#adsense

إستيقظوا… دق الخطر ع البواب

حجم الخط

إذا كانت تفجيرات باريس في 13 تشرين الثاني 2015 لم تكفِ لإيقاظ القارة الأوروبية من سباتها فهل تكون تفجيرات بروكسيل في 22 آذار 2016 كافية؟ هل تكرس أوروبا فعلا أنها القارة العجوز أم أن بإمكانها أن تنهض لتقاوم الخطر الكبير الذي تتعرض له؟ وهل يجوز أن تستمر في التعاطي مع هذه العمليات الإرهابية وكأنها مجرد عمليات ينفذها انتحاريون أم بات عليها أن تعيد النظر في استراتيجياتها العامة في كل ما يتعلق بقضاياها الوطنية والإنسانية والدينية وفي أسس المواطنية؟

ليست المسألة مجرد عمليات إنها حالة حرب. أحيانا تكون باريس ساحة هذه الحرب وأحيانا مدريد أو برلين أو لندن أو بروكسيل أو أي مدينة أخرى. لم يفت الأوان بعد. دق الخطر ع البواب ودخل من زمان قلب أوروبا ولم يعد آتيًا من الخارج وهو ليس مجرد تكهنات واحتمالات بل واقع ملموس يجب التعامل معه على هذا الأساس لمواجهته وليس التكيّف معه والعيش في ظله.

دق الخطر ع البواب فهل تستفيق أوروبا؟ لا يفيد البكاء على الأطلال ولا ينفع الخوف ولا إضاءة الشموع في أرض العمليات ولا وضع باقات الزهور تحية لأرواح الضحايا. عندما يرى الإرهابيون أوروبا خائفة والأوروبيين مذعورين يدركون أن أهدافهم تتحقق. لا يجوز أن تنام أوروبا على ضيمها بعد اليوم. قد يكون من المفيد إعلان الحداد والتعبير عن التضامن الوطني والقومي ضد الإرهاب والإرهابيين ولكن لا يجوز الذهاب في اليوم التالي إلى العمل وكأن شيئا لم يكن. من الواضح أن المطلوب غير ذلك تمامًا. ثمة حاجة اليوم إلى أن يكون لأوروبا قضية. لفرنسا ولبلجيكا ولبريطانيا وإسبانيا وغيرها… أن يكون لديها استراتيجية وعقيدة وخطة للمواجهة. لا يكفي أن يتم التعاطي مع كل ما حصل وكأنه قضية أمنية فقط يمكن حلها من خلال تدابير واحتياطات احترازية ثبت أنها لا تجدي نفعًا وأنها لا يمكن أن تحل المشكلة بل تزيدها تعقيدًا وتؤمن للإرهابيين التفكير الدائم بطرق جديدة لاختراق الأمن والعمل تحت الضوء وفي العلن أحياناً. فالإرهابيون ليسوا مجرد أفراد معزولين بل حالة عامة منتشرة وعقيدة صلبة شريرة لا تتهاون في الضرب الموجع حيث تسمح لها الظروف وبالتالي التعاطي معها يجب أن يكون على هذا الأساس.

لا يجوز أن تغرق أوروبا في مقولة أنها فعلا القارة العجوز وأن تكون عاجزة عن المواجهة. إنه التحدي الأكبر الذي تواجهه منذ الحرب العالمية الثانية. في تلك الحروب لم تقاتل أوروبا ولن تقاتل من أجل القتال. كانت هناك عقيدة وكانت هناك قضية. بعد الحرب سيطرت عليها فوبيا الحرب بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدتها ولكن ماذا كان يمكنها أن تفعل غير ذلك؟ هل كان يمكن أن تستسلم أمام هتلر مثلاً وهل يمكن أن نتصور وجه أوروبا لو انتصر هتلر؟ ألم يكن التدخل الأميركي في تلك الحروب بسبب عقيدة وقضية؟ هل خطر الإرهابيين اليوم أقل من الخطر الذي كان يشكله هتلر؟ وهل النازية كانت أخطر على أوروبا من هذا الفكر التكفيري الذي لا حدود له في الإرهاب والتدمير والقتل خصوصًا أنه يرتدي هذه المنهجية كعقيدة دينية أولاً فهو ليس له عقيدة وطنية ولا قومية ولا حدود لدولته ولا جنسيات للمؤمنين به إلا في حسابات الدول التي ينتمون إليها. هنا هم مواطنون لديهم أسماء وهويات ولهم حقوق وعليهم واجبات ولكن بالنسبة إليهم ليس لديهم إلا واجب واحد هو واجب الجهاد الذي يؤمنون به ولا دولة لهم إلا دولة الخلافة ولا هوية لهم إلا الهوية الدينية. ولذلك وعلى رغم أن هؤلاء لا يزالون أقليات في تلك الدول التي يقيمون فيها وصاروا من مواطنيها لأنهم يمتلكون زمام المبادرة ويعيشون وكأنهم منفصلين في مناطق إقاماتهم التي حولوها إلى غيتوات منفصلة عن واقعها التي تنتمي إليه ويتصرفون وكأنهم أكثرية ولا يتوانون عن إعلان أفكارهم وخططهم من أجل تحويل أوروبا دولة إسلامية وشن الحرب عليها طالما لم تدخل في الإسلام بعد. وهذا الفكر لا يقتصر على هؤلاء الأشخاص الذين يذهبون إلى تنفيذ العمليات بل يشكل منظومة واسعة مترابطة ومتواصلة تمتلك الكثير من القدرات والمعطيات ومن غير الصحيح أن الفقر أو الإهمال أوالبطالة هي السبب وإلا كيف يمكن تفسير انتقال هؤلاء عبر الدول والذهاب إلى سوريا والعودة منها كما كانوا يفعلون سابقاً عندما كانت أفعانستان أو العراق وجهتهم؟

