#adsense

إفتتاحية “المسيرة”: لولا “القوات”…­­

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1553

غادر زياد لبنان منذ نحو عشرين عاماً. كان مقاتلاً في “القوات اللبنانية” خلال الحرب. في مرحلة الملاحقات والتوقيفات والإعتقالات ومع حل حزب “القوات” واعتقال قائده سمير جعجع سلك طريق الهجرة من أجل أن يؤمن مستقبلاً آخر في بلاد أخرى يستطيع فيها أن يتابع مسيرته النضالية وإيمانه من دون أن يتم توقيفه.

اختار زياد السويد وجهته. لم تكن مسألة الإنخراط في محيطه الجديد بسيطة لأنه كان عليه أن يبدأ كل شيء من جديد. هناك تعلم اللغة واتخذ لنفسه مهنة جديدة في ترميم المنازل وإعادة تجديدها.

لم ينس زياد كيف بدأت الحرب في لبنان وكيف اختار أن يكون مقاتلاً في “القوات اللبنانية”. فذاك الدم بقي يسري في عروقه وكأن الحرب في يومها الأول. أحياناً كثيرة كان يتجنب الدخول في تفاصيل حياته السابقة في مجتمعه الجديد ليس هرباً من ماضٍ اعتبره دائماً مجيداً بل لأنه اعتبر دائماً أن هذا الماضي لا يفيد البلاد التي يعيش فيها والناس الذين يحتك بهم.

لم يستطع زياد أن يبدل سحنته اللبنانية المشرقية. فهو لا يشبه السويديين في شيء ومع ذلك لم يكن يشعر بالغربة في البلاد المفتوحة أمام الغرباء من أجل أن يكونوا مواطنين وقد نجح في أن يكون مواطناً سويدياً بامتياز وأن يؤسس شركة لإدارة أعماله.

في تواصله الدائم مع أصدقائه وأقاربه في لبنان كان يعيش باستمرار هموم وطنه الأول وأخبار الحرب في سوريا وتطوراتها. عندما حصلت عمليات التفجير الإرهابية في باريس في 13 تشرين الثاني من العام الماضي استيقظت في داخله هواجس الحرب اللبنانية وتذكر اليوم الأول الذي حمل فيه البندقية دفاعاً عن أهله ووطنه. وكان يستغرب عدم مبالاة الشعوب الأوروبية الدائمة في وعي أخطار ما يمكن أن تتعرض له. في ساعات ليله عندما يعود من عمله بدأت تراوده أفكار وتساؤلات: متى ستجد أوروبا نفسها أمام استحقاق حمل السلاح ومواجهة الخطر.

بعد يومين على تفجيرات بروكسل في 22 آذار الماضي كان لديه موعد للعمل في ورشة ترميم أحد المنازل السويدية. كعادته ذهب باكراً. عندما دخل البيت السويدي سأله صاحب المنزل مباشرة: هل أنت عربي؟ لم يعتد سابقاً أن توجه إليه مثل هذه الأسئلة. بغض النظر عن أصوله فهو صار مواطناً سويدياً. تفاجأ بالسؤال وأدرك بطبيعة حدسه أن السيد الذي يسأله لديه هواجس أمنية. سريعاً أراد أن يكسر حاجز القلق. قال له إنه لبناني مسيحي. انفرجت أسارير الرجل وزاد في انفتاحه في الكلام عندما كشف عن خوفه من الخطر الجديد الذي انفجر في بروكسل واحتمال انتقاله إلى السويد أو أي دولة أوروبية أخرى. لم تكن تلك من عادات السويديين أن يظهروا مثل هذا الخوف. ولأن المسألة باتت مطروحة كشف زياد بعض ماضيه. قال للرجل إنه مسيحي من لبنان وإنه كان مقاتلاً في “القوات اللبنانية”. وإنه انخرط في الحرب التي فرضت على اللبنانيين دفاعاً عن النفس وإنه شارك في الكثير من المعارك وأصيب في عدد من الجبهات وإن رفاقاً له استشهدوا وهم يقاتلون. كان الرجل يعرف عن لبنان قليلاً. لم يكن يهمه في السابق أن يعيد اكتشاف التجربة اللبنانية ولكن هذه المرة بدا مهتماً أكثر في المعرفة. وبدل أن يكمل زياد العمل في ورشة الترميم انشغل في ورشة إعادة ترميم الذاكرة ونقل التجربة التي عاشها مع “القوات اللبنانية” خلال الحرب.

قال زياد “كانت لدينا دولة. ولكن لم يكن لدينا سلطة. كان لدينا جيش ولكن لم يكن له دور في منع الحرب. هكذا وجدنا أنفسنا في قلب الخطر إما أن نقاتل إما أن نُقتَل”.

كنتم تقاتلون الإرهابيين؟ سأل السويدي.

