.jpg)
ترك تخفيف الحضور العسكري الروسي المفاجئ في سوريا علامات استفهام عدة على هذا الصعيد. مع العلم ان الحكومة الروسية لم تعطِ أي نسب او أرقام عن عديد القوات المنسحبة وان إعلان بوتين للانسحاب أتى غداة تفريغ مراكز عسكرية في اللاذقية والإبقاء على قواعد أساسية في مناطق اخرى. فمن المحتمل ان يكون هذا الإعلان سياسيًا أكثر مما يعكس واقعًا عسكريًا بهدف ترييح الداخل الروسي لعدة أسباب اقتصادية وسياسية من جهة وتخفيف الضغط الدولي من جهة أخرى.
و لكن من أجل محاولة فهم هذا التحرك المفاجئ لا بد من تسليط الضوء أولا على الواقع السياسي والاقتصادي الروسي.
على المستوى الاقتصادي فقد بدأ تدهور الروبل ويعود ذلك الى ضعف الثقة بالاقتصاد الروسي لسببين:
1- الهبوط الدراماتيكي لأسعار النفط و الغاز.
2- العقوبات العالمية التي فرضت على روسيا نتيجة الخلاف حول كريميا (شبه جزيرة القرم) ونتيجة التدخل العسكري في أوكرانيا.
كل هذه العوامل أدت الى التأثير السلبي على الاقتصاد الروسي حيث هبطت أسعار البورصة حوالي 30 في المئة.
أما على المستوى السياسي فإن القرارات السياسية الروسية من قضية أوكرانيا وكريميا الى التدخل العسكري في الحرب السورية وصولا الى التصعيد مع تركيا والدول العربية أدى الى تزعزع العلاقة بين روسيا وعدة دول كبرى من جهة ودول ذات تأثير مباشر على الاقتصاد الروسي من جهة أخرى. هناك أيضا مشكلة مكافحة الاٍرهاب في الداخل الروسي والتي تستنزف حاليا القدرات المخابراتية والأمنية الروسية.
من هنا سنطرح السيناريوهات المتعددة التي قد تكون أدت الى إعلان الانسحاب الجزئي من سوريا. إن توقيت إعلان الانسحاب الروسي من سوريا حسب بعض المحللين في عدة مراكز أبحاث عالمية يعود الى الأسباب التالية:
1- ان بوتين لم يعلن بشكل واضح أهداف التدخل في سوريا عسكريا والآن يستطيع ان يخرج ويقول إن أهداف العملية قد تحققت مع إبقائه على خيارات التدخل مفتوحة.
2- العمليات العسكرية أعطت الزخم للأسد ووضعته في مركز قوة للمضي في المفاوضات.
3- اقتنع بوتين أن سير العملية السياسية في سوريا لن يتم من دون موافقة السعودية و تركيا.
4- محاولة إحراج القوى العربية والتركية أمام الرأي العام العالمي في حال اتخاذ القرار بالتدخل العسكري في سوريا.
5- مع العلم أن العامل المادي وتكاليف العمليات العسكرية ليس بالكثير مقارنة بتكاليف عمليات تدريب الجيش الروسي الروتينية ولكن هناك ثمن اقتصادي على المستوى التجاري بين الروس من جهة والدول العربية وتركيا من جهة أخرى.
6- تحاول تركيا جديا البحث عن خيارات استيراد النفط والغاز من مصادر أخرى بغية الاستغناء عن الاستيراد من روسيا او على الأقل التخفيف من الاتكال على الطاقة الروسية.
7- محاولة الروس ترويض النظام السوري لأسباب عدة منها ما هو داخلي ومنها ما يمت الى العلاقة مع إيران ودول الجوار.
8- حان وقت الروس للتركيز على المشاكل القريبة من الوطن ومنها أوكرانيا وبعض دول البلطيق.
إذا أخذنا الواقع السياسي والاقتصادي الروسي بعين الاعتبار وحاولنا الدمج ما بين السيناريوهات المذكورة أعلاه، نرى أن الواقع يشير الى فرضية أن إعلان الانسحاب ما هو إلا إعلان سياسي وأن الوجود العسكري الروسي في سوريا لم يفقد مواقعه الاستراتيجية، فإن هذا الإعلان ليس إعلان انسحاب إنما هو إعلان البقاء الاستراتيجي في الأراضي السورية شبيه تكتيكيا بالاجتياح الإسرائيلي وإعلان الانسحاب من لبنان في بداية الثمانينات مع الإبقاء على مواقع ومناطق استراتيجية في الجنوب اللبناني.
وهكذا إعلان يضع الشعبين الروسي والسوري في الواقع الجديد الذي يعطي للروس حق البقاء تلبية لمصالح الدولتين ويعكس صورة تحقيق الأهداف من هذا التدخل للرأي العام العالمي.