دق الخطر ع البواب فهل تستسلم أوروبا أم تقاوم وتتصدى؟

في 11 أيلول 2001 دق الخطر أبواب الولايات المتحدة الأميركية. ولكن الأمة الجريحة لم تذهب إلى النوم. لم يأت الإنتحاريون من الأحياء الفقيرة ولم يكونوا من المعدمين أو العاطلين عن العمل بل كانوا طلاب جامعات وأبناء عائلات أخذهم المنهج التكفيري إلى المخطط التدميري من دون أي شعور بالذنب تجاه النتائج. هؤلاء هم أنفسهم الذين دقوا أبواب مدريد في العام 2004 ولندن في العام 2005.

في العام 2001 لم يكن هناك “داعش” الذي تبنى هجمات باريس وبروكسيل. كان تنظيم “القاعدة”. تتبدل الأسماء ولكن العقيدة واحدة. ولذلك ربما على أوروبا اليوم أن تتصرف كما تصرفت واشنطن وألا تقف مكتوفة اليدين تبحث عن الطريقة التي يمكن أن تغيّر من خلالها أفكار هذه الجماعات وهؤلاء الأفراد كأن تحدد عدد المساجد التي يصلون فيها أو أن تعيّن لهم أئمة يوجهونهم. فهذه البيئة لا تنمو في المسجد وحده بل تعيش عقيدتها كأنها منهج حياة كامل متحرر من القوانين والأنظمة “الوضعية” ولا ينفع معها التوجيه والإرشاد لأنها تعتبره كفرًا.

قبل 11 ايلول لم يكن هذا الإرهاب يحتكر هذه الهوية. لم تنس واشنطن عملية تفجير طائرة لوكربي في العام 1988. ولا نسيت تفجير مقر المارينز في 26 تشرين الأول 1983 بالتزامن مع تفجير مقر المظليين الفرنسيين عند الرمل العالي قرب مطار بيروت.  ولا عمليتي تفجير السفارتين في عين المريسة في 18 نيسان 1983 وفي عوكر في 20 أيلول 1984. معمر القذافي الذي اتهم بتنفيذ جريمة لوكربي لم يكن من جماعات الجهاد المعلنة. و”الجهاد الإسلامي” الذي تبنى تفجير مقري المارينز والمظليين والسفارتين بعمليات انتحارية لم يكن من هذا الجهاد بل كان الإسم المخفي لما سيصبح لاحقاً “حزب الله” صاحب عقيدة الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه وتصدير الثورة الإسلامية في إيران التي تؤمن بنفس ما يؤمن به جهاديو “القاعدة” و”داعش” وإن اختلفت اليوم طرق التطبيق والتنفيذ ووصلت إلى حد المواجهة المعلنة والمفتوحة بين الجهادين على ساحات الشرق الأوسط من لبنان إلى اليمن مرورًا بسوريا والعراق.

دق الخطر ع البواب فهل تعلن أوروبا الحرب على نفسها أولاً؟ أم أنها تحتاج إلى صدمة جديدة أكبر من صدمات مدريد ولندن وباريس وبروكسيل؟ وهل ستنتظر عوناً أميركيًا ينقذها كما حصل في الحربين العالميتين الأولى والثانية؟

دق الخطر ع البواب. صحيح. ولكن هل يمكن لأوروبا أن تتعلم من تجربة مسيحيي لبنان وأن تقوم وتتحدى وتدافع وتتصدى؟ ثمة حاجز يجب أن تتخطاه القارة التي كانت ذات يوم سيدة هذا الشرق منذ أتى نابليون بونابرت بالمطابع والكتب إلى مصر قبل مئتي عام. القارة التي رسمت خارطة الشرق لا يجوز أن تكون اليوم عاجزة عن رسم حدودها هي. ليس المطلوب حربًا دينية أو صليبية جديدة ولا حربًا ضد الإسلام بل صحوة من رتابة الحياة إلى حياة جديدة تفرضها التحديات الجديدة. وإذا كانت ثمة رسالة يمكن أن يوجهها مسيحيو الشرق ولبنان اليوم إلى أوروبا فهي أن عليها أن تدرك أكثر من السابق أهمية الثمن الذي دفعوه دفاعًا عن بقائهم في أرضهم وأن تتعلم أكثر من تجربتهم وطريقة نضالهم ومواجهتهم على مدى تاريخهم وأن تخرج من خوفها وأن تدرك أن أمنها لا يتأمن في شوراع باريس وبروكسيل وغيرهما بل يبدأ من الشرق أولاً. لقد بات الوقت متأخرًا جدًا على أوروبا ولكن أن تأتي القرارات بالمواجهة متأخرة خير من ألا تأتي أبدًا ولذلك لا يمكن التعاطي مع تفجيرات بروكسيل وكأنها حادث وانتهى وأن ملاحقة المتورطين مستمرة بل كأنها مقدمة لحوادث آتية أكبر وأخطر وأكثر دموية. ولذلك لا يمكن أن تذهب إلى النوم بل إلى نهضة جديدة وإلى إعادة نظر في كل المفاهيم التي تحكم حركتها كدول ومجتمعات حتى تشرق الشمس عليها من جديد وتخرج من ليل عتمتها الطويل. فالمسألة تحتاج إلى شجاعة أكبر والموت في مواجهة خطر الموت يبقى أفضل من الموت على الطرقات وفي أنفاق المترو وقاعات المطارات.

دق الخطر ع البواب. لقد حان الوقت.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل