
كتبت أوغيت سلامه في “المسيرة” – العدد 1465
الجزء الأول
من أرشيف ملفاتهما القانونية وصفحات الذاكرة لن تجد مجرد قصص ترويها وتستذكرها معهما، بل يحملانك الى خلاصة مسيرة نضال وحياة لم يجدا الا الفلسفة واللاهوت ليعطياها الأبعاد والمعاني التي تستحقها. فلسفة الحرية والنضال والالتزام والعطاء اللامحدود، لا بل بذل الذات من أجل تقريب المسافة بين المبادئ التي يؤمنان بها وبين واقع الحال ومهنة المحاماة التي خدمتهما في مهمة الدفاع عن الوجود المسيحي إبان حرب المحاكمات والتهم الباطلة، حرب إلغاء استمرت 11 عاماً وهما مجندان لمقاومتها. الأستاذان البير يمين وأنطون الهاشم، ثنائي جمهعما النضال في صفوف “القوات اللبنانية” من أيام الجامعة، الى معركة الدفاع عن براءة “القوات” وقائدها ومناضليها. ولو عادا الى تلك السنوات يعودان بهذه العِبر الأبعد من المُعاش، الأقرب الى الانصهار بقضية وطن يقاوم ليبقى موطئاً للمسيح وقديسيه.
يصرّ الأستاذ البير على أن ينوّه بأنه نذر ذاته لهذه القضية، ليس فقط نتيجة قناعة وإيمان بل وفاء لروح أخيه الشهيد انطوان يمين. اما نذر الأستاذ أنطون الهاشم فوفاء لشهداء “القوات اللبنانية” في الحرب التي خطفت الكثير من أهله وأحبائه وكادت أن تجعله بدوره شهيداً بعد إصابته البالغة في معركة إسقاط الاتفاق الثلاثي في 15 كانون الثاني 1986. وبرأيه “أن الإنسان منا لا يختار حاضره ومستقبله بل هو تاريخه الذي يرسم له خطواته ويتحكّم بقرارته”. مع الثنائي في النضال والشريكين في المهنة والصديقين في الحياة نقلّب أوراقاً من زمن يعيش فينا ونأبى أن يطويه الوقت للنسيان.
“إذا كنا سنعود الى حقبة المحاكمات وحرب الـ11 عاماً، فلا بد أن نبدأ بالمعاني والخلاصات التي خرجنا بها نتيجة تجربتنا كمحاميين موكلين عن الدكتور جعجع والشباب المقاومين معه”. هكذا بدأ حديثنا، واستهله الأستاذ ألبير بمقاربة معمّقة قال: “المحاكمات التاريخية كلها تتشابه، هناك 3 محاكمات عظمى في العالم، الأولى محاكمة نقرأ عنها في تاريخ الفكر وهي محاكمة سقراط. الثانية وبغض النظر عن المقارنة مع أي كان، هي محاكمة يسوع المسيح. والثالثة نراها في تاريخ الكنيسة وهي محاكمة القديسة جاندارك. هذه أهم 3 محاكمات في التاريخ وتتشابه في ما بينها. ومحاكمات الدكتور سمير جعجع والشباب الذين حوكموا معه أو بعده في فترة الإضطهاد مثل سلمان سماحة وإيلي كيروز ومخايل عواد وكل الكوادر والجنود المجهولين الذين القي القبض عليهم فقط لأنهم “قوات لبنانية”، كلها محاكمات تتشابه بعامل واحد يجمع بينها وهو “الطاغية”. بالطبع كان وجه هذا الطاغية يختلف من قضية الى أخرى، لكن مقابل هذا الطاغية كان هناك دائماً ما نسميه في الفلسفة وبالفرنسية Le “je”أو الـ”أنا” أي الحرية. وفي كل محاكمة من تلك المحاكمات هناك “أنا” الحرية.
يتابع: “أعتقد أن الدكتور جعجع عندما اتخذّ قرار البقاء في لبنان مهما كلف الأمر وخوض الخيار القضائي، وعندما اتخذ كل منا من موقعه حتى نحن الأصغر سناً وخبرة بين المحامين المخضرمين الذين إتخذوا قرار الدفاع عنه، أعتقد أن الخيار الذي اتخذناه نحن وهو ليس سوى صدى الأدبيات والاخلاقيات التي تشكِّلنا، وتمسُكنا بمبادئنا التي توارثناها جيلًا بعد جيل دفاعاً عن وجودنا المسيحي في لبنان. كل المحامين الذين قرّروا الدخول في مغامرة الدفاع عن الدكتور جعجع وباقي الرفاق وليس نحن فقط، قرّروا ذلك رفضاً للأمر الواقع ورفضاً للطغيان الذي كان يستعمل الشكل الحقوقي والقانوني لتقويض وقتل “أنا” الحرية في الدكتور جعجع وفينا جميعاً. إتخذنا قرارنا هذا لأنه يحقّق لنا الرغبة بالحرية ويحقق سعادة غريبة، لا بل يحقق الذات. ففي المفهوم المسيحي الذي يعاكس منطق العالم، إن تحقيق الذات قد يصل أحياناً الى التضحية بالذات وليس تعظيمها بجمع المال والسعي الى السلطة”.
يتابع الأستاذ أنطون الهاشم عن الأستاذ ألبير، “الاستاذ بدوي ابو ديب وبعد محاكمات الدكتور جعجع ذكرفي كتاب عنونه “محاكمة يسوع” محاكمة سقراط ويسوع المسيح وجاندارك، وفي شرحه كتب وكأنه ينقل محاكمات الدكتور جعجع، ونقل القارئ الى المجلس العدلي. وكأننا نعيش حرب المحاكمات أو حرب الغاء بصيغة مختلفة من دون مدافع وأسلحة”.
في السياق نفسه يقاطع الأستاذ ألبير ليقول “في مقاربة فلسفية بعض الشيء لأن الأحداث في تتابعها ومن دون بعدها الفلسفي لا معنى لها، وإيماننا هو الذي أضفى على تلك الأحداث معانيها، بول ريكور في مقالة شهيرة له بعنوان Avant la Loi morale: L’éthique يقول إن أول حقيقة موجودة في الإنسان “أنا موجود” لكنها تبقى مبتورة لتستكمل بـ”أنا أستطيع”، اذاً قرار التصدّي للمحاكمات هي طريقة لإرادة الوجود، أنا قرّرت أن أكون موجوداً في سبيل قيم أؤمن بها، ولتقصير المسافات بين القيم التي أؤمن بها وبيني. اقول كل ذلك لأننا في صلب معنى محاكمات الدكتور جعجع والشباب كافة الذين حوكموا للهدف عينه وبعضهم حتى استشهد ودفع حياته ثمناً، أردنا أن نضيف معنى جديداً لقرارنا وهو أننا حاولنا من خلال التزامنا التصدّي لمحاكمات الطاغية، أن نقرّب بين مبادئنا وأفعالنا، وهذا مسار حياة، ننجح فيه أحياناً ونفشل أحياناً أخرى. في محاكمة الدكتور جعجع ومحاكمة الشباب بعد الهجوم على زيارة البطريرك مار نصرالله صفير الى الجبل إن على “القوات” أو على العونيين، إستُعِمل القانون بعكس المنطق واستُخدِم لغايات شخصية غير قانونية”.
هذا القرار بالتجنّد للدفاع عن الوجود والـ”أنا” الحرّة الذي اتخذه الأستاذ البير يمين من الواضح أنه كان تورطاً طوعياً، وعلى عبارة تورط يعقّب، “أنا لم أتورط، وعلى الأقل اذا كانت ورطة فهي بالمعنى الإيجابي. أنا في الأساس كنت ملتزماً في قطاع المحامين في “القوات اللبنانية” وكنا أنا وأنطون أصغر المحامين سناً من الموكلين عن الدكتور جعجع، مقابل جهابذة القانون الذين كانوا معنا، كالأساتذة إدمون نعيم وعصام كرم وبدوي أبو ديب …
قبلها كنا ككل الشباب المقاوم في صفوف “القوات اللبنانية”، ولي أخ شهيد هو أنطون إميل يمين. إستشهد في خلال معارك حرب الإلغاء في عين الرمانة. ما فعلناه يوم قررّنا أن نمشي هذا الطريق مع الدكتور جعجع كان نابعاً من إرادة رفض الأمر الواقع، الذي كان يحاول أن يزوّر الحقائق والتاريخ وزعزعة قناعاتنا الشخصية وتقويضنا الى مجرد جسد يخاف ويضعف.
جلسة المحاكمات الأولى كما اذكر كانت عظيمة ومهمة وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها الدكتور جعجع للناس. لحظة دخوله الى قاعة المحكمة كانت جد مؤثرة. أكثر من 100 محام تبرّعوا للدفاع عنه. لا أنسى تجمّعنا أمام مكتب النقيب عصام كرم قرب قصر العدل. وكيف مشينا “بالروبات” السود في اتجاه العدلية لجهة مبنى الأمن العام، ودخلنا من المدخل الرئيسي الى قاعة المحكمة. لم يكن الدكتور جعجع قد وصل الى القاعة. وفور دخوله من الباب علا التصفيق و”هيصة” كبيرة جداً سادت القاعة. كان لقاءً مؤثراً وشعرنا أن عيني الدكتور جعجع كانت تلمعان كالضوء لحظة رأى أن هناك أناساً كثراً لا يتبعونه لشخصه، بل من أجل قضية ومبادىء نؤمن بها نحن وهو. في تلك اللحظة بدأ الدكتور جعجع يوزّع نظراته على كل الذين حضروا ليروه كأنه يسلم عليهم فرداً فرداً، وهذا ما أزعج هيئة الحكمة ودفعها لإسكات الجميع”.
وهما يقلّبان صفحات من تلك الأيام لا يروق لهما الكلام عن بطولات أو إنجازات حققاها. الأستاذ انطون يتذكر يقول، “بالفعل نسأل بعضنا أنا وألبير هذه السنوات الـ20 التي مرّت كيف نحسبها؟ مرّات تكون 20 ثانية، ومرات 20 مليون سنة. وتختلف كثيراً عن الحرب من العام 1975 الى العام 1995. فبين أول 20 سنة وثاني عشرين سنة فرق بعيد، والعشرين سنة الثانية أبشع حتى من الأولى. عشنا 40 عاماً من عمرنا ونحن نناضل ضد حرب الغائنا منذ الرصاصة الأولى في الـ1975. واليوم نعيش حرب الغاء، وعلى الأرجح في السنة المقبلة أيضاً سنعيش حرب إلغاء جديدة”!

يتدخل البير “المسيحي يعيش التوتر الدائم الناتج عن مُعطيين يعيشهما في كيانه، أي أنه في العالم وليس من هذا العالم. من العالم لأنه يتلقى ما في العالم من أزمات، وليس من العالم لأنه مُلتصق بشخص المسيح من المعمودية الى الموت. الأزمة التي عاشها الدكتور جعجع والشباب معه، وأزمة الذين إستشهدوا وماتوا كانت صاعقة ومؤذية صحيح، لكنها لا تفاجئنا، لأننا مسيحيون”!.
يعتبران أن تجربتهما تخللتها لحظات جنون كثيرة وكبيرة، وتعتبر جرائم في لغة القانون يقول استاذ أنطون “الطاغية هنا يحاكمنا بالقانون ويطبقه بوجهه البشع، لأن القانون سلطة استنسابية، وهو وضع الحد الأدنى والحد الأقصى لتطبيقه ما يضع القاضي في صراع مع الضمير، وكي يخرج من هذا الصراع وضع القانون في تصرفه مفاتيح، وهو من خلال هذه المفاتيح يحاول أن يقفل الأبواب في وجهنا، وليصدر في حقنا أحكاماً تلغي وجودنا، وتلغي حقنا بالحياة لأننا خارجون عن القانون وهو قادر أن يظهّر ذلك بحكم قضائي، على أساس أننا فجرنا كنيسة وقتلنا زعماء مسيحيين وألغينا آخرين… نحن أي “القوات اللبنانية” كلها مجتمعة قد حوكمت بهذه التهم وليس فقط الدكتور سمير جعجع. كانت محاكمة مؤسسة، محاكمة شعب! كما محاكمة سقراط ويسوع وجاندارك لم تكن محاكمة شخص بل كل من تبعوه. هكذا حاكموا فكرة “القوات اللبنانية” المبنية على جوهر القضية المسيحية. فقبل القوات كانت هذه الفكرة وبعدها ستبقى، كل همنا كان لتبقى القضية وتبقى “القوات اللبنانية” أن نربح حرب القانون بالقانون. في بعض المحطات ولنربح المعركة إضطررنا أن نتحايل على القانون لنحصل على وثيقة او نصل الى شاهد… لم نزوّر القانون لكن “دوبلنا” عليه لأنهم كانوا أقفلوا كل أبواب القانون أمامنا كي لا نصل الى معطيات تضيء على حقائق معينة. لذا اضطررنا أن نزورب في زواريب القانون لنربح المعركة. كنا نخترع حججاً وقضايا لندخل الى محاكم أقفلت أبوابها علينا، وبحجة هذا الملف نصل الى الملفات التي تتصل بشبابنا وتوقيفاتهم القمعية. حتى أن وصولنا صدفة أحيانا الى مطالعات ومحاضر كانت تهزّ نقابة المحامين واركان الدولة وتبدل في المعطيات. لا يمكن أن ننشر الآن هذه الوقائع رغم أنها شرّعت تبعًا لاجتهادات قانونية.
كانوا يفعلون كل شيء بالقانون لإلغائنا بأحكام قضائية، ونحن كان مسموح لنا كل شيء بالقانون لنبقى ويسود منطق العدالة. فالحرب كانت حرب مفتوحة وما زالت، اليوم يقولون لنا كيف تتغنّون بعدالة المحكمة الدولية وفيها القضاة الذين اتهمتموهم في السابق باستغلال القانون والعدالة؟ نسيوا أن القانون في لاهاي، قانون وهناك مراقبة عليه ومحاسبة. وها هو ابراهيم الأمين قد خضع للاستجواب، من تجرّأ على إملاء أي شيء عليه؟ لا بل شتمهم!. بينما نحن عشنا التعذيب المعنوي للدكتور جعجع الذي كان يمضي ليلته قبل المحاكمة سهراناً بسبب ورقة “تلبّد” على المروحة تبقيه صاحياً كل الليل ليصل في اليوم التالي الى قاعة المحكمة شاحباً مشتتاً متوتراً.. ليرى الناس سمير جعجع الذي يتلاشى وحتى أنهم حاولوا أن يعمموا مقولة إن سمير جعجع مختلّ غير قادر على تحليل الأمور واستيعاب ما يجري خارج السجن، أصفر ضعيف غير متزن في كلامه… وهو في كل مرة كان يبرهن لهم وللعالم أنه قد حفظ ملفه وأتقنه أكثر من أي محام. وأكثر من ذلك تأكد الكل أن أفضل من دافع وترافع عن سمير جعجع كان سمير جعجع بنفسه.
.jpg)
عندما قال شارلومانيه “حاكمني بالقانون أنا لا أخاف لأنني أنا من وضعه وهو قانون عادل، طبقه كما يجب أن يطبق”! هكذا الحكيم كان يقول لهم حاكموني بتطبيق القانون كما يجب أن يطبّق. في المقابل عندما قلنا لهم إن سجن وزراة الدفاع ليس قانونياً، عقدوا جلسة لمجلس النواب وشرّعوه! وشرّعوا معه سجن الأمن العام والعدلية… ومقابل إتهامنا لهم بمنع المواجهة مع موكلنا قالوا لنا ها سمحنا لكم، لكن كيف؟ من دون حتى ورقة وقلم وتحت مراقبة الكاميرات وآلات التسجيل والعسكري مراقب السجن يجلس معنا ويدوّن كل ما يحكى. هذه اللحظات نعيشها لكن يصعب وصفها”.
مرّة كنا في المحكمة العسكرية للدفاع عن شبان صغار أوقفوا خلال إقامة قداس الشهداء في ميفوق، بتهمة إرتداء ملابس عسكرية مع أنهم كانوا إشتروها من تعاونية الجيش، يروي البير “اذكر هذه الواقعة فقط لأبرهن كم يمكن للواحد منا أن يذهب في دفاعه عن الشباب” يقاطعه الأستاذ أنطون “يصحوا المقاتل والمقاوم الذي في داخلك وأنت ترتدين روب المحاماة. كان البير يقول لي “بتخايل حالي انو حاملين البارودة والجعبة نحنا وفايتين”! فعلا كانت معارك نخوضها”! ، يعود الحديث للأستاذ ألبير “قلت للقاضي أنا كنت أيضاً في القداس” فسألني المدّعي العام العسكري “شو كنت لابس؟ كنت لابس متلن”؟ كانوا حاضرين يعني لاتهامي مع أنني محام ولي حصانتي! لم يكن كلامه سوى تهويل وتهديد أنه قادر على محاكمتي أيضاً”.
يستعيد الحديث أستاذ أنطون “حتى بعد محاكمات المجلس العدلي وإختراع 7 آب لتوقيف الشباب وشرذمتهم كانوا يصلون الى قاعة المحكمة بكل عنفوانهم على الرغم من كل الضرب الذي تعرّضوا له ويقولون للقاضي له “إحكمنا”! أذكر الرفيق نادر نادر الذي كان يحاكم في المحكمة العسكرية بتهمة تحقير دولة شقيقة لأنه ردّد في خلال زيارة البطريرك الى الجبل “سوريا طلعي برّا”، وقف أمام القاضي العسكري الذي سأله “أنت من البترون ماذا كنت تفعل في الجبل”؟ وردّ عليه من دون أن يلقنه أحد “طالع قدّس مع البطرك. ما فيك تمنعني قدّس”! هذا هو المقاوم المسيحي كما كلنا الذين حملنا السلاح وعدنا وحملنا الأقلام عندما قرّرنا الدخول في مشروع الدولة”.
يتبع: دور ستريدا وتبييض السجل العدلي للدكتور جعجع.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.