
قد يكون «الاكتئاب» أو «Depression» من أشدّ الحالات المرضية انتشاراً، وفتكاً بالأفراد في عصرنا هذا. ومن المهم معرفة أنّ هذه الحالة مرضية وجدّية، ولا تقتصر فقط على شعور الفرد بالحزن وتبدّل في المزاج، بل تتطوّر لتؤدّي إلى ما يُعرَف بالموت المجّاني.
الاكتئاب مرض يمكن أن يصيب الجميع، نساءً ورجالاً، ويمكن أن يؤثّر بطريقة سلبية في نوعية حياة الشخص العامة والخاصة، ويمكن أن يسبّب عوائقاً على الصعيد المهني والعاطفي والاجتماعي، ولا بدّ أن يتوجّه المصاب بالاكتئاب إلى الطبيب المختصّ لتلقي العلاج في الوقت المناسب، وقبل فوات الأوان.
وأمام خطر الاكتئاب على مجتمعاتنا، كان لـ»الجمهورية» حديث خاص مع بروفيسور العلوم النفسية والعقلية في جامعة «أوهايو» الأميركية، ورئيس زمالة الطبّ التشاوري في مؤسّسة «حمد» الطبّية في قطر الدكتور د.عادل سليمان ابو زرعه، الذي استهلّ حديثه معرّفاً الاكتئاب، قائلاً: «هو حالة نفسية تسبّب الحزن اليومي بشكل مستمرّ، على الأقلّ لمدّة أسبوعين متتاليين، وذلك بحسب تصنيف كتاب الإحصاءات والتشخيص الصادر عن مجمع الأطباء النفسيين الأميركين- الطبعة الـ5».
الأسباب
الاكتئاب مرض مثل سائر الأمراض التي يمكن أن يعاني منها الشخص، وله أسبابه الطبّية المحدّدة، ويشرح: «هو مرض نفسي، اجتماعي، بيولوجي، ناتج عن استعداد جيني وبيولوجي للاصابة به، وفق ظروف معاكسة، والاصابة بمجموعة عناصر سيكولوجية في وقت واحد».
الى جانب الحزن اليومي ونقص الاهتمام، أو فقدان المتعة في الحياة، يؤدّي الاكتئاب الى تغيير في شخصية الفرد، بشكل واضح عن ما كانت عليه قبل الاكتئاب، ويقود الى فقدان المصاب دوره الاجتماعي، الوظيفي والتعليمي.
التشخيص
أمّا تشخيص الاكتئاب فيرتكز على 9 عناصر:
– الحزن اليومي أو التوتّر، والشعور بعدم الاهتمام، والبكاء دون سبب
– نقص الاهتمام في النشاطات الشخصية أو الاجتماعية التي كانت تسبّب متعة سابقاً
– نقص مفاجئ في الوزن أو تغيير في الشهية
– تغيير في عادات النوم، قلّة أو زيادة فترة النوم، أو عدم الخروج من السرير
– الشعور بالتعب من دون سبب
– نقص في الطاقة دون وجدود أيّ مرض جسدي
– الشعور بالذنب وبعدم القيمة، وهذا ناتج عن معتقد غير صحيح، يُشعرهم وكأنهم ارتكبوا خطأ فادحاً
– عدم القدرة على الانتباه والتركيز واتخاذ القرارات
– الأفكار الانتحارية، فيجد المصاب أنّ الموت هو الطريق المناسب والجميل للخروج من حالته. ولا تقتصر هذه النقطة على الأفكار فقط ، بل تتعداها لتصل إلى التخطيط والأفعال.
مضيفاً أنه « في حال توافقت عند الفرد 5 شروط من الـ9 المذكورة، عندها يكون التشخيص «اكتئاب».
الأنواع
لا يُصاب الجميع، بنوع واحد من الكآبة، فالأخير، وبحسب التعريف الجديد الذي صدر عام 2013، عن الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين، تحدّدت أنواعٌ عدة من الكآبة التي يمكن أن تصيب الشخص. وهي:
– الكآبة العادية
– الكآبة مع القلق
– الكآبة مع التوتر
– الكآبة المختلطة
– الكآبة مع افكار انتحارية
– الكآبة مع ذهان
– الكآبة مع افكار عنف
ويمكن أن تسبّب لنا الضغوط اليومية في حياتنا، فترات حزن آنية ومعدودة على مدار السنة. ويشرح: «يختلف مرض الكآبة عن اليوم الذي يكون فيه الفرد حزيناً، لأنّ الأخير مرض مزمن ودوري، ويسجّل نسب انتحار عالية سنوياً، ما دفع اعتباره من قبل منظّمة الصحّة العالمية المسبّب الأول للاعاقة والتعطيل وخسارة الارادة والانتاجية، أكثر من أيّ مرض آخر في العالم».
التأثير في حياة المريض؟
يتذكر الدكتور أبو زرعه وجوهَ كثيرين من مرضاه الذين عانوا مرض الاكتئاب والذين زاروا عيادته، ويتذكّر متحسّراً: «كم من الوظائف خُسِرَت؟ وكم من الفرص ضاعت؟ وكم من الزيجات فشلت؟
وكم من الأفراد انتحروا بسبب الكآبة وذلك لأنّ المكتئب لا يستطيع الاندماج أو الانتاج في مجتمعه، كما وأنه يفقد القدرة على تحمّل الوظيفة وعلى استيعاب الآخرين، ويعتقد أنه عبء، وبالتالي يرى أنّ الموت يريح الآخرين من همّه. وهكذا تكون الكآبة من أهمّ العوامل المسبّبة للفشل الاجتماعي الوظيفي والزوجي.
العلاج
تؤكّد الاحصائات أنّ أكثر من 15 في المئة من المكتئبين الذين أُدخلوا الى المستشفى حاولوا الانتحار، وبالتالي، يُصنَّف الاكتئاب من أهم أسباب الموت الذي يجب تجنّبه، لأنّه موت مجّاني لا سبب جسديّاً أو مَرَضيّاً له.
واعتبر أبو زرعه أنّه «يجب أن يكون العلاج نفسياً، بيئياً، ومرتكزاً على الادوية أو أيّ علاج من الثلاثة منفرداً، أو حتى تنفيذ العلاج المختلط الذي يرتكز على الـثلاثة مجتمعين، مضيفاً أنّ «العلاج المختلط هو الانجح ويبقى مفعوله لمدة اطول».
هل يُشفى المكتئب نهائياً؟
أشار في نهاية حديثه إلى أنّ «الكآبة بطبيعتها مرض دوري، فإذا أُصيبَ الانسان مرّة، فتكون نسب الاصابة مرة ثانية 70 في المئة بعد 5 سنوات. أمّا العلاج فيكون لمدة سنة اذا اصيب المريض مرة واحدة، ولمدة سنتين اذا اصيب المريض مرتين، والعلاج على المدى الطويل يكون في حال تكرّرت دورات الكآبة لـ3 مرات أو أكثر».