أجاب زياد: “قاتلنا تنظيمات إرهابية كثيرة ونظاماً إرهابياً واحداً. في كل يوم كان يحصل عندنا ما حصل في بروكسل. نحن كنا نعيش يومياً مع الخطر. السيارات المفخخة أكبر بكثير من العمليات الإنتحارية. لست تذكر بالطبع ربما لم تطلع على ما حصل عندنا لأنك لم تعش تلك المراحل. كانت شوارعنا تدك بقصف راجمات جيش النظام السوري. شعب كامل كان يقاوم من الملاجئ ويخرج في اليوم الثاني إلى العمل بينما نكون نحن على الجبهات. كانت إرادة الحياة لدينا أقوى من خطر الموت. لم يكن هناك “داعش” بعد كان النظام السوري أكبر من “داعش” بكثير.

هل أصبت في الحرب؟ سأل السويدي.

كشف زياد عن ذراعه وقال: هذه إحدى الإصابات.

على رغم ذلك بقيت تقاتل؟ استفسر السويدي. وأضاف: متى حصل ذلك؟

أعاد زياد تغطية ذراعه ووقف وأجاب: “لم يكن لدينا مفر من الإستمرار في القتال. في مثل هذه الأيام أصبت. أنت تعرف ربما بيروت عاصمة لبنان ولكنك قد لا تكون سمعت بزحلة. هي مدينة مسيحية في سهل البقاع أراد النظام السوري أن يحتلها. لم تكن هناك طريق بيننا وبين زحلة. وكان علينا أن نشارك في القتال دفاعاً عنها وبالتالي كان واجباً أن نعبر سلسلة من الجبال سيراً على الأقدام وفي الثلج للوصول مع ذخائرنا. هناك في زحلة أصبت. لقد نقل صمود مقاتلينا في زحلة قضيتنا إلى العالم كله. وبعدها كانت لنا جولات قتال كثيرة. قصصنا مع الحرب طويلة لكن لماذا أنت مهتم اليوم بالأمر؟ لماذا تسألني عن أصولي؟ هل أنتم خائفون”؟

لم يخْفِ السويدي خشيته وخوفه من الخطر الذي بات يتهدد أوروبا. وسأل: هل يمكن أن يحصل عندنا ما حصل عندكم؟

“لا أعتقد ذلك” قال زياد.”أنتم لديكم دول ومؤسسات وجيوش وأجهزة أمنية. نحن لم يكن لدينا ذلك. لولا “القوات اللبنانية” لما بقي لبنان”.

بينما يسألون في السويد عن تجربة “القوات اللبنانية” هناك من يعمل في لبنان على تحجيم حضور “القوات” والإستمرار في تغييب دور الدولة. ثمة من يخشى تفاهم “القوات” مع “التيار الوطني الحر” ليس لمجرد الرفض بل لأن هذا التفاهم يعيد الحضور المسيحي إلى الدولة ويعيد الدولة إلى الحياة. إذا كان هناك من يعتبر أن “القوات” لا تمثل الميثاقية مع “التيار” فلماذا هذا الخوف إذاً؟ لماذا يعود الشيخ محمد يزبك رئيس الهيئة الشرعية في “حزب الله” إلى التذكير برفض عودة المارونية السياسية؟ ولماذا يكشف البعض عن خشيته من احتمال أن ينزل “التيار” و”القوات” على الأرض حتى قبل أن يقررا ذلك. لماذا دائماً كان يقال عن أن “القوات” وتيار “المستقبل” يشكلان عصب 14 آذار ولماذا لم يتم الإحتفال هذه السنة بذكرى 14 آذار إذا كانت الأحزاب والشخصيات المنضوية في 14 آذار تعتبر نفسها أنها تمثل أكثر من “القوات”؟

إذا كانت تجربة انتخابات الرابطة المارونية في ظل تفاهم “القوات” و”التيار” رسمت معالم مرحلة مقبلة فإن الإنتخابات البلدية ستكمل هذه المشهدية من خلال تعميم هذا التفاهم على الأرض. ولذلك هناك خشية من أن تكون الإنتخابات النيابية غير بعيدة عن هذه النتيجة. لقد بدأت الحرب في لبنان للقضاء على الحضور المسيحي والدور المسيحي فيه تحت حجة محاربة المارونية السياسية. ولكن هذه المارونية هي التي أنشأت الدولة وصنعت وطناً ولم تلغ أحداً. وإذا اعتبر البعض أنه قضى عليها فإنه لم يعمل في المقابل على إقامة الدولة البديلة ولذلك يستمر الفراغ في الحكم. منذ العام 1990 حكم النظام السوري لبنان مباشرة وعلى مدى 15 عاماً عجز عن صناعة قيادات مسيحية جديدة تحظى بالشعبية على رغم محاولة القضاء على “القوات اللبنانية”. لقد عمل كثيرون على تقاسم تركة الحضور المسيحي وحاولوا دفنه ووضع حجر كبير على قبره حتى لا تقوم له قيامة. ولكن هذا الحضور لا يلغى بمثل هذه السهولة وليس قليلاً أنه بعد 26 عامًا على انتهاء الحرب العسكرية في لبنان أن يخرج شخص من السويد ليسأل عن تجربة “القوات اللبنانية” ويكشف عن خوفه ويستفسر عن طريقة مواجهة الخطر الإرهابي الذي يعم أوروبا وأن يكتشف أنه لولا “القوات اللبنانية” لما بقي لبنان وأنه من دون “القوات” لن يعود لبنان.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل