
أصبح العرب اليوم بين مقصلة الإرهاب الذي بات واضح الهويّة وسندان الهجمة الإيديولوجيّة الإيرانيّة على المنطقة، فضلاً عن الموجة الإستعماريّة الجديدة القادمة من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة. لعلّ هذا دافع من أبرز دوافع القلق الذي يسيطر على كلّ المنطقة التي باتت معظم دولها بحالة لا استقرار أمني لافت. ما الذي تقتضيه هذه المرحلة؟ هل تسير دول الشرق الأوسط قاطبة إلى التحلّل والتّفكيك؟
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في سوريا، لا سيّما بعد الإنسحاب الرّوسي، أنّ الإتّفاق الضمني بين الثنائيّة القطبيّة العالميّة قد أنجز، والأيّام القليلة القادمة كفيلة بإظهار نتائجه من خلال ظهوها في الدّول التي ستنشأ عن هذا الإتّفاق. ولعلّ النّفوذ الأميركيّ الملحوظ في إقليم كردستان العراق، والإقليم الكردي الذي أعلن الفدراليّة في سوريا، خير دليل على تموضع الولايات المتّحدة إلى جانب الاكراد، لا سيّما بعد المساعدات الأميركيّة التي تلقّوها في معارك تحرير عين العرب وغيرها من المناطق التي كان يحتلّها داعش. ومن نتائج الإتّفاق الرّوسي – الأميركيّ أيضًا عدم تعرّض جيش النّظام السوري لمناطق الأكراد ولا مرّة في كلّ مراحل الحرب السّوريّة.
وهذا ما يشير إلى أنّ أميركا قد أطلقت يد الرّوس مع النّظام فيما تبقّى من سوريا، وفي حال تمّ القضاء على التطرّف قد تنجح الفصائل المعارضة للنّظام في انتزاع إقليمها او دولتها المستقلّة عن نفوذ النّظام، لكن هذه المسألة باتت صعبة جدًّا لا سيّما بعد سقوط مدينة تدمر التي تعتبر ممرًّا استراتيجيًّا لداعش إلى الجنوب في درعا وإلى الشمال الشّرقي إلى معقله، أي الرّقّة.
لذلك المطلوب اليوم من الشّعب السّوري الذي بات شبه مقتنع بأنّ سوريا غداً لن تكون كسوريا في الأمس، ومنعاً للخطر الداهم الذي يحيط بدول العالم العربي كافة، والذي بات حقيقة وليس وهماً، الدّخول في حلفٍ دوليّ جديد يقوم على احترام الحريّات الدينيّة والشخصيّة لإنتزاع الحق في تقرير المصير كلّ ضمن الطر التي يراها مناسبة لقيمته الحضاريّة.
أمّا في لبنان فالكباش ما زال مستمرّاً بين من يناصر الدّولة ومن يدعم الدّويلة، والمجتمع الدّولي لا يحرّك ساكنًا لانّ لبنان اليوم ليس من أولويّاته. لا أميركا ولا روسيا تحرّكان صفوفهما، بل من يستفيد اليوم وحده من يعتبر نفسه ذراعاً لحليف روسيا في لبنان لأنّ سياسة أوباما الخارجيّة لم تعد تقتضي على المواجهة بل على التّفاوض، ولعلّ الإتّفاق النّووي الإميركيّ- الإيراني هو خير دليل، وما يزيد هذا الإحتمال دقّة الحملات الإنتخابيّة التي تخاض اليوم في الولايات المتّحدة الأميركيّة على أساس إلغاء هذا الإتّفاق وإعادة الولايات المتّحدة إلى سياسة الهجوم والمواجهة لا سياسة الخنوع والتّفاوض.
المطلوب اليوم في لبنان، العمل على إعادة استقامة عجلة الدّولة بكلّ أركانها وهذه ليست بمهمّة مستحيلة طالما وجد في لبنان من هو مستعدّ لأن يدفع اليوم نفس الثّمن الذي دفعه بالأمس القريب والبعيد للحفاظ على الكيان الذي ولد بأصعب عمليّة مخاض ممكنة. يبقى ان نعمل على كيفيّة تحقيق هذا الهدف الذي لن يتحقّق إلا من خلال عودة أصحاب الهداف الأيديولوجيّة والإستراتيجيّة الإقليميّة إلى حاضنة الدّولة اللبنانيّة، أعني “حزب الله” اللبناني الذي يفاخر بكونه ذراعًا عسكريًّا من أذرع الأمبراطوريّة الفارسيّة الموعودة بالولادة الجديدة.
ولمحاربة الإرهاب المتفشّي في معظم الدّول العربيّة مطلوب الإنخراط في التحالف العربي لضرب كلّ التنظيمات الإرهابيّة فضلا عن العمل على القطاع المصرفيّ العربي لقطع الشريان الحيوي المالي لكلّ هذه التنظيمات، وهذا ما بدأت به بعض الدّول الخليجيّة. ومن ثمّ العمل على نشر ثقافة السلام التي لن تكون سهلة أبداً، وهي ثقافة مستدامة، يجب ألّا ترتبط مدّة نشرها بتاريخ زمنيّ، أو بمكان جغرافيّ بل في إطار تكنولوجيّ معولم.
ففي حال تطبيق مقتضيات هذه المرحلة على الشكل الذي أشرنا إليه آنفًا، لا خوف من بقاء شكل الدّول على حالها، أو حتّى تحوّلها إلى دول بخرائط جديدة وفقًا لمصالح مجموعاتها الحضاريّة التي كوّنت في المرحلة الماضية أشكال دول، لذلك من الأفضل في المرحلة الجديدة أن تكون دولا وإلا لا تكون.