أن قطع الأمل بأن يتوبوا ويعودوا الى الطريق القويم، لم يكن حباً كلامياً شعرياً، بل حباً تجلى واقعاً مريراً من العذاب والجلد على طريق الجلجلة، والصلب كلص بين اللصوص.

لفتني منذ أيام عظة لأحد الكهنة يتكلم فيها عن يوم الحساب. قال الكاهن، عندما نقف أمام الله في ذاك اليوم، لن يسألنا عن عِلمنا ولا عن ثرواتنا ولا عن بطولاتنا وأمجادنا الضائعة… سيسألنا عن شيء واحد فقط، سيسألنا عن تلك المحبة التي زرعها فينا، كيف حافظنا عليها ونميناها ونثرنا بزورها من حولنا.

لقد أوصانا يسوع المسيح بأن نحب بعضنا بعضاً كما أحبنا هو، لا بل ذهب يسوع في موضوع المحبة الى آفاق جديدة لم تعرفها الإنسانية قط، الى أقصى حدود المحبة عندما قال: “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحِبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مُبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات”.

صحيح أن ما طلبه يسوع هو قمة الكمال والقداسة، هو أقصى درجات التواضع وقهر النفس والتحكم بالمشاعر، ومن الصعب جداً إن لم نقل مستحيل أن يصل إنسان عادي الى هذه الدرجة من الإيمان والتجرد ومحبة الآخرين ولو كانوا أعداءً لاعنين ومبغضين، بإستثناء القديسين والأبرار الذين إستطاعوا بصلواتهم وتفانيهم، قهر نفوسهم وترويض شهواتهم والسيطرة والتحكم بمشاعرهم.

المهم هنا ليس قدرة الإنسان أو عدم قدرته على إتباع هذه الوصايا بحذافيرها. فوصية أحبوا بعضكم بعضاً يجدها 99% من الناس مستحيلة التطبيق، فما بالك بأحبوا أعداءكم!!!

المهم أن يعرف كل عاقل على هذه الأرض، خصوصاً في ظل هذا الكره والبغض والشر الذي يسيطر على العالم، أن هذا الإله الذي أوصى تلاميذه وأتباعه بأقسى وأسمى الوصايا، في وقت كانت تسود شريعة الغاب بإمتياز، وما زالت، هو إله المحبة والحنان والرحمة، لم ولن يخذل أحد قرر أن يأتي إليه ويسأله صفحه ورحمته، وهو على أتم الإستعداد وبفرح عظيم، لإستقباله وذبح العجل المثمن لأجله.

نعم الله محبة، والويل لمن لا يملك في قلبه بعضاً من هذه المحبة، فعندما يقف أمام الله ويقول له، أنا إبنك ألم تعرفني، سيسمع الجواب: لقد أحببتك حباً كبيراً ودعوتك إبناً لي، لكن قلبك كان مليئاً بالحقد والخبث والشر، إذهب عني… فأنا لا أعرفك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل